في زمن سقوط الأقنعة
May 04, 2020

في زمن سقوط الأقنعة

في زمن سقوط الأقنعة

نحن الآن في زمن سقوط الأقنعة؛ ولعل ما أصاب العالم من وباء كورونا، وما سببه من انكشاف عوار النظام الرأسمالي الذي يحكم العالم اليوم، هو ما عجل في سقوط تلك الأقنعة. فما يعيشه العالم اليوم في ظل انتشار وباء كورونا وفشل نظام الرعاية الصحية في أغلب دول العالم، أبرز الحديث عن ضرورة البحث الحثيث عن بديل للنظام الرأسمالي الحاكم اليوم.

لقد سقط القناع عن كل الأفكار العفنة التي تولدت بعد سقوط دولة الخلافة، والتي كان للغرب دورٌ كبير في نشرها بين أبناء المسلمين، كأفكار الديمقراطية والحريات والوطنية والقومية. فمن قبل كانت أمريكا قد أعلنت حرباً صليبية على المسلمين جميعاً، بدأت بأفغانستان ثم من بعدها العراق، ثم ما لبثت أن أعلنت أمريكا حربا عالمية ضد الإرهاب، وما هي إلا حرب على الإسلام وأفكاره ومفاهيمه وأنظمته، وحرب على حملة الدعوة والعاملين على إعادة الإسلام إلى الحكم من خلال إقامة الخلافة واستئناف الحياة الإسلامية. وقد أدرك المسلمون شراسة هذه الحرب وأن دول الكفر جميعاً قد رمتهم عن قوس واحدة، وأعلنت العداء للمسلمين الذين وصمتهم بالإرهاب، وتداعت عليهم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها.

سقط قناع الديمقراطية وانكشف زيفها وهشاشتها، فقد داس عليها السيسي بانقلابه العسكري وتلقى دعما لا نظير له من دول الغرب التي ترفع شعار الديمقراطية الزائف هذا، كما دعمت دول الغرب الديمقراطية نظام بشار أسد المجرم، وهو نظام ديكتاتوري رفض ثورة شعبية عليه، كان الأولى بدول الغرب التي تدعي دعمها للديمقراطية والحرية أن تقف مع الشعب الثائر ضد نظام ديكتاتوري مجرم، ولكنها لم تفعل وإن ادعت غير ذلك. لقد انهارت ديمقراطية المنظومة الغربية السياسية الزائفة تباعاً. فبعد مشاهد غوانتانامو وأبو غريب والمعتقلات الأمريكية الشريرة، والتمييز العنصري، إضافة إلى حرب الحجاب بلا هوادة في فرنسا وفي غيرها من البلاد الأوروبية، وملاحقة وطرد وحظر كل من يمارس العمل السياسي الفكري على أساس الإسلام دون اللجوء للعنف، كما هو شأن ألمانيا والدنمارك وأستراليا وبريطانيا مع حزب التحرير... فبعد كل ذلك وغيره، نستطيع أن نقول إن أفول نجم الديمقراطية بات أمراً حتمياً ومسألة وقت لا أكثر، وإن البشرية أمام تحول قادم لا محالة، بخاصة مع تصاعد درجة الظلم الذي تمارسه الدول الكبرى وأذنابها في العالم بشكل مقزز وعلى مرأى ومسمع الجميع باسم تعزيز الديمقراطية ونشرها ومحاربة (الإرهاب).

سقط القناع عن تلك الأنظمة القائمة في العالم... تلك الأنظمة التي لم يهتز لها جفن وهي ترى دماء أبناء أمتها تهرق في أفغانستان والعراق وفلسطين وسوريا واليمن. لقد انكشفت وضاعة هؤلاء الحكام وخيانتهم لله ولرسوله وللمؤمنين، بعد أن تلطخت أيديهم بدماء أبناء الأمة الذين رفعوا الصوت عاليا لإسقاط تلك الأنظمة العميلة التي نصبها الغرب الكافر على رقاب المسلمين. لقد بات واضحاً أن هؤلاء الحكام الرويبضات المتربعين على كراسي السلطة لا يمكن أن يشعروا بالخزي والندامة والعار لما ألحقوا بأمتهم من ذل وهوان وأنهم يمكن أن يفعلوا أي شيء في سبيل احتفاظهم بكراسيهم.

كما سقط قناع حاولت الأنظمة القائمة في بلاد المسلمين أن تجعله واقعا لا يمكن الفكاك منه، وهو أن تلك الأنظمة العميلة قدر مسلَّم به، لا يمكن الخروج عليها وإسقاطها، وأن الأمة قد استسلمت لقدرها هذا ورضيت العيش في ظل هكذا أنظمة، وأن الأمة قد ماتت والسلام وقد تودع منها، فإذا بالأمة تثور في وجه تلك الأنظمة، ولا تحسب للعواقب أي حساب، فلا الخوف من بطش الأنظمة يلجمها، ولا البراميل المتفجرة ترعبها، ولا التنكيل بحملة الدعوة يثنيها عن الوقوف وبقوة في وجه تلك الأنظمة التي أدركت الأمة خيانتها لله ولرسوله وللمؤمنين. لقد تعرّت تلك الأنظمة وبان عوارها وانكشف زيفها وعمالتها لأعداء الأمة الذين يريدونها أمة ميتة لا روح فيها ولا حركة.

نعم لقد أثبتت الثورات التي هبت جوّالة في بلاد المسلمين، حيوية تلك الأمة وقدرتها على الحركة، وحبها للإسلام ورغبتها الجامحة في العودة للعيش في ظل عدله وأمنه، وعاد لفكرة الخلافة بريقها ورونقها برغم محاولات التشويه التي قام بها أعداء الأمة والخلافة من دول الغرب وأذبابهم في بلاد المسلمين.

سقط القناع عن بعض الحركات الإسلامية التي قضت سنوات طويلة في بناء المستشفيات والمدارس والمساجد على اعتبار أنها خطوات في طريق نهضة الأمة دون أن يركزوا جهودهم، بالإضافة إلى ذلك، في العمل لإقامة الدولة التي تحمي هذه المدارس والمساجد والمستشفيات، تلك الحركات التي رفعت شعار الإسلام الوسطي أو المعتدل، والتي أرادت من خلاله التقرب إلى الغرب عله يرضى عنها ويدعمها، فإذا بها تتلقى ضربات كادت أن تعصف بها، ولم يشفع لها تنازلها عن الكثير من ثوابت الإسلام، ولا انبطاحها أمام أفكار الغرب الفاسدة كالديمقراطية والحريات وغيرهما.

سقط القناع عن أولئك المشايخ الذين باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم... وحاولوا إرضاء أمريكا التي لا يمكن أن ترضى عنهم. قال تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]، وأغضبوا رب العالمين الذي خلقهم، وأنعم عليهم بنعمة الإسلام وحمّلهم أمانة عظيمة، أن يقولوا كلمة الحق ولا يخافوا في الله لومة لائم... وجعلهم ورثة الأنبياء، إلاّ أنهم أبوْا أن ينالوا هذه المكانة العظيمة التي أرادها الله لهم فكانوا كأحبار بني إسرائيل (كالحمار يحمل أسفاراً)... انكشف القناع عن أولئك المشايخ - علماء السلاطين - الذين أفتوْا بجواز أن يقتل المسلم الأمريكي أخاه المسلم الأفغاني أو العربي استناداً إلى أدلة ما أنزل الله بها من سلطان، والذين انحازوا لحكام يحكمون بغير ما أنزل الله، ضد أمتهم التي ثارت عليهم لخلعهم، بل أجازوا لهؤلاء الحكام قتل أبناء الأمة بدم بارد بعد أن جعلوا من هؤلاء الحكام ولاة أمر شرعيين، ومن أبناء الأمة الثائرين خوارج يجب قتلهم دون أن يرف لهم جفن.

سقط القناع عما أسموه، تضليلاً، عملية السلام، وإذا بنا نرى جميعاً بأم أعيننا السلام في عرف يهود وأمريكا هو الاستسلام والخضوع للهيمنة الأمريكية بعين راضية، والتنازل عن كل المقدسات، والقبول بصفقة ترامب التي أعلنها لإنهاء القضية الفلسطينية، فالأمة اليوم لا تنتظر من حكام المسلمين عربا وعجما حراكا، فقد أدركت الأمة أن هؤلاء الحكام ما هم إلا خدم وعملاء ينفذون ما يملى عليهم من أسيادهم في الغرب الكافر المستعمر ظنا منهم أن هذا سيحفظ لهم عروشهم المهترئة. نعم إن الأمة قد نفضت أيديها من هؤلاء الحكام الذين ما أورثوها إلا ذلا وخنوعا، وإنها تعول على المخلصين من أبنائها في القوات المسلحة الذين لا يرضون بالذل والهوان، وهم يرون كيف أن النظام قد فرط بمقدرات الأمة وأسلم الأمة إلى أعدائها يسومونها سوء العذاب. سقط القناع وانكشف كل هؤلاء المهرولين الذين يسيرون في ركاب أمريكا باعتبارها (الراعي الرسمي) لعملية السلام. ذلك الراعي (النزيه!)، الذي يرى في الدفاع عن كرامة الأمة، والعمل على تحرير الأرض من هؤلاء المغتصبين عملاً إرهابياً، وها هي أمريكا تصنف من تريد في قائمة ما تسميه بالإرهاب. فتجمد الأموال وتعتقل وتقتل وتطالب عملاءها في بلاد المسلمين بمثل ذلك، متناسية ما كانت تتشدق به من أقوال فارغة عن حقوق الإنسان. تطالب الآخرين بالأدلة ولكنها هي لا تقيم وزناً لمن يطالبها بالأدلة، فقد شنت أمريكا حربا ضروسا ضد المسلمين في أفغانستان والعراق دون أن تقدم أدلة في أفغانستان، أو بتزييف الأدلة في حربها ضد العراق.

مطلوب اليوم من المسلمين ألاّ ييأسوا مما يحدث برغم بشاعته فهو بشير خير لهذه الأمة العظيمة. وهذه الحملة الأمريكية على الإسلام والمسلمين هي دليل واضح على أن الإسلام هو الخطر الحقيقي على حضارة الغرب، وإننا رغم إمكانياتنا الضعيفة قادرون على أن نكون نداً لأمريكا والغرب الكافر. والأمة قادرة بإذن الله - فهو معينها وناصرها - أن تقيم الخلافة التي تطبق الإسلام في الداخل والتي ستحمله إلى الخارج رسالة عالمية فيها الخير لكل البشرية التي اصطلت بنار الرأسمالية العفنة التي هي اليوم أقرب إلى الأفول والانهيار.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حامد عبد العزيز

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو