إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي  (ح 103)  أحكام الشركات في الإسلام
إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي  (ح 103)  أحكام الشركات في الإسلام

الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد، وحذرهم سبل الفساد، والصلاة والسلام على خير هاد، المبعوث رحمة للعباد، الذي جاهد في الله حق الجهاد، وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد، الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد، فاجعلنا اللهم معهم، واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد، يوم يقوم الناس لرب العباد.

0:00 0:00
السرعة:
July 07, 2020

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 103) أحكام الشركات في الإسلام

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي

(ح 103)

أحكام الشركات في الإسلام 

الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد، وحذرهم سبل الفساد، والصلاة والسلام على خير هاد، المبعوث رحمة للعباد، الذي جاهد في الله حق الجهاد، وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد، الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد، فاجعلنا اللهم معهم، واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد، يوم يقوم الناس لرب العباد.

أيها المؤمنون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي، ومع الحلقة الثالثة بعد المائة، وعنوانها: "البيع". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثامنة والأربعين بعد المائة من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

يقول رحمه الله: "الشركة في اللغة خلط النصيبين فصاعدا، بحيث لا يتميز الواحد عن الآخر. والشركة شرعا هي عقد بين اثنين فأكثر، يتفقان فيه على القيام بعمل مالي، بقصد الربح. وعقد الشركة يقتضي وجود الإيجاب والقبول فيه معا، كسائر العقود. والإيجاب أن يقول أحدهما للآخر: شاركتك في كذا، ويقول الآخر: قبلت. إلا أنه ليس اللفظ المذكور بلازم بل المعنى، أي لا بد من أن يتحقق في الإيجاب والقبول معنى يفيد أن أحدهما خاطب الآخر مشافهة، أو كتابة، بالشركة على شيء، والآخر يقبل ذلك. فالاتفاق على مجرد الاشتراك لا يعتبر عقدا، والاتفاق على دفع المال للاشتراك لا يعتبر عقدا، بل لا بد من أن يتضمن العقد معنى المشاركة على شيء. وشرط صحة عقد الشركة أن يكون المعقود عليه تصرفا، وأن يكون هذا التصرف المعقود عليه عقد الشركة قابلا للوكالة، ليكون ما يستفاد بالتصرف مشتركا بينهما.

والشركة جائزة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم بعث والناس يتعاملون بها، فأقرهم الرسول عليها، فكان إقراره عليه السلام لتعامل الناس بها دليلا شرعيا على جوازها. وروى البخاري من طريق سليمان بن أبي مسلم أنه قال: سألت أبا المنهال عن الصرف يدا بيد، فقال: اشتريت أنا وشريك لي شيئا يدا بيد ونسيئة، فجاءنا البراء بن عازب، فسألناه، فقال: فعلت أنا وشريكي زيد بن أرقم، وسألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «ما كان يدا بيد فخذوه، وما كان نسيئة فردوه» فهو يدل على أن الشركة كان المسلمون يتعاملون بها وأقرهم الرسول صلى الله عليه وسلم عليها. وروى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يقول أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما».

وتجوز الشركة بين المسلمين مع بعضهم، وبين الذميين مع بعضهم، وبين المسلمين والذميين. فيصح أن يشارك المسلم النصراني والمجوسي وغيرهم من الذميين. روى مسلم عن عبد الله بن عمر قال: «عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر -وهم يهود- بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع». و«اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهودي طعاما ورهنه درعه» رواه البخاري من طريق عائشة. وروى الترمذي عن ابن عباس قال: «توفي النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة بعشرين صاعا من طعام أخذه لأهله» . وروى الترمذي عن عائشة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى يهودي يطلب منه ثوبين إلى الميسرة». ولهذا فإن شراكة اليهود والنصارى وغيرهم من الذميين جائزة، لأن معاملتهم جائزة. إلا أن الذميين لا يجوز لهم بيع الخمر والخنزير وهم في شركة مع المسلم، أما ما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركتهم للمسلم فثمنه حلال في الشركة. ولا تصح الشركة إلا من جائز التصرف؛ لأنها عقد على التصرف في المال، فلم يصح من غير جائز التصرف في المال؛ ولذلك لا تجوز شركة المحجور عليه، ولا شركة كل من لا يجوز تصرفه.

erwa1

والشركة إما شركة أملاك، أو شركة عقود. فشركة الأملاك هي شركة العين، كالشركة في عين يرثها رجلان، أو يشتريانها، أو يهبها لهما أحد، أو ما شاكل ذلك. وتعتبر شركة العقود هي موضع البحث في تنمية الملك. ويتبين من استقراء شركات العقود في الإسلام وتتبعها، وتتبع الأحكام الشرعية المتعلقة بها، والأدلة الشرعية الواردة في شأنها، أن شركات العقود خمسة أنواع هي: شركة العنان، وشركة الأبدان، وشركة المضاربة، وشركة الوجوه، وشركة المفاوضة، وفي الحلقات المقبلة إن شاء الله سنبين مجمل أحكامها.

erwa2

وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:

1.     الشركة لغة: الشركة في اللغة خلط النصيبين فصاعدا، بحيث لا يتميز الواحد عن الآخر.

2.     الشركة شرعا: هي عقد بين اثنين فأكثر، يتفقان فيه على القيام بعمل مالي، بقصد الربح.

3.     عقد الشركة: يقتضي عقد الشركة وجود الإيجاب والقبول فيه معا، كسائر العقود.

4.     الإيحاب والقبول: الإيجاب أن يقول أحدهما للآخر: شاركتك في كذا، ويقول الآخر: قبلت.

5.     الاتفاق المعتبر عقدا: هو الاتفاق الذي يتحقق فيه معنى الإيجاب والقبول: يخاطب أحدهما الآخر مشافهة، أو كتابة، بالشركة على شيء، والآخر يقبل ذلك.

6.     الاتفاق غير المعتبر: هو الاتفاق الذي لا يتضمن معنى المشاركة على شيء كما في المثالين:

1)     الاتفاق على مجرد الاشتراك لا يعتبر عقدا.

2)     الاتفاق على دفع المال للاشتراك لا يعتبر عقدا.

7.     شرط صحة عقد الشركة: أن يكون المعقود عليه تصرفا قابلا للوكالة، ليكون ما يستفاد بالتصرف مشتركا بينهما.

8.     حكم الشركة في الإسلام: الشركة جائزة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم بعث والناس يتعاملون بها، فأقرهم الرسول عليها، فكان إقراره عليه الصلاة والسلام لتعامل الناس بها دليلا شرعيا على جوازها.

9.     صور الشركات الجائزة شرعا: تجوز الشركة في الحالات الآتية:

1)     بين المسلمين مع بعضهم.

2)     بين الذميين مع بعضهم.

3)     بين المسلمين والذميين.

10.   أحكام الشركة في الإسلام:

1)     يصح أن يشارك المسلم النصراني والمجوسي وغيرهم من الذميين.

2)     شراكة اليهود والنصارى وغيرهم من الذميين جائزة، لأن معاملتهم جائزة.

3)     لا يجوز للذميين بيع الخمر والخنزير وهم في شركة مع المسلم.

4)     ما باعه الذميون من الخمر والخنزير قبل مشاركتهم للمسلم فثمنه حلال في الشركة.

5)     لا تصح الشركة إلا من جائز التصرف؛ لأنها عقد على التصرف في المال.

6)     لا تجوز شركة المحجور عليه، ولا شركة كل من لا يجوز تصرفه.

11.   نوعا الشركة الأساسيان: الشركة إما شركة أملاك، أو شركة عقود.

1)     شركة الأملاك: هي شركة العين، كالشركة في عين يرثها رجلان، أو يشتريانها، أو يهبها لهما أحد، أو ما شاكل ذلك.

2)     شركة العقود: تعتبر هي موضع البحث في تنمية الملك، وهي خمسة أنواع:

1.     شركة العنان.

2.     شركة الأبدان.

3.     شركة المضاربة.

4.     شركة الوجوه.

5.     شركة المفاوضة.

أيها المؤمنون:

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام، وأن يعز الإسلام بنا، وأن يكرمنا بنصره، وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل، وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها، إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المزيد من القسم اقتصاد

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 165) النقـود


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 165)
النقـود


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

9966

العملة الذهبية للسلطان عبد الحميد العثماني


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الخامسة والستين بعد المائة, وعنوانها: "النقود". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة السبعين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود. فالثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص. ولا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود. وهذا التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد. وتكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود. والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا، وإنما أطلق للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة. فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما، ويجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر. وهكذا أطلق المبادلة لبني الإنسان بما يريدون من الأشياء. إلا أن مبادلة السلعة بوحدة معينة من النقد، قد أرشد الإسلام إلى هذه الوحدة النقدية، وعينها للمسلمين في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة. فهو لم يترك للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء، وإنما عين هذه الوحدات النقدية، التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة. ويفهم هذا التعيين من عدة أمور:


أحدها: أن الإسلام حين نهى عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول. فالقمح مال، والتمر مال، والنقد مال. والكنز إنما يظهر في النقد، لا في السلع والجهود. والمراد من الآية النهي عن كنز النقد، لأنه هو أداة التبادل العامة، ولأن كنزه هو الذي يظهر فيه أثر النهي. أما غير النقد فإن جمعه لا يسمى كنزا، وإنما يسمى احتكارا. ولهذا كانت الآية التي نهت عن كنز الذهب والفضة، إنما نهت عن كنز النقد. وقد عينت الآية النقد الذي نهى الله عن كنزه، وهو الذهب والفضة. قال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). (التوبة 34) فالنهي منصب على أداة التبادل النقدية. وعلى هذا فإن كنز الذهب والفضة عينا حرام، سواء أكان مضروبا أم غير مضروب.


ثانيها: ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب. قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل ... وعلى أهل الذهب ألف دينار" رواه النسائي عن عمرو بن حزم. وقال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا". رواه البخاري من طريق عائشة. فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار، والدرهم، والمثقال يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. فكون الإسلام ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصا، حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد، دليل على أن النقد إنما هو الذهب والفضة فحسب.


ثالثها: لقد عين الرسول صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس، والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها. وكانت تقع بالذهب والفضة بوصفهما نقدا جميع البيوع والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة بميزان معين، هو ميزان أهل مكة. روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الوزن وزن أهل مكة". ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


رابعها: أن الله سبحانه حين أوجب زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.


خامسها: أن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت نصا على الذهب والفضة. والصرف هو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة، أو بيع عملة بعملة أخرى".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


تعريف النقود:


النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود.


بالنقد يقدر ثمن الشيء وأجر الجهد:
1. الثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص.
2. لا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود.
3. التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد.
4. تكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود.


أطلق الإسلام للإنسان إجراء المبادلة بأي شيء:
1. حين قرر الإسلام أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا.
2. أطلق الإسلام للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة.


من الأمثلة على المبادلة:
1. يجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن.
2. يجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما.
3. يجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر.


الوحدة النقدية للمبادلة في الإسلام:
1. أرشد الإسلام إلى الوحدة النقدية وعينها في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة.
2. لم يترك الإسلام للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء.
3. عين الإسلام الوحدات النقدية التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة.


تعيين الإسلام للوحدات النقدية: يفهم هذا التعيين من عدة أمور:
1. حين نهى الإسلام عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول.
2. ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب.
3. عين النبي عليه الصلاة والسلام الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات.
4. حين أوجب الله سبحانه زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.
5. أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام جاءت نصا على الذهب والفضة.


الموازين النقدية في الإسلام:
1. جعل المقياس للنقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار.
2. كانت هذه المقاييس معروفة مشهورة زمن النبي يتعامل بها الناس والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها.
3. كانت بهذه الموازين تقع جميع البيوع والأنكحة بالذهب والفضة بوصفهما نقدا.
4. حدد النبي عليه الصلاة والسلام ميزان الذهب والفضة بميزان أهل مكة. فقال: "الوزن وزن أهل مكة".
5. من مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 164) معاملات الصرف (ج2)


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 164)
معاملات الصرف (ج2)


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي ومع الحلقة الرابعة والستين بعد المائة, وعنوانها: "معاملات الصرف". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثامنة والستين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

6325632

عملة السلطان العثماني عبد الحميد

يقول رحمه الله: "وإذا اشترى رجل من رجل دينارا صحيحا بدينارين مغشوشين لا يجوز. ولكن لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من نفس الذي باعه، أم من غيره. لما روى أبو سعيد قال: "جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع، لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر، فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به" رواه مسلم. وروى أيضا أبو سعيد وأبو هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" متفق عليه. ولم يأمره أن يبيعه لغير الذي يشتري منه، ولو كان البيع لمن اشترى منه محرما لبينه وعرفه إياه. ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز، كما لو باعه من غيره. وبيع الذهب بالفضة، ثم شراء الفضة كذلك. أما إن واطأ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، لأن الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين. وهي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك، لأن الوسيلة إلى الحرام محرمة، ولأن الرسول قال: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه أحمد عن عبادة بن الصامت، وروى أحمد عن أبي مالك الأشجعي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها". وعلى هذا فالصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع، وهو يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد. ولبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


أمثلة توضيحية على الصرف الجائز وغير الجائز:
1. إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر في ذمة الأول فضة، فاصطرفا بما في ذمتهما، بأن قضاه ما في ذمته من الذهب بما له عنده دينا من الفضة، جاز هذا الصرف، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
2. إذا اشترى رجل بضاعة بذهب، وقبض البائع ثمنها فضة جاز، لأنه يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفا بعين وذمة.
3. لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من الذي باعه نفسه، أم من غيره.


الحيل كلها محرمة وغير جائزة:
الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين.
1. تعريف الحيل: الحيل هي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك.
2. من القواعد الشرعية قاعدة تنص على أن: "الوسيلة إلى الحرام محرمة"؛ لقول النبي: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". ولقوله: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".


خلاصة البحث في معاملات الصرف:
1. الصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع.
2. الصرف يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية.
3. كما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد.
4. لبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.