هل يملك الحزب أن يغير في الفكرة أو الطريقة؟
April 13, 2020

هل يملك الحزب أن يغير في الفكرة أو الطريقة؟

هل يملك الحزب أن يغير في الفكرة أو الطريقة؟

 ما كان للحزب أن يُغير في الفكرة أو الطريقة شيئاً، لأن الفكرة والطريقة - أعني فكرته التي تقوم على الأحكام الشرعية المستنبطة من الأدلة التفصيلية - والطريقة ونعني بها طريقته للوصول إلى استئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة عن طريق طلب النصرة - فإن ذلك كله ليس للحزب ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾، فالفكرة والطريقة أحكام شرعية ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، وإذا لم يبلغ هذا الأمر عقول البعض فإن هذا ليس عائداً للحزب وإنما هو مرض أصابهم، أو لوثة عقلية لم يعد صاحبها يدري ما يقول. فالوصول إلى الحكم يجب أن يكون بطلب النصرة، وبالشروط والأسباب التي يضعها ويفرضها صاحب الفكرة (وهو الحزب) فهو لا يقبل أن تُفرض عليه الشروط.

 وسأتناول هنا الثورة السورية ببعض التفصيل لأنها ربما أدخلت في قلب البعض شيئاً فظن أن الحزب غيّر طريقته، أو تجاوز على فكرته، ولربما كان لبعض العقول أو القلوب المريضة تأثير في بثّ هذا الأمر وبخاصة أن أجهزة مخابرات معلومة تريد أن تنال من فكرة الحزب وطريقته، فكان لبعض المطايا أو الجهلة دور في بث الشائعات، لكنهم كانوا في ذلك كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه، وعادوا من حربهم مع الحزب خاسرين خائبين لم ينالوا خيرا، وإنما هو الخزي الذي لفّهم من كل جانب "كَناطِحٍ صَخْرَةً يَوْماً ليِوُهِنَها * فَلَمْ يَضِرْها وأوْهى قَرْنَه الوعِلُ".

وقبل أن أشرع في تناول الثورة السورية، لا بد أن أضع أصولاً وثوابت هي من المحكمات الواضحات في سير الحزب وليست من المؤول أو المتشابه:

أولاً: إن هناك أعمالاً من أعمال الرأي العام في مرحلة التفاعل، وهي الأعمال التي يتفاعل فيها الحزب مع الأمة، مثل عقد محاضرة أو ندوة أو مؤتمر أو مسيرة نقودها ونحركها براياتنا وهتافاتنا، ودليلها فعل النبي ﷺ لما جمع الناس على الصفا وخطب فيهم، وكذلك لما قاد المسلمين في صفَّين على رأس الأول عمر والثاني حمزة، فلا ينبغي الخلط بين أعمال الرأي العام وبين إقامة الدولة، فالمسيرات والمظاهرات والمحاضرات والندوات، هي من أعمال الرأي العام، وليست طريقة لإقامة الدولة.

ثانياً: إن كون الحزب تبنى طريقة معينة لإيصال فكرته إلى النظام والحكم واضحٌ وضوح الشمس في رابعة النهار، وتنطبق عليها شروط التواتر، يعلمها القاصي والداني، فلا يصلح والحال هكذا أن تُردّ بأخبار آحاد حتى وإن توفر في الراوي العدالة والضبط، فقد يكون اعتراه وهم، أو أصابته لوثة في عقله، أو مرض في قلبه. فالمقطوع عندنا أن الحزب لا يتوسل الوصول إلى الحكم إلا بطلب النصرة، وأي مضمون أو خبر يُخالف هذا يُرد دراية، هذا طبعاً إذا سلم الراوي من الغفلة والوهم والكذب وخوارم المروءة.

ثالثاً: إن محطات التلفزة الإخبارية السورية اتهمت الحزب منذ بواكير الثورة السورية محاولةً الربط بينه وبين اشتعال الثورة عليهم، وكانت بذلك تخاطب دول العالم وتحذرها من خطورة الشعارات التي يرفعها الحزب، استباقاً منها لشيطنة الثورة واستعداء العالم كله ضدها، وما زالت الدول تُحاول إلصاق الأعمال المادية بالحزب، وليس آخراً توظيف شرذمة ممن أكل قلبَه ثباتُ الحزب على فكرته وطريقته، فهو يُحاول بشتى الأساليب والوسائل أن يربط بين الثوار والداعمين لهم من جهة وبين الحزب. فاتهام الحزب بالأعمال المادية وتشكيل كتائب ليست إبداعاً جديداً وإنما قامت عليه المخابرات السورية منذ بداية الثورة.

رابعاً: إن وجود الحزب في بلاد الشام ومنها سوريا ليس وجوداً طارئاً أو متأخراً، بل إن الحزب لم يُغادرها البتة، والاعتقالات التي طالت شبابه في الشام سنة 1999 وطالت حوالي 800 منهم في كافة نواحي سوريا خير شاهد أن الحزب بفكرته وشبابه يضربون في عمق الدولة السورية، فلا شك إذن أن فكرة الحزب وسعيَه لإقامة الخلافة معلومة لدى أهل الشام جميعاً.

وبعد هذه الأصول والثوابت الأربعة نقول: لقد أدرك الحزب مبكراً واقع الثورات عموماً والثورة السورية على وجه الخصوص، وكان هذا الفهم المبكر قد مكّن الحزب من التعامل مع هذه الثورات تعاملاً مبدئياً، وكان للثورة السورية نصيب الأسد من إصدارات الحزب وأعماله، فقد أصدر الحزب ما يزيد على 300 إصدار ما بين نشرة أو جواب سؤال، وذلك أن الثورة السورية تميزت عن باقي الثورات أنها رفعت شعارات إسلامية واضحة مرعبة لأمريكا ودول الكفر كافة، بل ورفعت راية الخلافة مطالِبةً بها مطالَبةً صريحة، ونشأ فيها فصائل وكتائب وألوية تحت أسماء إسلامية وشعارت إسلامية.

ولما كان الأمر هكذا تداعى الغرب الكافر وعملاؤه ومطاياه لحرب هذه الشعارات ومن يحملها، فكانت الحرب بين الغرب الكافر تقوده أمريكا وروسيا وإيران وحزبها بل وأحزابها من جهة وبين الناس المستضعفين من جهة أخرى، ولما كان الحال هكذا كان لا بد للحزب أن يقف مع ناسه وأمته ليحاول أن يمسك بالثورة من الانحراف، فقد كان في الميدان وحده يُتابع ويتابع ويتصل حتى لا تنحرف الثورة عن مسارها، فالقيادة الفعلية لم تكن له، وإنما هو ناصح للثوار ومحذرٌ لهم من أن يختطف أحدٌ ثورتَهم، أو يُغير من شعاراتها، فقد حذرهم من المال السياسي الذي يدفعه مطايا الغرب للثوار مثل تركيا والسعودية والإمارات وغيرها، وحذرهم من جنيف وسوتشي وأستانة وغصن الزيتون ودرع الفرات، فكان بحق بمثابة الرائد، والرائد لا يكذب أهله، جاء في جواب سؤال أصدره أمير حزب التحرير العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة بتاريخ 2018/4/5: (إن الحزب لم يّدخر جهداً في توعية تلك الفصائل وتبصيرها بما يجري ويدور، إلا أنهم كانوا يبررون سيرهم خلف أولئك الداعمين بأنهم يدعمونهم بالمال والسلاح، وأن الحزب لا يستطيع ذلك، فقط يدعمهم بالنصح، ويضيفون أن ذلك النصح لا يُغني من ضرب السيوف شيئاً...) ثم يختم فيقول: (... وإننا نتوجه لتلك الفصائل التي كانت ترفض توعيتنا لهم، فقد كانوا يقولون هذا كلام لا يُغني من الحرب شيئاً، بل يريدون الدعم بالمال والسلاح الذي يجدونه عند خونة المسلمين عرباً وتركاً وفرساً).

فمبدئية الحزب وثباته على فكرته ظاهرة من أول يوم اشتعلت فيه الثورات، فهو إذ يحاول أن يمسك بالثورة من الأفكار المنحرفة أو الآراء الضالة، فإنه كذلك ينعى على الحركات والجماعات المسلحة استعانتها بالمال السياسي القذر، والذي يرفض هو أن ينخرط فيه لأنه يخالف طريقته في إقامة الدولة.

ولئن كانت الثورة السورية تسلّحت على خلاف رغبة الحزب، فقد حذرها الحزب منذ بواكير الثورة أنَّ تسلحها من الغرب أو تابعيه من الشرق سيكون قيداً بل رسناً تجعل الداعم يقودها حيث يريد، وهذا ما كان.

يقول الحزب في إحدى نشراته بتاريخ 2012/3/6: (لقد أتت دعوات التسليح المتعددة هذه وسط الصمود الأسطوري للشعب السوري المؤمن، وفشل النظام السوري المجرم في فرض حله الأمني والعسكري، وبما أن الشعب السوري أعزل، والنظام السوري ما زال يواصل عملياته الإجرامية بحقه، وأمريكا تماطل في الحل، وجدت دول أوروبا الظرف مناسباً للدعوة إلى تسليح المعارضة الداخلية عن طريق عملائها من دول الخليج).

وذكر في نشرة أخرى بتاريخ 2012/3/15: (لذلك نحذركم من دعوى تسليحكم من قِبل أعداء الإسلام، فإن فيه مساومة على دينكم ومبادئكم).

 لقد كان موقف الحزب في الثورة السورة ثابتاً وواضحاً، وكان يدرك بل يحسّ ويعلم أن خروج الناس ثائرين على الظلم هو حاضنة واعدة لإقامة الخلافة وإعطائه النصرة، وإن عمله بعد أن تسلحت الثورة هو بذل الوسع في تصويب مسار الثائرين، فإن هم استجابوا كان له ما يريد في أرض الشام، وإن هم رفضوا نصيحتَه فإنما يكون قد قام بالواجب الشرعي الذي أُنيط به.

لذا ما كان للحزب أن يترك الثورة وأهلها، وهي بيئة واعدة، ما كان له أن يتركها نهباً لأمريكا وأتباعها وأشياعها، وقد كان في كل إصداراته يطلب من الثوار وأهل القوة والمنعة من الجيش والمنشقين عنه أن يلتفّوا حول قيادته السياسية، والتي وحدها تملك مشروعاً واضحاً بيّناً مفصَّلاً.

إن الجيش أو العشائر أو الفصائل إن كانت مظنة التمكين للحزب حتى يقيم الدولة ويستأنف الحياة الإسلامية فيجب على الحزب حينها أن يطلب منهم النصرة، وإنَّ طلب الحزب من الفصائل المسلحة في الشام أن تلتف خلف قيادة سياسية واعية تملك مشروعاً، هو من صُلب الطريقة، ولا ذنب للحزب إن لم يبلغ خطابه عقولَ البعض أو قلبهم.

إن عمل الحزب في الثورة السورية كان عملاً دقيقاً اكتنفته صعوبات ومواقف لم يكن الحل معها إلا الإصرار على الطريقة، على رغم خسارة الكثير من الناس والفئات بسبب هذا الإصرار، والبطء في مراحل من العمل بل والعودة إلى نقطة الصفر أحياناً من أجل الثبات على المبدأ والتزام الطريقة الشرعية. وما أعان على هذا الوضوح بعد فضل الله سبحانه ورعايته هو خطوط رسمها الحزب مبنية على فهمه السياسي والشرعي، جعلت الحزب يمرّ في أتون الثورة دون أن يذوب فيها، بل ظل جوهره متميزاً، بل إن أعواماً من الالتزام والانضباط صقلته، فكان الفرق بينه وبين باقي الحركات كالفرق بين الماس والجرافيت، كلاهما من العنصر ذاته (الكربون) لكن ظروف التشكل والنشوء هي ما تخرج ماساً يفلّ أقسى المعادن، أو جرافيت هو دونه في القوة والصلابة، فالحزب وقد ناهز السبعة عقود منذ نشأته لن ينال منه ومن فكرته وطريقته دول ولا أفراد، ذلك أنه قوي بربه عزيز بدينه، وقد خبر الأجواء كلها، وعصفت به الكوارث والبلايا، فلم يزده ذلك إلا قوة إلى قوته، وليس بضارّه من نذر نفسه لضربه فأصبح شغله الشاغل، كما لو أن الكفاح السياسي أو الصراع الفكري مع الحزب لا مع الأنظمة والدول!

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الأستاذ خالد الأشقر – أبو المعتز بالله

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو