حل أزمة اقتصاد السودان لا يُلتمس في تكوين لجنة أو عقد مؤتمر  بل في فكرة سياسية مبدئية من لدن لطيف خبير
April 27, 2020

حل أزمة اقتصاد السودان لا يُلتمس في تكوين لجنة أو عقد مؤتمر بل في فكرة سياسية مبدئية من لدن لطيف خبير

حل أزمة اقتصاد السودان لا يُلتمس في تكوين لجنة أو عقد مؤتمر

بل في فكرة سياسية مبدئية من لدن لطيف خبير

في ظل منظومة الاقتصاد الرأسمالي المشوهة التي يطبقها حكام المسلمين بعامة وفي السودان بخاصة تشتد الضائقة الاقتصادية وتعجز الدولة عن السيطرة على الغلاء المتفاقم وعن توفير مجموعة السلع المسماة استراتيجية؛ القمح والوقود وخدمات الكهرباء وغيرها، وفي كل مرة تشتد الضائقة تقوم الحكومة بعملية تضليل حتى يتكيف الناس مع الضائقة وهم يتوهمون أن الحكومة تسعى لعلاج الضائقة، قبل أن تأتي الموجة التالية من الضائقة، وهكذا دواليك... تهوي حياة الناس من درك إلى درك حتى يحنّوا إلى أول درك من الضائقة. أما ما هو سحر التضليل الذي ينطلي على الناس في كل مرة؟ فهو أحد أضلاع مثلث مشؤوم لا يخرج عنها هذا السحر: (تكوين حكومة من وجوه جديدة، أو عقد مؤتمر، أو تكوين لجنة).

بالنسبة للسودان فإن حكومة عبد الله حمدوك هي حكومة جديدة حيث لم يمض عليها سوى ثمانية أشهر، وهي الحكومة التي جاءت بها الثورة واكتسبت زخما قوياً بوصفها حكومة كفاءات يشهد لها حتى الغرب بعلو كعبها في مجال الاقتصاد الرأسمالي، حتى ظن كثير من البسطاء أن السودان سوف يصبح في غضون أيام معدودات دولة عظمى. وبطبيعة الحال فإن حكومة هذا شأنها لا يصلح معها الضلع الأول من سحر التضليل، خاصة وأن الحكومة فرضت في ظل صراع دولي بين قطبي الاستعمار القديم بريطانيا والحديث أمريكا.

ولكن بالرغم من ذلك فإن الشهور الثمانية لهذه الحكومة كانت شهوراً عجافاً ذاق الناس فيها ويلات الغلاء الطاحن وثبور ندرة السلع، وتجرعوا فيها زقوم الذل والإهانة وهم يقفون الساعات الطوال بل الأيام الطوال للحصول على رغيف الخبز أو أسطوانة غاز طبخ أو جالون وقود، ولعل هذه الأوضاع المأساوية هي التي أفشلت حظر التجوال الكامل الذي أعلن في العاصمة لمجابهة جائحة كورونا، وهي التي شكلت أيضاً وقوداً للمظاهرات المناوئة للسلطة والتي تصاعدت في الآونة الأخيرة والتي يرى بعض المراقبين أنها تدار بواسطة الجيش.

كل هذه المعطيات حتمت على حكومة حمدوك، وهي ليست بدعاً من الحكومات التي تعاقبت على البلاد، حتمت عليها ممارسة سحر التضليل، لذلك كانت قد أعلنت عن قيام مؤتمر اقتصادي في آذار/مارس المنصرم، أورد موقع عربي21 يوم 2019/12/28 تصريح وزير الإعلام السوداني فيصل محمد صالح، لرويترز "اجتمع رئيس الوزراء ووزير المالية وعدد من الوزراء مع ممثلين لقوى الحرية والتغيير واتفق الطرفان على تجميد قرار رفع الدعم في موازنة 2020 حتى انعقاد مؤتمر اقتصادي في آذار/مارس المقبل" وأضاف "على ضوء مقررات هذا المؤتمر تتقرر السياسات الاقتصادية للبلاد ومن ضمنها السياسات بخصوص دعم السلع". ثم تم تأجيل المؤتمر حيث أعلنت الدكتورة هبة محمد علي مقرر المؤتمر الاقتصادي القومي بالسودان، تأجيل المؤتمر من 23 آذار/مارس الجاري، إلى 29 آذار/مارس على أن يستمر لمدة ثلاثة أيام، وقالت علي، في تصريح لوكالة السودان للأنباء (سونا)، إن التأجيل تم لدواعي الترتيب والإعداد الجيد وتوسيع المشاركة في المؤتمر لولايات السودان المختلفة. وأكدت مواصلة عمل اللجان الفنية للإعداد للمؤتمر الذي يناقش الخطط المستقبلية للاقتصاد السوداني، لافتة إلى أن مجلس إدارة بنك التجارة والتنمية لدول جنوب وشرق أفريقيا، سيعقد في 23 آذار/مارس، بمشاركة وزراء القطاع الاقتصادي، لذا تم تأجيل المؤتمر الاقتصادي. ثم أعلن عن تأجيل المؤتمر للمرة الثانية، أوردت وكالة الأناضول الآتي: أعلنت الحكومة السودانية، الأربعاء، تأجيل عقد المؤتمر الاقتصادي، الذي يهدف إلى انتشال البلاد من أزمتها المالية، إلى حزيران/يونيو المقبل.

بين يدي هذا الإصرار على ربط معالجة الضائقة الاقتصادية بعقد هذا المؤتمر، تثور تساؤلات عدة؛ إذا كان علاج مشكلات الاقتصاد يكون بعقد مؤتمر فما هي وظيفة وزراء القطاع الاقتصادي، وزير المالية الخبير إبراهيم البدوي ووزراء التجارة والصناعة والزراعة والطاقة والتعدين؟ وما هي وظيفة مجلس الوزراء برئاسة الخبير المستجلب من ما وراء البحار عبد الله حمدوك؟ وأين الفكرة السياسية التي يعتنقها هؤلاء والتي جاءوا ليحلوا بها مشكلات البلاد الاقتصادية وغيرها؟ بل أين البرنامج الإسعافي الذي سلمته قوى الحرية والتغيير لرئيس الوزراء بوصف هذا البرنامج هو خطة عمل الفترة الانتقالية؟! لقد أدمن النظام البائد عقد المؤتمرات، فهل حل للناس مشكلة؟ لو أنه فعل لما جلستم على هذه الكراسي ولكنه الإفلاس وإعادة إنتاج النظام نفسه بوجوه كالحة أنفقت عليها مساحيق التجميل، ولكن لن يصلح العطار ما أفسد الدهر.

لقد سارت الحكومة الانتقالية في خطي التضليل؛ فعندما بلغت الروح الحلقوم وضاق الحال بالناس أعلنت عن تكوين لجنة اقتصادية برئاسة حميدتي، أورد موقع باج نيوز بتاريخ 2020/03/06 الخبر الآتي: (عقد أمس اجتماع مشترك ضم مجلس السيادة ومجلس الوزراء والمجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، وأصدر قرارا بتشكيل آلية عليا لإدارة الأزمة الاقتصادية تتولى تنفيذ حزمة إجراءات عاجلة لتوفير السلع الاستراتيجية من (الوقود والقمح والدواء) إلى جانب مراجعة سياسات الوارد والصادر، وتوفير الإسناد العاجل لحصاد محصولات الموسم الزراعي الشتوي والتحضير للموسم الزراعي الصيفي، وأكد مصدر موثوق به لـ(باج نيوز)، أن "حميدتي" سيكون رئيسا للجنة العليا لإدارة الأزمة الاقتصادية، فيما ينتظر أن يتولى المؤتمر الاقتصادي مهمة وضع الحلول المتوسطة وطويلة الأمد للنهوض بالاقتصاد السوداني) قبل أن يعتذر حميدتي عن رئاسة اللجنة بعد أن كان قد قبل بها لتموت اللجنة وتتفرق بها السبل ثم يتم إحياؤها مرة أخرى برئاسة حميدتي ينوب عنه الخبير حمدوك، وعقدت اللجنة الجديدة اسماً أول اجتماع لها يوم الخميس 2020/04/16 حيث أورد موقع سودان خبر الخبر الآتي: (انعقد مساء أمس الخميس الاجتماع الأول للجنة الطوارئ الاقتصادية العليا بقاعة الصداقة بالخرطوم، بحضور كل من: الفريق أول حميدتي رئيس اللجنة، والدكتور حمدوك نائب الرئيس، وتم تشكيل اللجنة على النحو التالي: عمر مانيس مقرراً وناطقا رسميا، سكرتارية دكتور حريكه ويوسف بشير وعضوية كل من، وزير وزارة المالية، وزير وزارة البترول والمعادن والكهرباء، وزير التجارة والصناعة، وزير العدل، مدير الجمارك، مدير الشرطة، مدير الضرائب، نائب مدير محافظ بنك السودان، نائب مدير ديوان المراجع العام، لواء أمن مدير الأمن الاقتصادي، ممثل الدعم السريع، ممثل القوات المسلحة، ممثلي الحرية والتغيير كل من خطاب، صلاح مناع، إبراهيم الشيخ. وبحسب تصريح القيادي بالحرية والتغيير عضو اللجنة "إبراهيم الشيخ" أن رئيس اللجنة الفريق أول محمد حمدان حميدتي، أكد أن هدف اللجنة رفع الضائقة والمعاناة المعيشية الراهنة كفريق عمل واحد وتنفيذ فوري، وبشر اللجنة أن خيرا كثيرا سيتحقق وأن العمل سيكون بإخلاص وتجرد، كما تحدث بعده نائب رئيس اللجنة د. عبد الله حمدوك مرحبا باللجنة ومشيرا إلى أنه رغم مرور عام على الثورة إلا أن ما تم إنجازه دون المستوى).

إذاً انتهى المطاف بجوقة الخبراء المبجلين حاملي الشهادات العليا المتخرجين في جامعات الغرب أن يعملوا تحت إمرة قائد قوات الدعم السريع لحل الضائقة الاقتصادية، ولا شك أن هذه اللجنة برئاسة تاجر الإبل حميدتي تنسف كل الأقوال السابقة بأن مشكلة الاقتصاد تحتاج للخبراء الذين يميزون بين نظريات آدم سميث وبين نظريات ريكاردو وإلا لما بذلوا (الأجاويد)؛ الوسطاء لإقناع حميدتي برئاسة اللجنة فهو ليس من هؤلاء الخبراء!!! إن فكرة اللجنة أصلا هي محض تضليل وكسب للوقت وإيهام الجوعى أن في القدر طعاماً حتى يناموا، نعم قد تنجح اللجنة في تسكين الضائقة إلى أجل وعندها تكون مخدراً وقتياً ليفيق الناس على ضائقة أشد وطأة وأشد تنكيلا!!!

إن علاج الضائقة الاقتصادية بل وكل مشكلات وأزمات الإنسان إنما يلتمس عند خالق الإنسان الذي أوجده من العدم، عندما يربط الإنسان حياته بما قبلها وهو الخالق واجب الوجود، وبما بعدها وهو اليوم الآخر، ولا شك أن الحقيقة التي تحقق هذا الربط هي الوحي العظيم الذي جاء به سيد المرسلين محمد e، أي مبدأ الإسلام العظيم تطبقه دولة الخلافة الراشدة في دولة الرعاية والكفاية التي تضمن إشباع الحاجات الأساسية لكل أفراد الرعية وللمجتمع بعامة، تهتدي بنور الوحي المبين وتطفئ نار الكفار والمشركين، يقوم على أمرها قادة ربانيون لا يخافون في الله لومة لائم. فهذا هو الدرب أيها المسلمون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المبارك عبد الله - ولاية السودان

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو