غرسُ شجرة التّوحيد في المجتمع الإسلامي
April 15, 2022

غرسُ شجرة التّوحيد في المجتمع الإسلامي

غرسُ شجرة التّوحيد في المجتمع الإسلامي

(مترجم)

"ليكن الدين شأني مع ربي" أو "الحديث عن الإسلام فقط في المسجد". كثيرا ما نسمع مثل هذه الكلمات في الأماكن العامة، حتّى من المسلمين. أصبحت العلمانية والليبرالية من الأمراض المزمنة التي تصيب البلاد الإسلامية خاصّة عندما يديرون شؤونهم في الأماكن العامة، بل إنهم على استعداد لأن تنظمهم قوانين علمانية لتسوية شؤونهم في الحياة العامة، لأن الدّين لا يمكن مناقشته إلاّ على الهامش أو في الأماكن الخاصة.

ونتيجة لذلك، فإن العديد من المسلمين اليوم غير قادرين وغير راغبين في التمييز بين الصواب والخطأ، ولا يمكنهم الرد على الظلم بشكل صحيح، بل والتزام الصمت حيال الفساد والشر. وبالمثل مع المسلمات، لم يعُدن قادرات على التمييز بين الواجبات والحقوق، مفتونات بتعويذة النسوية التي تجعلهن يركّزن على النضال من أجل حقوقهن، مهملات لالتزاماتهنّ الرئيسية في المنزل بما في ذلك واجب الدعوة.

هذه الظاهرة من أعراض الإصابة بالعقيدة. حيث تكون تلك العبارات الدنيوية جملاً سيئة، وصفها الله تعالى في سورة إبراهيم ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾.

وفي تفسير الميسّر يوضّح أن مَثَل الكلمات البذيئة، أي كلمات الكفر، أشبه بشجرة سيئة الأكل والطعم، وهي شجرة الهنزال (نوع من القرع) التي لا تنفع وطعمها فيه مرارة، هذا كفر لا فائدة منه ولا خير. يسهل سقوط هذه الشجرة لأن الجذور تزرع قريبة من السطح ولا توجد أغصان شاهقة، وكذلك الكافر: ليس له صلابة في نفسه، ولا خير فيه، ولا شيء من أعماله الصالحة يرفع إلى الله.

هذا الرسم التوضيحي دقيق للغاية، ويتناسب مع صورة دمار المجتمع العلماني اليوم بسبب تبنّي قوانين ليبرالية من صنع الإنسان، عندما تملأ الكلمات العلمانية ترتيب القيم والقوانين في المجتمع، يصبح الضرر الكبير حتمياً، مثل الشجرة الخبيثة، لن ينتج المجتمع العلماني سوى بشر ضعفاء يعانون من اضطرابات نفسية وشخصية، على غرار شجرة الهنزال التي تنهار بسهولة، وتؤتي ثمارها مرةً ولا تعود بالنفع على الآخرين.

الثمرة المُرّة حقيقية جداً في الحياة الحديثة المليئة بالفساد والانحطاط. لم تعد الحضارة الإنسانية تسير وفق الفطرة في تكريم الإنسان، بل هي عبادة للمادة الدنيوية. لذا انتبه إلى كلام النبي محمد: «أَمَّا الْمُهْلِكَاتُ: فَشُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ» الطبراني.

يخبرنا هذا الحديث أنه سيكون هناك ضرر أو خراب لثلاثة أشياء تصيب البشر إذا استمروا في الكفر، من السّمات القوية للمجتمع العلماني نزعته الفردية واللامبالاة تجاه الآخرين، والتي أصبحت تدفقاً قوياً في التطور العلماني الرأسمالي اليوم. هذا من أعراض الدمار. الأول هو مرض حب المال والخوف من الفقر، والثاني هو الشهوة الليبرالية والهوس بالذات أو المتلازمة النرجسية.

لا تزال كلمات النبي محمد ﷺ وثيقة الصلة بهذا العصر، حتى إنها أصبحت نموذجاً مثالياً في عملية التنمية البشرية الحديثة. نجح رسول الله ﷺ في تكوين الجيل الأول من الناس العاديين في الصحراء العربية إلى أفراد بشخصية تمكنوا من أن يصبحوا لاعبين عالميين. قام رسول الله ﷺ برعاية مجموعة من الصحابة ليصبحوا أفراداً تمكنوا من تحرير أنفسهم من أغلال الجهل ليصبحوا بشراً بأجندة نبيلة ورؤى وقادرين على ربط دورهم في العالم بهدف الآخرة.

وذلك لأن الرسول ﷺ قد زرع عقيدة التوحيد في النفس البشرية. حيث يُشار إلى عقيدة التوحيد في الإسلام بالكلمة الطيبة، وهي تشبه الشجرة الطيبة، وهي الشجرة الجميلة التي تتغلغل جذورها في الأرض، بينما ترتفع أغصانها عالياً في السماء، وتؤتي ثمارها الحلوة حيث تفيد الطبيعة المحيطة بها. انتبه إلى قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَاءِ * تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، ويتبين من فهم هذه الآية أن طبيعة شجرة التوحيد متكاملة؛ لأن الجذر واحد، فعندما تكون الأغصان عالية والثمار كثيرة تكون الجذور واحدة، المصب واحد، الشجرة هي كل شيء وليست وحدة من أجزاء منفصلة. لذلك، فإن المسلم لن يكون له بالتأكيد عقلية ثنائية أو متلازمة التقسيم. مثل فصل الدين عن الحياة، أو فصل المعرفة العالمية عن المعرفة الدينية، أو فصل مشاكل الأمة عن المشاكل الشخصية. إذا استمرت هذه المتلازمة ثنائية التفرع، فيجب أن نقوم بفحص جذور إيماننا، خشية أن تكون الجذور ضعيفة أمام الفيروس حتى لا يتمكنوا من دعم الجذع وكل شيء عليه. أكثر من ذلك، هذه العقلية ثنائية التفرع هي إرث طرق التفكير العلمانية التي تؤدي إلى انقسام الشخصية في النفس البشرية، وبشكل أوسع تؤدي إلى تدمير المجتمع.

مع عقيدة لا إله إلاّ الله، سيجعل المسلم من التقوى محور الحياة، والدعوة هي الأجندة الرئيسية، وتطبيق الإسلام هو المثل الأعلى لحياته، أجندة التغيير هي الرسالة في الحياة وإفادة الناس مقياس للنجاح. كل أدوارنا الشخصية تتبعها، لتصبح مدارات في الدعوة كنظام شمسي على جميع المستويات. وهذه علامة لشجرة التوحيد في العمل عند المسلم مرتفع وشاهق. فكلما نما، زاد نفعه على الناس؛ ليكونوا جيدين مثل البشر.

لزراعة شجرة التوحيد في النفس البشرية، من الضروري حقاً تقليد نموذج النبي محمد ﷺ، تتطلب هذه العملية عدداً من الشروط التي يجب الوفاء بها بما في ذلك الوقت. مثل التربة التي تتشكل بطريقة معقّدة من خلال خلط المواد الأولية والكائن الحي والمناخ والراحة والوقت. لذلك، لا توجد عملية فورية، فالأمر يتطلب العلماء المخلصين كمعلمي الأمة، وهداية الوحي، والثقافة الإسلامية، والصبر، والتفكير العميق والمشرق، والقدرة على تحمل المعاناة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لينمو التوحيد فينا كقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً﴾.

أو كلمات التحرير، والتي تهدف إلى تحرير البشرية من قيود العبودية واصطحابها إلى عبادة الله سبحانه وتعالى. والمظهر هو أن المسلمين يتشكلون بشكل متزايد من خلال الوعي السياسي الإسلامي الذي يزود الأمة بمفاهيم توحيدية من أجل فهم السياسات القذرة للديمقراطية وجشع اقتصاد الرأسمالية. من خلال مفهوم الولاء والبراء، أصبح المسلمون قادرين بشكل متزايد على أن يروا بوضوح كيف خان الحكامُ الإسلامَ، وشجعوا الغزاة الغربيين. ونتيجة لذلك، فإن عقيدة التوحيد آخذة في الازدياد، مع وعي الأمة بالتغيير والتحرّك. إن أولوية نضال الأمة في النهاية هي استئناف الحياة الإسلامية في ظل الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

سيستمر هذا التأثير المتزايد للشجرة في التوسع ويؤتي ثماره، ستكون هناك تغييرات وتحسينات في المجتمع، على الرغم من أن مؤامرات أعداء الإسلام ستستمر في محاولة منع صعود الأمة. لقد ضمن الله تعالى أن الإسلام لن يفتقر إلى المحاربين. ستستمر صفوف الأفراد الواعين ولديهم التزام عميق في الظهور من المجتمع والاضطلاع بدورهم من أجل التغيير. إنهم يدركون أن وجود المسلمين في العالم مرتبط بمسؤوليتهم عن نشر رسالة الإسلام في حياة هذا العالم. في الوقت نفسه، يدركون أيضاً أن إحجام المسلمين أو عدم قدرتهم على نشر الرسالة سيؤدي إلى البؤس والخراب في الحضارة الإنسانية.

ونتيجة لذلك، فإن القيام بالدعوة والانضمام إلى المجتمع لمحاربة الجهل وإجراء التحسينات الإسلامية هي العوامل الرئيسية التي ستسرّع من نمو شجرة التوحيد في الأمة. لأن هذا مطابق لصراع الأنبياء والرسل. مثل شجرة كبيرة وقوية ذات ثمار حلوة، يستغرق نموها سنوات، مع الصبر والمثابرة، إن شاء الله، هذه الدعوة ستؤتي ثمارها قريبا إن شاء الله.

﴿قَالُوْا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَّثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِيْنَ

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

فيكا قمارة

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو