غزوة مؤتة
غزوة مؤتة

بعد انقضاء ست سنوات على هجرة رسول الله ﷺ إلى المدينة المنورة، أصبحت الدولة الإسلامية ذات شأن، وقد تركزت أركانها وأصبحت من الكيانات الرئيسة في الجزيرة العربية، إلا أن قريشا ما زالت هي العقبة الكأداء أمام المسلمين، وبؤرة استقطاب أعدائهم، فكان لا بد من احتواء قريش وإضعافها، فعزم رسول الله ﷺ على الحج وخرج ومعه ألف وأربعمائة رجل من المسلمين،

0:00 0:00
السرعة:
January 21, 2019

غزوة مؤتة

غزوة مؤتة

منذ أن وصل رسول الله ﷺ المدينة المنورة بعد هجرته من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة أقام الدولة الإسلامية، وبدأت مرحلة جديدة في حياة الإسلام والمسلمين؛ بدأ التطبيق العملي والفعلي للإسلام بتنظيم شؤون حياة الناس بالشريعة الإسلامية، وأصبح للمسلمين دولة قائمة على العقيدة الإسلامية، بمعنى أن أنظمتها وقوانينها منبثقة من العقيدة الإسلامية حصريا، دولة لها سلطان وجيش يحمي المسلمين وينشر الإسلام، دولة مبدئية سياستها الخارجية قائمة على أساس نشر الإسلام في العالم، وهذا العالم يبدأ من المدينة المنورة، وسياستها الداخلية قائمة على تطبيق الشريعة الإسلامية في حدود سلطانها بتحقيق العدل والإنصاف لرعاياها.

بعد انقضاء ست سنوات على هجرة رسول الله ﷺ إلى المدينة المنورة، أصبحت الدولة الإسلامية ذات شأن، وقد تركزت أركانها وأصبحت من الكيانات الرئيسة في الجزيرة العربية، إلا أن قريشا ما زالت هي العقبة الكأداء أمام المسلمين، وبؤرة استقطاب أعدائهم، فكان لا بد من احتواء قريش وإضعافها، فعزم رسول الله ﷺ على الحج وخرج ومعه ألف وأربعمائة رجل من المسلمين، ودعا القبائل العربية من غير المسلمين ممن حولهم للحج معه، آمنين مسالمين غير مقاتلين، استعدت قريش وجهزت جيشا لصد المسلمين ومنعهم من دخول مكة المكرمة، تخطى رسول الله ﷺ جيش الكفار ووصل إلى الحديبية وعسكر فيها، وما لبثت قريش إلا أن بعثت من يفاوض رسول الله ﷺ وتستعلم مجيئه، وانتهت المفاوضات إلى عقد معاهدة صلح الحديبية مدتها عشر سنوات بين رسول الله ﷺ وكفار قريش.

وكانت هذه المعاهدة فتحا للمسلمين أضعفت هيبة قريش وقوتها المعنوية ورفعت من مكانة الدولة الإسلامية وهيبتها بين العرب في الجزيرة العربية، وبينت طاعة المسلمين المطلقة لرسول الله ﷺ وصدق إيمانهم وقوته وشدة إقدامهم وحرصهم على نصرة الإسلام، وعلمتهم أن المناورات السياسية من وسائل الدعوة الإسلامية، فكان صلح الحديبية فتحا عظيما للمسلمين. قال الله تبارك وتعالى في سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ [الفتح: 1-3].

وتوج المسلمين بطاعتهم لله ولرسوله بأن أخبرهم رسول الله وبشرهم بقول الله تبارك تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [الفتح: 18]، وهذه بشارة برضوان الله تبارك وتعالى يبلغها رسول الله ﷺ للمؤمنين الذين كانوا معه في صلح الحديبية ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين يبايعونك تحت الشجرة ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من صدق الإيمان وحسن الطاعة والحمية لدينهم ونصرة الله ورسوله ودينه، ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ هذا الصلح الذي حيد قريشاً ونزع منها استعدادها الدائم لقتال المسلمين، ورضوان الله هو منتهى رجاء المسلم أن يرضى الله ورسوله عنه ويتقبل عمله وطاعته وإخلاصه وحسن عبادته.

نحن هنا أمام دولة لديها رسالة تسعى لتبليغها للعالم لتخرجهم من الظلمات إلى النور وترسم سياستها الخارجية حسب ما يقتضيه نشر الدعوة الإسلامية ولا تحيد عن هدفها قيد شعرة، فبعد صلح الحديبية والقضاء على خيبر، صارت الحجاز تقريبا تحت سلطان رسول الله ﷺ (سلطان المسلمين)، حيث إنه لم تعد حالة الحرب الفعلية هي الأساس لعلاقة المسلمين بقريش، فاطمأن رسول الله ﷺ على تركيز الدولة الإسلامية والدعوة في الحجاز، وعمد إلى إرسال الرسل إلى العالم الخارجي، وكان العالم الخارجي بالنسبة له كل من كان خارج حدود حكمه من الكفار، فأرسل إلى هرقل، وكسرى والمقوقس والحارث الغساني ملك الحيرة والحارث الحميري ملك اليمن وإلى نجاشي الحبشة وإلى ملكي عمان وملكي اليمامة وإلى ملك البحرين، يدعوهم إلى الإسلام، فمنهم من رد ردا لينا، ومنهم من رد ردا سيئا، وكان من أثر هذه الرسائل أن سمع من وصلت لهم تلك الرسل بالإسلام بشكل لافت للنظر، وبدأ العرب يدخلون في دين الله أفواجا وبدأت وفود القبائل تأتي إلى رسول الله ﷺ معلنة إسلامها.

وفي السنة الثامنة للهجرة جهز رسول الله ﷺ جيشا من ثلاثة آلاف وجعل عليه زيد بن حارثة فإن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس، رضي الله عنهم وأرضاهم.

ومهما كان السبب أو اختُلف فيه فإن السبب الرئيس هو نشر الدعوة الإسلامية، حيث إن الرسول ﷺ والمسلمين مكلفون بنشر الإسلام وحمله للعالم وتبليغه للأبيض والأحمر والأصفر والأسود إلى أن تقوم الساعة. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 67]

لقد كان المسلمون جميعا في هذه المعركة مقدمين على الموت بل يطلبونه على وجه الحقيقة، وخاضوا المعركة وقاتلوا وقتلوا لأن هذه وظيفتهم في الحياة، الدعوة إلى الله، وأحيانا توجب الدعوة القتال ليتسنى للمسلمين دعوة الناس إلى الإسلام بدون عائق، وهذه هي التجارة الرابحة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 111]، وحمل الدعوة الإسلامية للعالم هو استمرار لعمل الرسول ﷺ، وقد سار المسلمون على ذلك واستمروا في حمل الدعوة الإسلامية إلى أن قضى الكفار على الدولة الإسلامية دولة الخلافة العثمانية. والمؤمنون يبذلون أنفسهم وأموالهم في طاعة الله وتنفيذ أمره والانتهاء عن نهيه، ومن أوفى من الله بعهده فأبشروا واطمأنوا بنيلكم رضوان الله تبارك وتعالى فإنها إحدى الحسنيين إما الشهادة أو النصر.

أما من يتغنى بأمجاد الإسلام والمسلمين وبدين الرحمة والهداية ولا يتخذ الإسلام المصدر الوحيد للتشريع وينظم شؤون حياته وحياة الناس على أساسه، وحين يتحدث الخطباء عن غزوة مؤتة ولا يربطونها بوجوب تطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة الدولة الإسلامية وتنظيم شؤون حياة الناس بالشريعة الإسلامية لتحقيق العدل والإنصاف بينهم وتوحيد المسلمين وحفظ بلادهم تحت راية رسول الله ﷺ، فهم كمن يستنبت الزرع في الهواء بدون تربة ولا ماء فلا يجني إلا السراب والبلاء! ومثل هؤلاء كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: 5]، هؤلاء مثلهم كمثل الحمار لا ينتفعون بما لديهم من علم ومعرفة للإسلام، والحمار يحمل على ظهره كتب العلم ولا يعقل ما فيها، والمسلمون الذين لا يسعون لتطبيق الشريعة الإسلامية ولا يعملون لاستئناف الحياة الإسلامية ويطبقون ويدعون لتطبيق غير الإسلام فهم كذلك، والله لا يوفق الذين يتخذون غير الإسلام دينا ونظاما لشؤون حياتهم، وحال المسلمين غني عن الشرح...

اللهم اغفر لنا وارحمنا وارحم والدينا وارحم المسلمين والمسلمات الأحياء والأموات إنك سميع مجيب الدعاء، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين، ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

إبراهيم سلامة

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو