في يوم المرأة؛ النظر لمشاكلها من زاوية المساواة الضيقة هو استعباد لها ومصادرة لإنسانيتها
March 13, 2018

في يوم المرأة؛ النظر لمشاكلها من زاوية المساواة الضيقة هو استعباد لها ومصادرة لإنسانيتها

في يوم المرأة؛ النظر لمشاكلها من زاوية المساواة الضيقة

هو استعباد لها ومصادرة لإنسانيتها

تحتفل وزارة الشؤون الاجتماعية بولاية شمال دارفور، باليوم العالمي للمرأة، ويجيء هذا الاحتفال، بمشاركة واجهات المرأة والمنظمات الوطنية والأجنبية تحت شعار: (المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة في الريف).

وأكدت المدير العام للوزارة، أن الاحتفال باليوم العالمي يأتي اعترافا وتقديرا بالأدوار الطليعية والرائدة للمرأة في كافة أوجه الحياة، بجانب إعداد الأطر اللازمة لتمكين المرأة وتعزيز دورها (الاجتماعي) من خلال تنمية وتطوير قدراتها الذاتية. (سونا 9/3/2018م).

في يوم 8 آذار/مارس 1908، خرجت آلاف النساء في مظاهرات حاشدة بنيويورك مطالبات في هذه المسيرة، بتخفيض ساعات العمل ووقف تشغيل الأطفال ومنح النساء حق الاقتراع، وفي عام 1977م أصدرت منظمة الأمم المتحدة قراراً يدعو دول العالم إلى اعتماد يوم عالمي للمرأة وتحول بالتالي ذلك اليوم إلى رمز لنضال المرأة، تخرج فيه النساء في أنحاء العالم في مظاهرات للمطالبة بحقوقهن.

من الواضح جدا أن احتفال وزارة الشؤون الاجتماعية في الفاشر بمشاركة المنظمات الأجنبية ما هو إلا سير على خطا الغربيات، لنيل ما يسمى حقوقا، هذه الحقوق في جوهرها هي إشقاء للمرأة، وتحميلها فوق ما تطيق، ودراسات الغرب التي تتم بواسطة المراكز الرسمية تدل على عنف وتمييز للمرأة، أكثر مما كانت عليه في القرون الوسطى، لكن تم تغليف ذلك بشعارات ظاهرها الرحمة، وباطنها فيه العذاب.

إن مجرد الدعوة "للمساواة" في الحقوق للمرأة والرجل في الحياة والمجتمع، من خلال فكرة المساواة بين الجنسين، لا تنتج حياة أفضل لهن، ولا تحقق الاستقرار، بل على النقيض من ذلك، فقد شقيت النساء بترك أدوارهن الطبيعية الفطرية، والانشغال بتحقيق القيمة الذاتية ليتحررن اقتصاديا، فانهمكن في العمل، فيستفقن وهن قد وهن العظم منهن، واشتعل الرأس شيبا، فأي قيمة ذاتية للمرأة بدون أسرة تؤويها، وبدون رجل يقوم عليها، ويكفيها مؤونة الحياة، وهي ملكة في بيتها؛ ربة البيت، وسر نجاح أسرتها!!

إن الأوضاع البائسة التي تعانيها النساء اليوم، ليس بسبب عدم مساواة المرأة بالرجل، إنما هي بسبب النظام الرأسمالي العلماني الذي يهيمن على السياسة والاقتصاد في العالم. وهذه حقيقة لا يجحدها إلا جاهل، إنه النظام الذي سبب التفاوت الفادح في الثروات، وأصاب الاقتصاد العالمي بالشلل، بالمضاربات والربا، مما أفقر ملايين الأسر، وأدى إلى انهيار أنظمة التعليم والرعاية الصحية وغيرها من الخدمات الضرورية للحياة. والأخطر من ذلك أن الرأسمالية المادية لها قيم هدامة للمجتمع؛ قيم التحرر التي لا ترى خطراً، في استغلال أجساد النساء من أجل الكسب المادي، ما أدى إلى إيجاد بيئة مهيأة للفساد والإفساد، تكتوى بنارها المرأة أولاً، فتعيش معيلة للأطفال، بينما يفلت الرجل بجرمه فتكون الرأسمالية هي المميز الرئيس للمرأة عن الرجل، لا كما تدعي أنها ساوت بينهم. علاوة على ذلك فإن القيم الليبرالية العلمانية التي تقدس السعي لتحقيق الرغبات الفردية، وتدعو إلى النظرة الجنسية للمرأة، بتحريرها عن كل ما يصونها ويحميها، هي أس البلاء، وأصل الداء، فقد رفضوا بقيمهم القاصرة هذه، ولاية الرجل على المرأة، واعتبروها انتقاصا لها، وهم لا يدرون أنها ولاية رعاية، وتكريم، فتركوها في مجتمع الغاب وحيدة، مهضومة الحقوق، مظلومة، حرروها من الزي المحتشم، فأصبحت موضع الأنظار للذئاب البشرية، مما أدى إلى تدهور أوضاع النساء في مجتمعاتهم، وتسببت في وباء الجرائم الجنسية، وغيرها من الانتهاكات، التي تواجهها المرأة في كل العالم اليوم، وبالتالي فإن النظرة لمشاكل المرأة من زاوية المساواة الضيقة، هي استعباد للمرأة ومصادرة لإنسانيتها.

لهذا فإن إعلان بكين ومعاهدات المرأة الدولية، مثل سيداو، وما لا تحصى من لوائح المساواة المنصوص عليها في هذه المعاهدات، والتي فُرضت على الدول لتطبيقها، قد أثبتت فشلها الذريع جملة وتفصيلاً، في ضمان الاحترام، والحياة الكريمة لملايين النساء حول العالم. وهذا دليل واضح على أن المنظمات النسوية والحكومات والمؤسسات، الذين يروِّجون لأفكار المساواة بين الرجل والمرأة، لا يملكون رؤية حقيقية صادقة موثوقاً بها لحل مشاكل النساء، بل على النقيض من ذلك، فهم من أشقوها.

إنّ أي مبدأ بشري، مهما علا في الأرض، فهو قاصر، وغير قادر على فهم وحل القضايا الرئيسية المتعلقة بدور الرجل، ودور المرأة في المجتمع، والعلاقة بينهما، وحقوق وواجبات كل منهما تجاه الآخر، فكان نتيجة تطبيق فكرة المساواة، وتمكين المرأة، أنْ صعّب عليها الحصول على الزوج، وشجع الزنا، وحرَم المرأة من حقها في النفقة عليها وعلى أولادها، فأصبحت معيلة لا مفر لها من العمل للإنفاق على نفسها، وتربية أطفالها، وقد أدى ذلك إلى تفكك الأسر، وتدهور الأوضاع في المجتمعات الأوروبية بخاصة، وامتهان شرف المرأة، والسماح بتصويرها على أنها محل لإشباع رغبات الرجل على نطاق واسع، حيث أدى ذلك إلى التحرش بالنساء، وسوء المعاملة، والاغتصاب، وقد أثرت هذه المفاهيم الفاسدة على جميع قطاعات المجتمع، الأغنياء والفقراء.

وعلى الرغم من الفشل الذريع للفكر الغربي في إنصاف المرأة، فإنّ الحكومات الغربية تخصص مئات الملايين من الدولارات لتعزيز القيم الغربية في مجتمعات المسلمين، بإجبار الحكومات القائمة لتبني اتفاقية سيداو، التي تتبنى رأياً فاسداً مفاده (إنّ اضطهاد المرأة هو نتيجة للقوانين الدينية)، ويؤكدون هذا الرأي بالتجربة الغربية للكنيسة النصرانية، وهي قوانين محرفة لا صلة لها بالله تعالى، ولا صلة لها بما جاء به نبينا محمد e، الذي منح المرأة حقوقها منذ أكثر من أربعة عشر قرنا، وهي الحقوق التي تحلم بها المرأة في العالم، ومع ذلك، فإنّ حكام المسلمين يعززون من نشر هذه القيم الغربية سيراً في ركاب الغرب الكافر، وتركا لشريعة الله سبحانه وتعالى، التي هي الدواء لكل داء.

إن الإسلام قد حدد الحقوق والواجبات، لكل من الرجل والمرأة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: 32]. إنّ هذه الحقوق التي مُنحت للمرأة من لدن المولى سبحانه وتعالى، دون نضال، لا يمكن أن تمنحها إياها أي جهة في الأرض، بل هي الرفعة والعبودية لله وحده، والتخلص من التعبد لمن سواه تعالى.

إن الحقوق والواجبات التي فرضها الله تعالى، رب المرأة، لا تعتمد على قدرتها على الكسب، أو قيمتها الاقتصادية، بل هي النظرة الصحيحة للمرأة، من خالقها منة وتفضلاً، كما أن تحصيل هذه الحقوق هي عبادة لله بالتزام أمره لا يتحصل عليها من خلال القانون فقط، بل إنّ المجتمع المسلم الذي تنتشر فيه قيم الإسلام، هو الضامن الرئيس لمنع المضايقات، وسوء المعاملة، والعنف ضد المرأة بوازع تقوى الله، ومراقبته في السر والعلن. لقد حفظ الإسلام شرف المرأة وحرم الاعتداء عليها، كما حظر الإساءة إلى سمعتها واستغلال مفاتنها، أو استخدام جسدها كسلعة، فمنع التبرج والاختلاط والخلوة، وجعل المرأة ذات مكانة سامية عند الجميع، قال رسول الله e: «فَاتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا» ووصى الرسول e بالنساء فقال عليه الصلاة والسلام: «فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا».

وقد أنتجت هذه المفاهيم الصادقة، العادلة، المنصفة، الاستقرارَ والطمأنينة في المجتمع المسلم، تحت ظل دولة الخلافة، لأكثر من ألف سنة، مما أنتج أجيالاً يسطر التاريخ أنهم أرقى، وأعدل، وأنفع الناس للناس، وإن عودة هذا الرقي يوشك أن يكون، فتسمو المرأة في ظله، وترتقي، وإن غداً لناظره قريب.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

غادة عبد الجبار – أم أواب

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو