حتمية وحدة الأمة
حتمية وحدة الأمة

منذ ثمانية وتسعين عاما أُسقط درع الأمة الذي يذود عنها مكرَ الفجار وكيد الكفار بهدم دولة الخلافة العثمانية، ولا يخفى من حال المسلمين ما ترتب على فقدانهم لجُنّتهم من احتلال وتشرذمٍ حيث سقطت جل الأقطار في البلاد الإسلامية ومنها العربية في براثن الغرب الكافر المستعمر.

0:00 0:00
السرعة:
April 07, 2019

حتمية وحدة الأمة

حتمية وحدة الأمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين المبعوث رحمة للعالمين ومقيم صرح الإسلام العظيم محمد بن عبد الله النبي المصطفى الكريم وعلى من نهج نهجه وسار على طريقته إلى يوم الدين... أما بعد،

منذ ثمانية وتسعين عاما أُسقط درع الأمة الذي يذود عنها مكرَ الفجار وكيد الكفار بهدم دولة الخلافة العثمانية، ولا يخفى من حال المسلمين ما ترتب على فقدانهم لجُنّتهم من احتلال وتشرذمٍ حيث سقطت جل الأقطار في البلاد الإسلامية ومنها العربية في براثن الغرب الكافر المستعمر.

كما لا يخفى ما أسفر عن أفول شمسها من تقطيع لجسد الأمة الواحد تقطيعا سياسيا وجغرافيا جديدا وفق المنظور الأوروبي الذي لم يُشهد له مثيل. وما انجر عن ذلك من بسط لهيمنة أرباب النظام العالمي الجديد على كل شيء فيها ومن تقاسم للنفوذ في كافة أرجائها.

وقد سعت هذه القوى الرأسمالية الاستعمارية الكبرى إبان إحكام قبضتها إلى وضع خطط جهنمية في وجه كل نزعة تحررية لتثبيت سيطرتها وبقائها في أمة الإسلام وإدامة هيمنتها عليها والحيلولة دون تحررها بعودتها إلى دينها ووحدتها وقوتها.

ولقد نشبت انتفاضات وثورات عديدة في العالم الإسلامي لقلع الاستعمار ومجابهة الاحتلال الأجنبي الغاصب قُبيْل وبعد القضاء على دولة المسلمين من الوجود لاسترداد سلطان المسلمين المغتصَب ودحر مخططات الكفار المستعمرين، ثم ها هي أمة الإسلام اليوم في الساحات والميادين تنادي بتطبيق شرع ربها، تونس ومصر واليمن فليبيا وجرح القلب سوريا، ومن ثم السودان فالجزائر والمغرب الأقصى على الأبواب، إذ إن قطار الثورات الأخيرة الذي اجتاح المنطقة العربية مؤخرا ليبرهن أن للوعي السياسي دورا حاسما في الصراع القديم الجديد بين أمة الإسلام المغتصبة ومستعمرها.

لذلك كان السؤال الواجب الإجابة عليه هو كيف لهذه الأمة أن تلفظ الاستعمار وعملاءه؟

إن إقامة الخلافة الراشدة الجامعة لشتات المسلمين وشعثهم، المانعة لكل مكر يتربص بهم هو السبيل الوحيد لحياة أمة الإسلام من جديد حيث ستَصهر كيانات الأمة السياسية المصطنعة في كيانها الجامع الكبير تحت حكم رجل واحد، خليفة المسلمين، وهي التي ستقضي على دساتير الكفر وستتبنى دستورا إسلاميا صِرفا.

وبذلك تتخلص من كل المعاهدات الجائرة مع الاستعمار وتلغي كافة الاتفاقيات المبرمة معهم وخاصة العسكرية، وبذلك تتخلص من أذناب المستعمر وأدواته، كما ستعزل الوسط السياسي الخائن العميل وستعمل على إبطال تأثيره قلّ أم كثر وستقطع اتصاله بالغرب. كما ستقضي دولة الخلافة المرتقبة على العمالة السياسية والفكرية من خلال منع أي عمل سياسي على غير أساس الإسلام.

إن إقامة هذه الدولة هو الضامن الوحيد لعودة تمتع المسلمين بخيراتهم ومقدراتهم المنهوبة التي يمتصها الغرب اليوم.

إن دولة الخلافة هي الوحيدة القادرة على القطع مع الاستعمار وكنس عملائه وإلغاء مرسوماته وطرد شركاته العالمية الناهبة شر طردة من بلاد الإسلام، وهذا لا يتم الا بانضمام أهل القوة من الجيوش وأصحاب الموقف والإرادة إلى صفوف الأمة والاستجابة إلى تطلعاتها المنبثقة عن عقيدتها بنصر وحماية المخلصين المُعَدين لمهام الحكم والسياسة إخوانهم في حزب التحرير الرائد الذي لا يكذب أهله، السائر على المنهج الرباني فنبايع خليفة من شأنه أن يجعل دولة الإسلام حاضنة المسلمين هي المتحكمة في الشأن الدولي والسياسة الدولية وهيكل علاقاتها، وهو الذي سيحرك الجيوش لتحرير الأقصى من براثن يهود الغاصبين، وهو الذي سيقتص للمسلمين في بورما وهو من سيسترد تركستان الشرقية إلى حاضنة الإسلام، إذ هو كما قال الحبيب المصطفى «جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ».

وهذا ما يرعد فرائص الغرب الذي جرب الخلافة السابقة وعلم مكانتها السامقة كما أنه يعلم جيدا - دونما ريب - أنها ستقوض هيمنته السياسية والاقتصادية على العالم كله وستلقي برأسماليته العفنة وديمقراطيته الزائفة ومدنيته الخاوية إلى هاوية سحيقة بلا عودة، لذلك نجده لا يتورع ثانية في محاربتها والحيلولة دون ظهورها قدر استطاعته.

إن أمة الإسلام لا محالة إذا ما قطعت دابر القنوط والتشاؤم وأدركت أن مصيرها بيدها ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ وعملت بوعي واستنارة في الفكر نحو إقامة دولتها - الخلافة الراشدة - فإن الله لن يفردها عملها وستكون العاقبة لها بإذنه تعالى.

إن وحدة الأمة الإسلامية أضحى ريحها يملأ الأفق وإن قيام دولة الخلافة هو مسألة وقت لا غير، كما أن الاستخلاف والتمكين والعزة والسنا والرفعة آت لا مناكفة في ذلك، وإن العمل لاستئناف الحياة الإسلامية ومبايعة خليفة فرض عين في عنق كل مسلم ومسلمة يحرم التقصير فيه ويجب العمل له حتى ينزع الله الذل عنا وحتى نعود سيرتنا الأولى؛ خير أمة أخرجت للناس.

قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الطالب أحمد اللطيف

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو