غزّة يا أهل العزّة!   منصور المقدسي
January 08, 2009

غزّة يا أهل العزّة! منصور المقدسي


الحمد لله الذي عزّ فارتفع، وذلّ كلّ شيء لعظمته وخضع، وبعد أيها المسلمون،


لقد جنّ جنون الأنظمة العربية العميلة بسبب تصريحات السيد الأمين العام لحزب الله التي جاءت في خطابه المتلفز الأخير والتي وجه بها أصابع الإتهام للنظام المصري العميل، حيث وصفه بأنه يمثل حجر الزاوية في الحصار والقتل الذي تصبّه طائرات اليهود على رؤوس المسلمين في غزة، كما دعا السيد نصر الله في خطابه الشعب المصري للنزول إلى الشوارع بالملايين للضغط على حكام مصر العملاء من أجل فتح معبر رفح الحدودي. ووجه خطابه لمنتسبي القوات المسلحة المصرية للضغط بدورهم على حكام مصر كي يتخذوا قراراً حاسماً ينهي معاناة المسلمين في غزة... وقد انبرى وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط ليردّ على هذه التصريحات المجترئة على نظامه العميل معتبراً إياها بمثابة إعلان حرب على هذا النظام، مع أنّ السيد نصر الله قد أكّد بشكل واضح أن دعوته تلك لا تمثل تحريضاً للعسكريين المصريين ليقوموا بانقلاب على حكامهم، ثم ما لبث أن أتبع ذلك سعود الفيصل بتصريحات مماثلة في بيانه بعد (اجتماع الشلل العربي) الذي عقده من يسمون بوزراء الخارجية العرب، ثم خرجت علينا الأنباء بشنّ النظام المصري حملة اعتقالات في صفوف ذوي الرتب العليا في الجيش المصري، كما أعلنت حالة تأهب قصوى للأمن العسكريّ داخل تشكيلات الجيش المصري الذي تقول المصادر أنه بدأ يتململ من الموقف السياسي للرئيس مبارك، وقد أعلن عن تكثيف التواجد الأمني في المناطق الحساسة في القاهرة وبالقرب من منازل القيادات العليا في الحزب الحاكم، كما أعلن أن تنقلات الرئيس المصري سيتم اختصارها الى أقل حدّ ممكن... كلّ ذلك لأن إصبع الإتهام وجه للحكام العرب مباشرة في هذه المؤامرة على غزة، مشفوعاً بخطاب يتجاوز الحكام لمنتسبي القوات المسلحة ليمارسوا الضغط عل قياداتهم السياسية.


أيها المسلمون :


لقد أثبتت الحرب على غزة حقيقة لا مراء فيها ولا تخطؤها عين البصير، حقيقة تتلخص فيما يلي :


1) لقد أثبتت هذه الحرب هشاشة كلّ الأنظمة العربية المتداعية، تلك الأنظمة التي أقامها المستعمرون منذ اتفاقية سايكس بيكو على عقيدة الذلّ والعمالة والخسّة والنذالة، فقامت على رؤوس شعوبها أنظمةً قمعيةً بوليسيةً ترتبط وجوداً وعدماً بوجود إسرائيل من جهة، وبعواصم الغرب التي أوجدتها، والسفارات الأجنبية التي تسيرها من جهة أخرى، أنظمة ترتبط بأسيادها ارتباط الجنين بالحبل السريّ بأمه، أنظمة تخشى شعوبها أن تنهض من كبوتها، وترتعب من جيوشها أن تستفيق من غفوتها... أنظمة ولدت ميتة من أول يوم في رحم سايكس بيكو، وما زال أسيادها يبتدعون كلّ ما أوتوا من أساليب وحيل لتحنيطها بإبقاء هؤلاء الحكام وأولادهم في سدة الحكم كشواهد القبور... أنظمة تحسب كلّ صيحة عليها كأن حكامها خشب مسندة... أنظمة كالجيف المقرفة أعوزتها كلّ الأقنعة التي تغطي قبحها ورائحة نتنها فلم تجد ليتكلم بلسانها في وسائل الإعلام إلاّ حفنة من الأفاقين والأفاقات والفنانين والفنانات والمطربين والراقصات.


2) لقد أثبتت هذه الحرب أنّ كلّ هذه الأنظمة العربية كانت وما زالت ولن تبرح تصطفّ في الصف المعادي للأمة الإسلامية، الصفّ اليهودي والصليبي، فهي التي تهاوى حكامها في مبادرتهم الخيانية للاعتراف بإسرائل والتطبيع معها، كلّ ذلك مروراً بتواطئهم على تسليم أرض فلسطين بعد إفراغها من أهلها عبرمسرحياتهم الحربية الشكلية في عامي 1948 و 1967، وأخيراً وليس آخراً إجماعهم على التآمرالمكشوف بمحاصرة أهل فلسطين لقتلهم جوعى وعطشى.


3) ستثبت هذه الحرب على غزة كما أثبتت الحرب التي سبقتها على لبنان في صيف عام 2006 أنّ ما يسمى بدولة إسرائيل ليست إلا مشروعاً استعمارياً فاشلاً، وكياناً مشوهاً ولد ميتاً من اللحظة الأولى، قامت أركانه من أول يوم على أعمدة الجبن والخسة والتآمر، حيث اتخذ هذا الكيان المسخ منذ ذلك الوقت مخلب قط للاستعمار الغربي الصليبي في هذه المنطقة، وهو إلى زوال محتوم، تشهد على ذلك الحقائق القرآنية والتاريخية، وتشهد عليه كذلك الحقائق الموضوعية على الأرض التي كشفت هشاشة هذا الكيان المسخ وجيش عصاباته الجبان، ذلك الجيش الذي ظهر على حقيقته جيشاً رعديداً يرتجف خلف سلاحه يرضى من الغنيمة بالإياب.


أيها المسلمون :


إن هذه الحقائق الساطعة والمعطيات القاطعة لتقود الأمة إلى انعطافة جذرية حادة في اتخاذ المواقف حيال ما يجري في غزة وغيرها من بلاد المسلمين، انعطافة تستوجب من الأمة أن تنتقل من دور ردود الأفعال إلى دور إيجاد الأفعال، إنعطافة تستوجب من الأمة أن لا تستجدي الحلول من حكامها المتواطئين ولا من أسيادهم المتآمرين، بل تستوجب من الأمة التقدم لأخذ قضاياها بيدها :


- لا نريد أن نرى مسيرات أو مظاهرات تخاطب العالم ولا الهيئات الدولية، ولا الحكام ولا الوزراء، لا نريد إلا أن نرى مسيرات ومظاهرات تخاطب قادة الجيوش وضباطها ومنتسبي قواتها المسلحة.


- لا نريد أن نرى مسيرات تطالب بجمع التبرعات وبالخبز والطحين والحليب والدواء، بل نريد مسيرات تطالب بفتح الثكنات وتحريك الدبابات.


- لا نريد أن نرى المشايخ وأصحاب العمائم بدشاديشهم البيضاء يعتلون المنابر يدعون الله أن ينصر غزة وينتقم من اليهود، بل نريد أن نرى مشايخنا وأصحاب العمائم يتزيون بالزيّ العسكريّ الأخضر المرقّط يقودون الجماهير بعد الصلوات من مساجدهم نحو السفارات والقصور.


- لا نريد أن نرى في هذه المسيرات أيّ علم من أعلام سياكس بيكو مبرقعة الألوان وإن جملوها بكلمات التوحيد والتكبير، بل نريد أن نرى راية محمد صلى الله عليه وسلم راية العقاب السوداء راية الخلافة التي تتلألأ بياضاً بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.


- لا نريد أن نرى في هذه المسيرات الاقتصار على حرق أعلام أميركا وإسرائيل وبريطانيا وفرنسا من المستعمرين، بل نريد أن نرى حرق أعلام الإستعمار التي قسموا بها بلادنا، نريد أن نرى حرق علم الأردن ومصر وسوريا ولبنان وليبيا واليمن وغيرها من خرق سايكس بيكو البالية.
- لا نريد أن نرى حرق صور بوش وبلير وأولمرت وشارون فقط، بل نريد أن نرى حرق صور حسني مبارك وملك الأردن ومعمرالقذافي وملك السعودية.


- لا نريد أن نرى زحف طلاب الجامعات والنقابات في مسيرات تجوب شوارع عمان والقاهرة ودمشق وطهران وطرابلس الغرب والرباط، لتلفظ أنفاسها آخر النهار بخطبة حماسية مرتبة لبوق من أبواق الأنظمة العربية في أحد الميادين والساحات العامة يمتصّ فيها غضب الجماهير، بل نريد أن نرى زحف الجماهير والطلاب والنقابات زحفاً لا يتوقف حتى يقتحم القصور والسفارات الأجنبية لتسحل جثث من فيها آخر النهار في الميادين والساحات العامة.


- لا نريد أن نرى الهجمات الإستشهادية على الكيان اليهودي مقتصرةً على أبناء فلسطين، بل نريد أن نرى الهجمات الإستشهادية يشنّها طيارو سلاح الجو المصريّ والأردنيّ والسوريّ دون انتظار الأوامر من الحكام العملاء لتدكّ الكيان اليهودي في تل أبيب وحيفا وعسقلان وأسدود، كما نريد أن نرى الهجمات الإستشهادية يشنّها طيارو سلاح الجو السعودي والإماراتي والإيراني دون انتظار الأوامر من الحكام العملاء لتدكّ القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج.


- لا نريد أن نرى العمليات الفدائية تنحصر في أبناء فلسطين، بل نريد أن نرى الهجمات الفدائية يشنّها منتسبو القوات المسلحة الأردنية المرابطون مباشرة على خطوط التماس بطول 360 كيلومتراً مع فلسطين، ومنتسبو القوات المسلحة المصرية المرابطون مباشرة على خطوط التماس بطول 240 كيلومتراً مع فلسطين، ومنتسبو القوات المسلحة السورية المرابطون مباشرة على خطوط التماس بطول 70 كيلو متراً مع فلسطين، ومنتسبو القوات المسلحة اللبنانية من المسلمين المرابطون مباشرة على خطوط التماس بطول 79 كيلومتراً مع فلسطين.


- لا نريد أن نرى المدن اليهودية تنهال عليها زخاتٌ متفرقةٌ من صواريخ المقاومة في غزة فقط، بل نريد أن نرى لها مدداً من زخات الصواريخ المكثفة لحزب الله تزلزل مدن اليهود في الشمال، وزخات الصواريخ الإيرانية والسورية والأردنية والمصرية، تشرّد سكان المدن والتجمعات اليهودية، وتحرق قواعد وثكنات جيش العصابات اليهودي.


- لا نريد أن نرى أحبابنا المقاومين بعد انقشاع غبار المعركة يركنون إلى الذين ظلموا، بقعودهم مع المتواطئين والمتآمرين على جهادهم ودمائهم من أبناء جلدتهم في فلسطين، على طاولة المتواطيء عليهم مدير المخابرات المصرية عمر سليمان، بدعوى الوحدة الوطنية ومصالح الشعب الفلسطيني العليا، فإن ذلك لن يؤدي إلا لتحويل انتصار المقاومة العسكريّ المتوقع على الأرض إلى إنجازات إسرائيلية سياسية كاملة فوق طاولات الدبلوماسية الأفاكة الكاذبة ، نعم، لا نريد أن نرى ذلك ، بل نريد أن ترى الأمة في حرب غزة وجهادها لهباً من نيران المقاومة، وفي صمودها درساً من دروس العزّة والكرامة، وفي ثباتها معلماً من معالم الثبات على العقيدة والمواقف إن شاء الله تعالى.


أيها المسلمون :


لقد أصبحت حقيقة قضية فلسطين أوضح وأجلى من الشمس في رابعة النهار، إنها قضية لا يمكن أن تحلّها المبادرات الدولية ولا الإملاءات الأمريكية ولا المؤامرات الإنجليزية والأوروبية. إنّ قضية فلسطين كانت وما زالت وستبقى قضية الأمة الإسلامية، لا قضية العرب، ولا قضية الفلسطينيين، ولا قضية المفاوضين من الخونة في فلسطين.


إن قضية فلسطين لن تحلّ إلا بإشعال أتون الجهاد الشامل الحقيقي الذي يحشد قوى الأمة ومقدراتها المادية والمعنوية، فإنّ الحديد لا يفلّه إلا الحديد، ولن يكون ذلك إلا بتحرّك الأحرار المخلصين، والقادرين في جيوش المسلمين لنصرة العاملين على إقامة الخلافة على أنقاض عروش الخسّة والعار، ومبايعة خليفة راشد يحاسب المتواطئين ويحاكمهم، ويقود الأمة في دروب العزّة والكرامة في الدنيا والآخرة...


قال تعالى :
 { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ  إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } التوبة:38-39


منصور المقدسي - فلسطين

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار