February 01, 2015

فيلم مقابل الدعاية: "القناص الأمريكي" والانعكاسات على المجتمعات المسلمة (مترجم)


"القناص الأمريكي" هو من أفلام الحركة والدراما الأمريكية رفيعة المستوى، من إنتاج عام 2014 وإخراج كلينت إيستوود، حيث تستند قصة الفيلم على السيرة الذاتية لكريس كايل القناص الأكثر فتكا في تاريخ الولايات المتحدة العسكري، والذي تسبب في مقتل 255 شخصا في العراق، تأكد منهم 160 حسب وزارة الدفاع، وقد حصل كايل، القناص الأكثر دموية في التاريخ الأمريكي، لنفسه على عدة ألقاب مثل "الأسطورة" وصاحب أكبر سجل في القنص، في الوقت نفسه، سجلت طفرة هائلة في الجرائم العنصرية والكراهية والتهديدات ضد الجاليات العربية المسلمة في الولايات المتحدة.


ماذا يعني الفيلم لأولئك الذين شاهدوه بما يحويه من تحريف فاضح بعد أن تصدر شباك التذاكر في الأسبوع الأول بملايين الدولارات وحصل على العديد من الجوائز؟ نحن على دراية بتصوير هوليوود لجنود الولايات المتحدة كأشخاص قساة ومتعطشين للدم والانتقام النابعين من إحساسهم بالواجب الوطني لبلدهم، ثم يعودون لبلدهم مسرورين بما قاموا به من قتل في حرب العراق وغيرها من البلدان الإسلامية.


تعتبر وسائل الإعلام وسيطاً آخر في إيصال وجهات نظر معينة للمجتمع، واقتناص ملايين الدولارات والوصول لعدة أهداف، ويعبّر مخرجو الأفلام، الذين يعتبرون أنفسهم عرّابي الأخلاق، عن وجهة نظرهم في حرب ضخمة بنيت على أسس خاطئة من البداية في إعلان الحرب على العراق وشعبها بما ادعته الحكومة أن الرئيس العراقي صدام حسين يملك أسلحة الدمار الشامل، أما حكاية الفيلم فمنسوجة كخرافة واهية وبوق دعاية واسعة وشاملة الحرب.. حيث يكرر القتل لكل من يشكل تهديداً سواء أكان رجلا في بدلة أو امرأة في عباءة سوداء أو طفلا ذاهبا إلى المدرسة، ويقتبس الفيلم من تصريحات كايل في الحياة الحقيقية قوله "كرهت ما كنا نقاتل في العراق من الشر والحقارة والوحشية - هذا ما كنا نحارب في العراق"، ولا غرابة في حصول الفيلم على طوفان من التكريم والترشيحات للجوائز؛ وذلك للتأكيد على صحة الفيلم لعامة الناس سواء في الولايات المتحدة أو خارجها، وكما قال أحد النقاد السينمائيين بأن القصة تدور "حول شخص حقيقي"، و"أنها قصة إنسانية، وليست سياسية"، كيف يمكن لهذا أن لا يكون سياسيا؟


بالنسبة للمشاهدين، كبداية، لا يمكن استبعاد التحريض في الفيلم وإطلاق العنان لـ"قتل العرب" أو الحاجة إلى قتل "بعض الأشخاص السيئين"، وذلك في حكاية قصة إنسانية، فأين هي الإنسانية في فيلم يحكي قصة المذبحة التي تحرض على العنصرية والعنف تجاه من يعيشون في بلد بأكمله؟ يقول أيوب المدير القانوني للجنة مكافحة التمييز في المجتمعات العربية الأمريكية في واشنطن العاصمة، أن هناك ارتفاعاً حاداً في جرائم الكراهية والتهديدات ضد الجالية العربية، أما الكاتبة صوفيا مكلينين فكتبت تقول "الفيلم يحكي عن ارتباط مباشر بين أحداث 11/9 والحرب في العراق، متناسين تماما أن الحرب في العراق لا علاقة لها بالمرة مع أحداث 11/9، لا أحد من المهاجمين في ذلك اليوم كانت له أي صلة بالعراق، لذلك كان من الوهم ربط العراق بذلك الحدث، وحتى إدارة بوش لم تدلِ بأي تصريح علني عن ارتباط كهذا".


ولتحديد القضايا التي سأعالجها هنا: صلة أحداث 11/9 بالحرب على العراق؛ جرائم الكراهية ضد "المسلمين العرب" أو أي شخص ينتمي لهم من قريب أو بعيد؛ الشهية للعنف والدم في الثقافة الأمريكية؛ السياسة المقنعة في شكل التعبير السينمائي؛ ومسؤولية الرقابة ونموذج حرية التعبير.


بادئ ذي بدء، إن ربط أحداث 11/9 بالحرب على العراق سخيف تماما نظراً لأنه ثبت بأن قرار بوش -تشيني شنَّ هجوم على العراق لا علاقة له بالحوادث التي وقعت في 11/9، وكانت الولايات المتحدة قادت حملة عالمية لغزو العراق للبحث عن أسلحة الدمار الشامل، الأمر الذي لا يزال متشابكاً بعد أكثر من عشر سنوات، بما يحتويه من نتائج مدمرة مع عدم ظهور أي من أسلحة الدمار الشامل، وبافتقار الجماهير إلى الوعي السياسي العام، يحاول الفيلم القيام بدور وكالات الأنباء في نشر الأخبار المثيرة، ولكنه بدلاً من ذلك يبث أخباراً كاذبة ويميل لتحقيق هدف سياسي محدد. إن شعار الحرب، وتعويذة القتل، وطريقتهم في التعامل مع الأمور هي تبريرٌ للسياسة الخارجية الحكومية للحرب ضد الإرهاب في جميع أنحاء بلاد المسلمين باستخدام أيٍّ كان من الوسائل اللازمة لإنجاز المهمة، ولا يهم كايل وأمثاله أن يكونوا مذنبين بفعلتهم.


أما القضية الثانية، فإنه يتم الدفع بأمثال كايل أكثر من أي وقت مضى من خلال الجلوس في دور السينما والمسارح ومن ثم مغادرة المكان واتخاذ إجراءات ضد أي شخص يشبه النموذج الأولي للإرهابي سواء أكان ذلك موظفا عربيا أو أحد الطلبة المسلمين أو مسجداً أو مدرسة إسلامية، وقد شهدت جميعها طفرة جذرية في التحرش والاعتداء، ويعبّر العديد من المثقفين، في خضم هذه الثقافة العنيفة، عن غضبهم من المجتمع في أمريكا الذي من المفترض أن يعزز حقوق الإنسان (أم أنه الحق الذي يستغلونه في الوصول إلى المسلمين؟)، أين هي الأخلاق التي تعزز الإنسانية والاحترام أم أنها غير مرئية بالعين الأمريكية؟ فأفلام هوليوود تعرض شهوة الدم والعنف في الثقافة الأمريكية، حيث إن الشخص العادي الذي يرى العنف على الشاشة يمارس عمليات القتل في أماكن تدعى مناطق حرب، ولكن غالباً ما تتدفق هذه الأعمال إلى ساحات المدارس والأماكن العامة، فأين هي الرحمة؟ وأين هو العقل الذي من المفترض أن يفرق البشر عن الحيوانات؟


لقد أصبحت ممارسة البلطجة في المدارس والمجتمع ووسائل الإعلام، والتحرش في العمل، وتخريب الممتلكات عادة متداولة في الثقافة الغربية، الشيء المتوقع كما يقولون "الحصول على أكثر من ذلك، سوف يكون الأولاد أولاداً"، بيد أن هذا يحدث في قلب بلاد منحطة أخلاقيا والتي بدورها حولت تجارة ألعاب الفيديو والأفلام إلى أرباح بمليارات الدولارات.


امتدادا للساحة السياسية، من يستطيع أن ينكر ألعاب الفيديو Counterstrike التي تشبه تضاريس الشرق الأوسط وأفغانستان والصوت مستمر من "الإرهابيين القتلى" حين قتلهم؟ أما كلينت إيستوود، أسطورة رعاة البقر، فقد أنتج فيلما يغذي شعار الحرب في أمريكا، وبطبيعة الحال فإن عمله يسيّر لخدمة أهداف عدة؛ فسياسياً، يظهر هذا الفيلم للجمهور أن العنف ببساطة مقبول كي تحصل في نهاية المطاف على ما تريد، ولذلك فلدى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أساليب التعذيب مع أعضاء تنظيم القاعدة أو أي شخص يبدو مشابهاً لهم، وكذلك معسكر خليج جوانتانامو الذي ما زال قائما، وقصف الطائرات بدون طيار، ومراكز الاحتجاز في القواعد العسكرية في الخارج. وقد ألمح ناعوم تشومسكي في نقده لفيلم "القناص الأمريكي" إلى أن "عقلية القناص تساعد على شرح السبب في أنه من السهل جداً تجاهل الحملة الإرهابية الأكثر تطرفاً في التاريخ الحديث، إن لم يكن في التاريخ بأكمله، وأكبر مثال عليه الحملة العالمية لأوباما باستخدام طائرات بدون طيار لقتل الأشخاص الذين يشتبه في أنهم ربما يوما ما يخططون لإلحاق الضرر بنا".


إضافة لما سبق فإن الفيلم يظهر الحروب في العراق واليمن وأفغانستان وباكستان كواجب يفعله الأمريكيون لبلدهم، من خلال قتل كل شخص قد يهدد أمريكا، واعتبار الحروب في السنوات العشر الأخيرة ضرورة، وأن استكمال القوات في عهد أوباما لمهمتها التي بدأتها في عهد بوش ضرورة ملحة، ولذلك فالنقاد سوف يدعمون آلة القتل بالدعاية ليكون لها تأثير أطول أمداً على عامة السكان، فوسائل الإعلام يمكن أن تكون أكثر تأثيرا من الحكومة في إدامة حالة محددة أو تهدئة عاصفة وشيكة.


ولكن أين الرقابة ونموذج حرية التعبير؟ ببساطة بدأت الأمور تأخذ سياقها، فبدأ "القناص الأمريكي" عروضه السينمائية الداخلية ثم شق طريقه إلى المسارح الخارجية وقد تزامن ذلك مع عقد المسيرات دعما لحرية التعبير في أوروبا ولمجلة شارلي إيبدو التي تنشر صورا مسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم، وتؤجج مشاعر أكثر من مليار شخص في جميع أنحاء العالم، ويتحد الآن العامة مع الزعامات ويقفون بكل وقاحة وإهانة وإذلال في وجه كل ما يمت للإسلام والمسلمين بصلة، ووجه أي شخص يجرؤ على انتقاد كل ما يخص سياسات تلك الحكومات، فيقف حكام البلدان الإسلامية جنبا إلى جنب في باريس مع آلات القتل الغربية للتعبير عن تأييدهم لحرية التعبير والمتمثلة بالجلد في المملكة العربية السعودية، والتدابير الأمنية في بريطانيا، والتجسس في مساجد الولايات المتحدة، وانقطاع التيار الكهربائي في الأردن،... والقائمة تطول. إن ذلك كله يمثل نموذج حرية التعبير والذي هو أساسا أكبر أسطورة في العالم أو أكبر كذبة لنكون أكثر دقة، وإن كان ذلك يخدم أهداف تلك الحكومات أو بعض الجماعات، فلا ضير في ذلك بل ويتم تشجيعها، (وبالرغم من أن الأمر هذا يهين ثلث الشعب فهم لا يوجد لديهم مجال إلا القبول به)، أما عند العودة للحديث عن العقل والحياء، فكيف يمكننا أن نتوقع حوارا قائما على التفكير العقلاني والخلق السليم والذين أصبحا الآن شيئا من الماضي في الثقافات الغربية؟ إذا طُلب شخص ما لمناقشة الأفكار السليمة والمفاهيم، يجب أن يتواجد شخص بعقل سليم، وكيف يمكننا أن نتوقع للمناقشة السليمة أن تأخذ مكانها في حين يتم الترويج، وعلى نطاق واسع، للخوف والكراهية في كل مكان على الشبكات "الاجتماعية" ووسائل الإعلام وشاشات التلفزيون، فضلا عن دعم الحكومات لتلك المساعي؟


إنها فعلا الأيديولوجية المنحلة فكريا، إذ إنها لم تعد تملك حتى الأفكار والقيم على أساس الخطاب المتحضر والأخلاق والتي تشمل التفكير العقلاني، وبالتالي يلجؤون إلى أساليب التخويف والترهيب لجعل السكان المسلمين يخضعون لنظامهم المعقد وطرق الحياة المتناقضة لديهم قسراً، لذلك فمن الضروري أن يقف المسلمون بعقيدتهم الإسلامية ومثلهم العليا لكشف أكاذيب الديمقراطية والحريات التي يجري الترويج لها في الغرب، وإظهار القيم الأساسية للإسلام، والتطبيق العملي لها لعلاج العقول والنفوس والعودة للإنسانية والحياء في المجتمع، ولبناء أيديولوجية لتنوير العقل والروح، وحين النظر إلى الماضي، نرى كيف أظهر الإسلام شمولية في التعامل مع جميع البشر ورفع البشرية جمعاء إلى الأعلى، وهذه الشمولية تتحقق بتنفيذ الإسلام كاملا كنظام في السياسات الداخلية والخارجية، كي نرى جميعا القدرة الحقيقية للإسلام في التسامح مع الآخر دون نبذ أو إهانة.


كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
منال بدر

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو