حكومة الثورة ورفع الدعم داوتني بالتي هي الداء!
September 29, 2020

حكومة الثورة ورفع الدعم داوتني بالتي هي الداء!

حكومة الثورة ورفع الدعم داوتني بالتي هي الداء!

تعقد حكومة السودان عدة ورش قطاعية للإعداد للمؤتمر الاقتصادي الأول، من بينها ورشة عمل الدعم السلعي وبدائله التي قدمت فيها ورقة بعنوان (إصلاح الدعم الحكومي)، والتي أعدها خبراء اقتصاديون وأكاديميون، وربطت الورقة بين الدعم الحكومي في السودان، وعدد من الاختلالات الاقتصادية كتشوهات القطاع المالي والنقدي التي ساهمت في عجز الموازنة، وتزايد معدلات التضخم وعجز الميزان التجاري، وأبرزت الورقة جملة من السلبيات المتعلقة بالدعم السلعي مؤكدة أن دعم المحروقات والدقيق أدى إلى زيادة الاستهلاك دون ترشيد مع تغير نمط الاستهلاك وزيادة قيمة الواردات، فضلا عن ازدياد نشاط التهريب للسلع المدعومة (2020/9/24، سونا). وأكدت وزير المالية والتخطيط الاقتصادي المكلفة هبة محمد، أن الدعم الحكومي على السلع يمثل عبئا ضخما تتحمله الحكومة، وأكدت الوزيرة التي كانت تتحدث في ورشة "الدعم السلعي وبدائله" الأحد أن العبء ازداد ثقلاً. (21 أيلول/سبتمبر2020م).

الغريب في الأمر أنه في الورشة نفسها قدم كمال كرار، عضو قوى الحرية والتغيير، ورقة تنسف كلام الوزيرة، حيث قال إن (تكلفة طن البنزين المحلي في المصفاة تبلغ (1395) للتر، وبحسب دولار موازنة 2020م تعادل 23964 جنيها، وتكلفة اللتر تساوي 17.1 جنيها، ويكون سعر بيع الطن في المحطات 39060 جنيها، بسعر اللتر 28 جنيهاً، شاملا ضرائب ورسوماً حكومية بواقع ٣٩%)، لافتا إلى أن سعر البيع أعلى من قيمة التكلفة بحسب موازنة 2020م، أما تكلفة طن البنزين المستورد فتبلغ 35245 جنيها، بها رسوم حكومية بنسبة ٣٣%، وسعر اللتر يساوي 25.2 جنيها، متسائلا فأين هو الدعم؟!

فعلاً إن المعارضة هي صمام أمان النظام، والغريب أن تأتي المعارضة من داخل الحكومة، فما قاله كمال كرار لا يعدو كونه خوفاً من المآلات، ويظل الخوف من الضغوط التضخمية سبباً لمعارضة رفع الدعم، وليس رعاية شئون الناس، ولا تبني مصالحهم، فترك الأسعار لقوى السوق (العرض والطلب) كما هو مقرر في المبدأ الرأسمالي يحدث تغييرات في تكلفة الإنتاج والصناعة والنقل، وبالتالي زيادة في أسعار السلع والخدمات على المستهلك، فيقود ذلك لما حدث في 2013م و2018م؛ إذ أدى تخلي الحكومة عن سياسة الدعم إلى ارتفاع في المعدل العام للأسعار بشكل غير مسبوق خلق أزمة وبالأخص لدى الفقراء وذوي الدخل المحدود، ما قاد لمظاهرات واجهتها الحكومة بعنف وقمع شديدين، وهذا هو سبب معارضة سياسة رفع الدعم...

الدعم يعنى به تدخل الحكومة في الأسعار ما يؤدي لخفض مستوى سعر الخدمة للمستهلك عن مستوى سعر السوق، أو تخفيض التكاليف بالنسبة للمنتجين والمستهلكين من خلال دعمهم، وقد يكون الدعم الحكومي مساعدة مالية ترصدها الدولة لدعم قطاعات إنتاجية أو خدمات لها طبيعة حيوية لكنها محدودة المردودية، ومن أهدافه كذلك توفير مواد استهلاكية أساسية أسعارها ليست في متناول الفئات الاجتماعية الأقل دخلاً عبر صندوق يسدد الفارق بين سعر البيع والسعر الحقيقي للسلع، ولأن السياسة الرأسمالية تقوم على المصلحة فيجب أن لا يكون للدولة أي دعم، لكن رغم ذلك كترقيع للنظام الرأسمالي يوجد ضمان اجتماعي يشكل دعما للفئات الأقل دخلاً، شراء للسلم الاجتماعي لإبعاد الاضطرابات! وتقدم الدول الأوروبية اليوم، كأحد أشكال التدخل الحكومي أو الدعم الحكومي، برامج الضمان الاجتماعي ودعم العاطلين عن العمل والدعم للقطاع الزراعي وغيرها، وكذلك الأمر في الولايات المتحدة نفسها، والتي تدخلت أيضاً بعد الأزمة المالية العالمية 2008 بشراء القروض المتعثرة من البنوك لتجنب إفلاسها، وطرحت مئات المليارات في الأسواق لإنعاش الاقتصاد، وهذا ما لم تَعِهِ الحكومة! والمستغرب أن حكومة ما بعد الثورة تسير على خطا الحكومة البائدة التي تبنت سياسة رفع الدعم نفسها باسم الإصلاح الاقتصادي، وللمبررات ذاتها التي طرحتها الحكومة الحالية، ما فاقم من الأزمات المعيشية للمواطن، بسبب النتائج السلبية التي أعقبت رفع الدعم، موجة تضخمية كبيرة رفعت الأسعار بشكل كبير، وزادت العبء على الفقير ومحدود الدخل، بالإضافة إلى اضطرابات في السوق المحلية، نفّرت المستثمرين بسبب صدمة تعويم العملة وعدم الاستقرار، فصار أغلب أهل السودان تحت خط الفقر. وتقوم الحكومة الحالية بتجريب المجرَّب وتسلك الطريق ذاته مبتعدةً عن الطريق الآمن المجدي لدرء الأزمة الاقتصادية من تأهيل وتعزيز القطاعات الإنتاجية المهمة، كالزراعة والصناعة والاهتمام بالمنتجين، والاعتماد على البدائل الحقيقية في تمويل الموازنة.

وفي عالم اليوم يتسمى الشيء بضده؛ فقد سمي رفع الدعم بسياسة الإصلاح الاقتصادي، والتي تتمثل في رفع الدعم عن السلع، وتحرير سعر العملة، وخفض الإنفاق الحكومي (عدم إنفاق الدولة على الخدمات من صحة وتعليم وغيرهما)، هذه السياسة الخالية من الرعاية هي روشتة يقدمها صندوق النقد الدولي بشكل ثابت ودوري لما سمي بدول العالم النامية، وقد درج الصندوق تقديمها للسودان سنوياً، مستبقاً الميزانية السنوية كشرط لاستحقاق القروض!

وأهم بنود روشتة صندوق النقد الدولي هي عدم تدخل الحكومة في الاقتصاد، والتخلي عن سياسات الدعم، وفرض ضرائب، ورفع الأسعار، وتعويم العملة، وتحفيز قنوات الاستثمار لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وهذه السياسة هي سبب التشوهات في القطاع المالي وعجز الميزان التجاري لأنها تقضي على أي نوع من الإنتاج المحلي لارتفاع تكاليف الإنتاج.

هذه المبادئ الرأسمالية الأساسية التي يفرضها صندوق النقد الدولي تقوم على أنَّ الدعم الحكومي والمستمر يُفترض أن يكون مرحلة انتقالية تنتهي برفع الدعم كليا لأن الاستهلاك هو المدخل الأساس إلى الانتعاش الاقتصادي في الفكر المبدئي الرأسمالي، والدعم يحدّ من الاستهلاك، وهذا يعني أن من لا يستطيع امتلاك المال لاستهلاكه لا يستحق الحياة!!

أما الادعاءات المضللة التي نراها في الإعلام من منتسبي الحكومة، أن الدعم لا يذهب للمحتاجين فهي مبررات الحكومة البائدة غير الواقعية نفسها لأن زيادة سعر الوقود والضرائب والجمارك يعني زيادة تكلفة الترحيل والإنتاج، فتضطر المصانع لزيادة أسعار السلعة وبالتالي يتأثر الفقراء قبل الأغنياء. أما معالجة برنامج (سلعتي) كامتصاص لغضب الناس فستكون في متناول يد فئات محددة أيضا ولن تعالج مشاكل المواصلات التي ازدادت تعرفتها إلى أضعاف، الأمر الذي يؤثر على المواطنين البسطاء أكثر من الأغنياء.

إن الإصرار على هذه السياسة التي تفتقد لحس الرعاية وتظهر الدولة بوجه بشع وتزيد من حرج حكومة الثورة، ناتج فعلا عن عجز في الموازنة، لكن كما أوضحنا سببها المباشر السياسات الاقتصادية التي لم تتغير عن سياسات النظام البائد، ما يعني زيادة المنصرفات مقابل الإيرادات فتضطر الحكومات للاستدانة من المؤسسات الخارجية أو الداخلية، وهذا الدين بالتأكيد عليه فائدة، والفائدة تتضاعف مع العجز عن السداد، وهكذا الدوامة لا تنتهي... ما يدعو الحكومات للتفكير في المليارات التي تصرفها على الدعم باعتبار أن بنود الصرف الأخرى أساسية لا يمكن المساس بها فتحاول الحكومة تخفيض هذا الدعم حتى إلغائه! والحقيقة أنها تجد نفسها مضطرة لذلك لأن المؤسسات التي تستدين منها تفرض هذا الشرط، لأنه يجعل للحكومة القدرة على تسديد ديونها بالفائدة خلال المدة المتفق عليها.

كون حكومة (الكفاءات) لا تعي أن السياسات التي يتبناها صندوق النقد الدولي تهدف إلى تحويل البلدان المقترضة إلى أسواق مفتوحة لتصريف بضائع الدول الرأسمالية بأسعار عالية، وتخلق الظروف الموضوعية لتحويل الاقتصاد القائم على التخطيط والتوجيه المركزي إلى اقتصاد سوق رأسمالي تعبث به الرأسمالية المتوحشة التي لا تعرف سوى الجشع ومزيد من الأرباح، حكومة كونها لا تعي هذه الحقيقة التي هي أوضح من الشمس في رابعة النهار، يجب المسارعة بتغيرها فوراً لأن حكومة تقع تحت سطوة صندوق النقد الدولي والجهات المقرضة، والتي تضع شروطا إصلاحية قاسية لتقدم خدماتها للدول ولا تراعي الأبعاد الإنسانية ليست أهلا للاستمرار في الحكم ولا لثانية واحدة، وهي حكومة تفقد حس الرعاية الذي هو واجب، بل من أهم واجبات الدولة بغض النظر عن الأحوال الاقتصادية ناهيك عن الإسلام الذي جعل الدولة راعية في المقام الأول.

على الرغم من الموارد المادية والبشرية الهائلة الظاهرة والباطنة في السودان فضلاً عن احتياطي النفط والمعادن، فإن غالبية أهل السودان يعيشون في فقر مدقع، حيث يحصل الفرد على أقل من دولار يومياً لتلبية احتياجاته الأساسية، فالبطالة الجماعية المتزايدة والهائلة، والزراعة والصناعة شبه المتوقفة والضرائب، والارتفاع اليومي في الأسعار، فضلاً عن إمدادات الطاقة باهظة التكلفة وغير المتاحة باستمرار، والتي تزيد مدخلات الإنتاج عامة هي الدليل الواضح على سوء إدارة واستغلال مواردنا، وسوء توزيع ثروتنا.

إن الاستثمار الحكومي في البنية التحتية والخدمات العامة من أجل تلبية الاحتياجات الأساسية للناس، هو في حده الأدنى، بل هو غير موجود على الإطلاق، فأي تغيير هذا الذي أقر الماضي وزاد الطين بلة؟!

إن التغيير الحقيقي يتم بنصرة مشروع الإسلام الذي فيه حلول لكل مشاكل البشر، لأنه من مليك مقتدر وليس بوصفات الأعداء التي ما زادتنا إلا رجساً وضنكاً.

كتبته للمكتب الاعلامي المركزي لحزب التحرير

الأستاذة غادة عبد الجبار (أم أواب) – الخرطوم

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو