هل ارث ستيف جوبز مؤشر لنهاية الغرب؟
November 26, 2011

هل ارث ستيف جوبز مؤشر لنهاية الغرب؟

بينما تحطم مبيعات السيرة الذاتية لستيف جوبز في المكتبات العالمية الرقم القياسي في جميع أنحاء العالم يحتدم النقاش حول مكانة أعظم المبتكرين في أمريكا، وبالنسبة للبعض فقد حصل ستيف جوبز على حق أن يتم إدراجه بين المخترعين في العالم، وعلى أية حال فإنّ الأمريكيين يشعرون بالفخر إزاء إنجازاته نظرا لهيمنة أميركا على جائزة نوبل، وهناك اعتقاد قوي بأنّ يتم تعيين أمريكا على لائحة التفوق في مجال العلوم والتكنولوجيا، وقد يقول قائل بأنّ الغرب تحت إشراف أمريكا سوف يستمر في الهيمنة على العالم لسنوات قادمة، ولكن هل ينطبق ذلك على الأفكار الغربية في المستقبل المنظور؟

عند التدقيق في سجلات الابتكارات العلمية على مر القرون الأربعة الماضية فإنّه يتضح أنّ الاكتشافات العلمية والابتكارات التقنية تنقسم إلى فئتين هما: النظريات الثورية والتقنيات التطورية، وترتبط النظريات الثورية بوجهات نظر شمولية، وبعبارة أخرى، فإنّ إيجاد فكرة التغيير الجذري في المفاهيم الأساسية تدفع بالابتكارات والاكتشافات إلى آفاق جديدة، والتقدم في هذا الموضوع هو على قدم وساق والمنفعة تعود للبشرية عامة.

تتركز الاكتشافات التطورية في المبادئ الأساسية حول موضوع معين، في حين تظل المبادئ الأساسية جامدة ولا تتغير، وتقدم فائدة للبشرية ذات أبعاد متناهية في الصغر، وبالرغم من كثرة الاكتشافات في الفيزياء التطورية، إلا أنّ اللحظات الثورية قليلة جدا، حيث سيطرت الفيزياء النيوتونية في هذا الموضوع لعدة قرون، وتحولت في نهاية المطاف رأسا على عقب ضمن النظرية النسبية لأينشتاين. وبعد أكثر من مائة سنة، لم يكن هناك لغاية الآن لحظة ثورية، وقد كانت النظرية النسبية لأينشتاين وجهات نظر دون الذرية والتي مهدت الطريق لاكتشاف رقائق الكمبيوتر وتكنولوجيا الاتصالات. ومنتوج ستيف الوظيفي ليس أكثر من استخدام رقائق الكمبيوتر وتكنولوجيا الجيل الثالث 3G وواي فاي لإنتاج مجموعة من منتجات أبل مثل إيماك وآي بود واي فون، ويمكن قول الشيء نفسه عن التخصصات العلمية الأخرى، ويمكن القول أنّه في السنوات ال 100 الماضية أو نحو ذلك كانت الاكتشافات في مجال العلم والتكنولوجيا مجرد تطويرية وهو تطور طبيعي.

وإذا نحينا الأفكار العلمية جانبا، فإنّه يمكن تطبيق معيار التصنيف نفسه على التخصصات الأخرى مثل الفلسفة والأدب وعلوم الاجتماع والسياسة والاقتصاد وما إلى ذلك من موضوعات ذات أهمية قصوى في السياسة والاقتصاد، لتأثيرها الأكبر على تفكير الإنسان ولعب دور محوري في تطوير العلوم.

بعد النظر عن قرب إلى الفكر الاقتصادي الغربي يتبين أنّ اثنين من رجال ثورة النظرية الاقتصادية في الغرب، كان الأول آدم سميث، الذي يعتبره الكثيرون أبا الرأسمالية، والثاني هو كارل ماركس الذي طور النظرية الاقتصادية الشيوعية كبديل عن الرأسمالية، ويستند بقية الاقتصاديين حتى اليوم في أعمالهم الاقتصادية إلى هذين المدرستين في الفكر والاقتصاد، وباختصار فقد أنتجت جهودهم الجماعية تغيرات تطورية فقط.

بالرغم من انتشار أفكار سميث وماركس على نطاق واسع، إلا أنّه يمكننا القول بأنّ كلا الفكرين فقدا مصداقيتهما على حد سواء، فالشيوعية كنموذج اقتصادي ميتة، وأفكار سميث للسوق الحرة تواجه أزمة كارثية في مجال الثقة، حيث تكشفت في أعقاب انهيار ليمان براذرز في عام 2008، حيث انفضحت الطبيعة الخاطئة للسوق الحر، وألهمت الملايين للاحتجاج على هذه الأفكار.

وقد سيطر على نهوض الفكر السياسي الغربي حفنة من المفكرين ومعظمهم جاؤوا من عصر التنوير. وفي الواقع فإنّه في السنوات 130 الماضية قد توقف التفكير السياسي الغربي، وحاليا يفتقر الغرب إلى حلول للمشاكل السياسية المعاصرة، ومفاهيم الدولة القومية والحرية والديمقراطية والقانون الدولي وما إلى ذلك، قد فشلت عند تطبيقها وفي الممارسة العملية لتكون معيبة وغير قابلة للتطبيق، وكشفت الأزمة الاقتصادية الحالية في أوروبا، والحروب الاستعمارية في العالم الإسلامي زيف هذه الأفكار.

وبالتالي، فقد أفل نجم الحضارة الغربية منذ فترة طويلة، بأفكاره السياسية والاقتصادية وفقدان الثقة تدريجيا بين شعوب العالم، وأصبح على سرير الموت وهو يموت الآن موتا بطيئا. وكإجراء مضاد، وهي حركة المذبوح، لم يبق للغرب خيار آخر سوى استخدام القوة سواء في الداخل أو في الخارج للحفاظ على هيمنته. وعندما يفتقد الفكر المصداقية، في الأفكار السياسية والاقتصادية يتم هجره ويتوقف التقدم العلمي تلقائيا، وزوال الاتحاد السوفيتي هو مثال في كيفية توقف التقدم العلمي بعد انفضاض الناس عن الإيديولوجية.

لذلك يبرز تساؤل عن أي أمة ستكون الدولة الرائدة بعد انهيار أمريكا وأوروبا؟

يرشح البعض الصين والبرازيل والهند من الدول الصاعدة لقيادة البشرية. لكن هذا الرأي قصير النظر ويفتقر إلى التحليل الدقيق، فالمسألة ليست الأمة التي ستقود البشرية ولكن الفكر الذي سيقود البشرية في القرن 21، والصين والبرازيل والهند تتبنى نفس الأفكار الغربية التي فقدت مصداقيتها، وهي المسئولة عن انهيار الغرب، وبالتالي فإنّ المشكلة هي من الأفكار والإيديولوجيات وليس من الناس.

الإسلام هو العقيدة الوحيدة التي يمكنها أن تقود البشرية في القرن 21، حيث لديها سجل حافل بين البشرية الرائدة في جميع مناحي الحياة لأكثر من ألف سنة، وأنتجت فكرا ثوريا لأكثر من 500 عام. فقد كانت الأمة الإسلامية المباركة في وفرة من المفكرين الثوريين، وهو انجاز لم يسبق له مثيل في تاريخ الحضارات. قال بارنارد شو "إنّ العالم يحتاج إلى مفكر عظيم مثل محمد، وأعتقد أنه لو أنّ رجلا مثل محمد تولى الدكتاتورية في العالم الحديث فإنّه سينجح في حل مشاكله بطريقة من شأنها أن تجلب له السلام والسعادة الذي تشتد الحاجة إليهما: أتنبأ بأنّ عقيدة محمد ستكون مقبولة لدى أوروبا غدا كما أنّها مقبولة لأوروبا اليوم."

عابد مصطفى

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار