إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 127) الاحتكار
إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 127) الاحتكار

الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

0:00 0:00
السرعة:
July 31, 2020

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 127) الاحتكار


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 127)
الاحتكار


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة السابعة والعشرين بعد المائة, وعنوانها: "الاحتكار". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة السابعة والتسعين بعد المائة من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "ويمنع الاحتكار مطلقا، وهو حرام شرعا، لورود النهي الجازم عنه في صريح الحديث. فقد روي في صحيح مسلم عن سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله العدوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحتكر إلا خاطئ" وروى القاسم عن أبي أمامة قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحتكر الطعام". أخرجه الحاكم في المستدرك, وابن أبي شيبة في مصنفه. وروى مسلم بإسناده عن سعيد بن المسيب أن معمرا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من احتكر فهو خاطئ" فالنهي في الحديث يفيد طلب الترك، وذم المحتكر، بوصفه أنه خاطئ - والخاطئ المذنب العاصي- وهذا قرينة تدل على أن هذا الطلب للترك يفيد الجزم، ومن هنا دلت الأحاديث على حرمة الاحتكار. والمحتكر هو من يجمع السلع انتظارا لغلائها، حتى يبيعها بأسعار غالية، بحيث يضيق على أهل البلد شراؤها. أما كون المحتكر هو من يجمع السلع انتظارا للغلاء، فلأن معنى كلمة حكر في اللغة استبد، ومنه الاستبداد بحبس البضاعة كي تباع بالكثير، واحتكر الشيء في اللغة جمعه واحتبسه انتظارا لغلائه، فيبيعه بالكثير.


وأما كون شرط انطباق الاحتكار، كونه يبلغ حدا يضيق على أهل البلد شراء السلعة المحتكرة؛ فلأن واقع الاحتكار لا يحصل إلا في هذه الحال، فلو لم يضق على الناس شراء السلعة لا يحصل جمع البضاعة، ولا الاستبداد بها كي تباع بالكثير. وعلى هذا فليس شرط الاحتكار أن يشتري السلعة، بل مجرد جمعها انتظارا للغلاء، حتى بيعها بالكثير يعتبر احتكارا، سواء جمعها بالشراء، أم جمعها من غلة أراضيه الواسعة لانفراده بهذا النوع من الغلة، أو لندرة زراعتها، أو جمعها من مصانعه لانفراده بهذه الصناعة، أو لندرة هذه الصناعة، كما هي حال الاحتكارات الرأسمالية. فإنهم يحتكرون صناعة شيء، بقتل جميع المصانع إلا صناعتهم، ثم يتحكمون في السوق، فإن ذلك كله احتكار لأنه يصدق عليه منطوق كلمة احتكر ويحتكر لغة، فالحكرة والاحتكار هو حصر السلعة، أو السلع عن البيع انتظارا لغلائها، فيبيعها بالكثير.


والاحتكار حرام في جميع الأشياء من غير فرق بين قوت الآدمي، أو قوت الدواب وغيره، ومن غير فرق بين الطعام وغيره، ومن غير فرق بين ما هو من ضرورات الناس، أو من كمالياتهم، وذلك لأن معنى احتكر في اللغة جمع الشيء مطلقا، ولم تأت بمعنى جمع الطعام، أو القوت، أو ضرورات الناس، بل جمع الشيء، فلا يصح أن تخصص بغير معناها اللغوي، ولأن ظاهر الأحاديث الصحيحة، التي وردت في الاحتكار، يدل على تحريم الاحتكار في كل شيء، وذلك لأن الأحاديث جاءت عامة من غير تخصيص، فتبقى على عمومها. وأما ما ورد في بعض الروايات لأحاديث الاحتكار، من تسليط الاحتكار على الطعام كحديث: "نهى رسول الله أن يحتكر الطعام" وغير ذلك من الروايات، فإن ذكر الطعام في الحديث لا يجعل الاحتكار خاصا بالطعام، ولا يقال في ذلك: "إن النهي عن الاحتكار ورد في بعض الروايات عاما، وبعض الروايات خاصا بالطعام، فيحمل العام على الخاص". لا يقال ذلك، لأن كلمة الطعام في الروايات التي ذكرتها لا تصلح لتخصيص الروايات العامة، بل هو من التنصيص على فرد من الأفراد التي يطلق عليها العام.


أما لماذا لا تصلح أحاديث الطعام للتخصيص فلأن المخصص يجب أن يكون جزءا من العام، أي أن يكون الطعام جزءا من عموم أحاديث الاحتكار, ولكن بالنظر في أحاديث الاحتكار يتبين أنها تفيد العموم في كل من يحتكر أي في المحتكرين. فحديث مسلم: "لا يحتكر إلا خاطئ" هو فعل منفي, فيفيد العموم في المحتكرين.


ورواية مسلم الأخرى: "من احتكر فهو خاطئ". فهي كذلك تفيد العموم في كل محتكر, وكلمة الطعام وهي مادة محتكرة لا تخصص عموم المحتكرين؛ لأنها ليست جزءا منهم. وقد يقال: "إن حديثي مسلم المذكورين أعلاه: "لا يحتكر إلا خاطئ" و "من احتكر فهو خاطئ". وإن كانا يفيدان في منطوقهما عموم المحتكرين لكن بمفهومهما يفيدان عموم المادة المحتكرة, وعندها يصلح حديث الطعام بمنطوقه لتخصيص مفهوم حديثي مسلم عن المحتكرين". لا يقال ذلك لأن المنطوق لا يخصص المفهوم.


وعليه فإن الاحتكار محرم في كل شيء فالمحتكر يتحكم في السوق, ويفرض على الناس ما يشاء من أسعار، باحتكاره السلعة عنده، فيضطر الناس لشرائها منه بالثمن الغالي، لعدم وجودها عند غيره. فالمحتكر في حقيقته يريد أن يغلي السعر على المسلمين، وهذا حرام، لما روي عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دخل في شيء من أسعار المسلمين، ليغليه عليهم، كان حقا على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


1. منع الإسلام للاحتكار:


1) يمنع الاحتكار مطلقا، وهو حرام شرعا.
2) ورود النهي الجازم عن الاحتكار في صريح الحديث يفيد طلب الترك.
3) ذم المحتكر بوصفه أنه خاطئ أي مذنب وعاص قرينة تدل على أن الطلب للترك يفيد الجزم.
4) طلب الترك الجازم دل على حرمة الاحتكار.


2. الاحتكار في اللغة:


1) معنى كلمة حكر في اللغة استبد، ومنه الاستبداد بحبس البضاعة كي تباع بالكثير.
2) واحتكر الشيء في اللغة جمعه واحتبسه انتظارا لغلائه، فيبيعه بالكثير.


3. الاحتكار في الاصطلاح:


1) المحتكر هو من يجمع السلع انتظارا لغلائها، حتى يبيعها بأسعار غالية، بحيث يضيق على أهل البلد شراؤها.
2) واقع الاحتكار لا يحصل إلا إذا بلغ حدا يضيق على أهل البلد شراء السلعة.
3) ليس شرط الاحتكار أن يشتري السلعة، بل مجرد جمعها انتظارا للغلاء، حتى بيعها بالكثير يعتبر احتكارا.
4. احتكار الرأسماليين: يجمع المحتكر الرأسمالي السلعة بإحدى الطرق الآتية:


1) بالشراء من السوق.
2) من غلة أراضيه الواسعة لانفراده بهذا النوع من الغلة، أو لندرة زراعتها.
3) من مصانعه لانفراده بهذه الصناعة، أو لندرة هذه الصناعة.


5. تحكم الرأسماليين في السوق:


1) الرأسماليون يحتكرون صناعة شيء، بقتل جميع المصانع إلا صناعتهم.
2) ثم يتحكمون في السوق.

6. الاحتكار محرم في كل شيء: الاحتكار حرام في جميع الأشياء:


1) من غير فرق بين قوت الآدمي، أو قوت الدواب وغيره.
2) ومن غير فرق بين الطعام وغيره.
3) ومن غير فرق بين ما هو من ضرورات الناس، أو من كمالياتهم.


7. رد الشيخ تقي الدين العالم بأصول الفقه على من يقولون بتسليط الاحتكار على الطعام:


1) معنى "احتكر" في اللغة جمع الشيء مطلقا.
2) لم تأت "احتكر" بمعنى جمع الطعام، أو القوت، أو ضرورات الناس، بل جمع الشيء.
3) لا يصح أن تخصص "احتكر" بغير معناها اللغوي.
4) ظاهر الأحاديث الصحيحة الواردة في الاحتكار يدل على تحريم الاحتكار في كل شيء.
5) الأحاديث جاءت عامة من غير تخصيص، فتبقى على عمومها.
6) ذكر الطعام في الحديث لا يجعل الاحتكار خاصا بالطعام.


8. رده رحمه الله على سؤال: لماذا لا يقال: يحمل الخاص على العام في النهي عن احتكار الطعام؟


1) لا يقال: "إن النهي عن الاحتكار ورد في بعض الروايات عاما، وبعض الروايات خاصا بالطعام، فيحمل العام على الخاص".
2) لا يقال ذلك، لأن كلمة الطعام في الروايات التي ذكرتها لا تصلح لتخصيص الروايات العامة، بل هو من التنصيص على فرد من الأفراد التي يطلق عليها العام.


9. في التصحيحات التي بعث بها العالم الجليل عطاء بن خليل "أبو الرشتة" أمير حزب التحرير حفظه الله وأعزه ونصره يجيب عن سؤال: لماذا لا تصلح أحاديث الطعام للتخصيص؟


1) أما لماذا لا تصلح أحاديث الطعام للتخصيص لأن المخصص يجب أن يكون جزءا من العام، أي أن يكون الطعام جزءا من عموم أحاديث الاحتكار.
2) بالنظر في أحاديث الاحتكار يتبين أنها تفيد العموم في كل من يحتكر أي في المحتكرين. فحديث مسلم: "لا يحتكر إلا خاطئ" هو فعل منفي, فيفيد العموم في المحتكرين.
3) رواية مسلم الأخرى: "من احتكر فهو خاطئ". فهي كذلك تفيد العموم في كل محتكر.
4) كلمة الطعام وهي مادة محتكرة لا تخصص عموم المحتكرين؛ لأنها ليست جزءا منهم.
5) قد يقال: "إن حديثي مسلم المذكورين أعلاه: "لا يحتكر إلا خاطئ" و "من احتكر فهو خاطئ". وإن كانا يفيدان في منطوقهما عموم المحتكرين لكن بمفهومهما يفيدان عموم المادة المحتكرة وعندها يصلح حديث الطعام بمنطوقه لتخصيص مفهوم حديثي مسلم عن المحتكرين.
6) لا يقال ذلك لأن المنطوق لا يخصص المفهوم.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المزيد من القسم اقتصاد

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 165) النقـود


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 165)
النقـود


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

9966

العملة الذهبية للسلطان عبد الحميد العثماني


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الخامسة والستين بعد المائة, وعنوانها: "النقود". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة السبعين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود. فالثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص. ولا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود. وهذا التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد. وتكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود. والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا، وإنما أطلق للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة. فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما، ويجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر. وهكذا أطلق المبادلة لبني الإنسان بما يريدون من الأشياء. إلا أن مبادلة السلعة بوحدة معينة من النقد، قد أرشد الإسلام إلى هذه الوحدة النقدية، وعينها للمسلمين في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة. فهو لم يترك للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء، وإنما عين هذه الوحدات النقدية، التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة. ويفهم هذا التعيين من عدة أمور:


أحدها: أن الإسلام حين نهى عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول. فالقمح مال، والتمر مال، والنقد مال. والكنز إنما يظهر في النقد، لا في السلع والجهود. والمراد من الآية النهي عن كنز النقد، لأنه هو أداة التبادل العامة، ولأن كنزه هو الذي يظهر فيه أثر النهي. أما غير النقد فإن جمعه لا يسمى كنزا، وإنما يسمى احتكارا. ولهذا كانت الآية التي نهت عن كنز الذهب والفضة، إنما نهت عن كنز النقد. وقد عينت الآية النقد الذي نهى الله عن كنزه، وهو الذهب والفضة. قال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). (التوبة 34) فالنهي منصب على أداة التبادل النقدية. وعلى هذا فإن كنز الذهب والفضة عينا حرام، سواء أكان مضروبا أم غير مضروب.


ثانيها: ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب. قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل ... وعلى أهل الذهب ألف دينار" رواه النسائي عن عمرو بن حزم. وقال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا". رواه البخاري من طريق عائشة. فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار، والدرهم، والمثقال يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. فكون الإسلام ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصا، حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد، دليل على أن النقد إنما هو الذهب والفضة فحسب.


ثالثها: لقد عين الرسول صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس، والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها. وكانت تقع بالذهب والفضة بوصفهما نقدا جميع البيوع والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة بميزان معين، هو ميزان أهل مكة. روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الوزن وزن أهل مكة". ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


رابعها: أن الله سبحانه حين أوجب زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.


خامسها: أن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت نصا على الذهب والفضة. والصرف هو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة، أو بيع عملة بعملة أخرى".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


تعريف النقود:


النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود.


بالنقد يقدر ثمن الشيء وأجر الجهد:
1. الثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص.
2. لا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود.
3. التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد.
4. تكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود.


أطلق الإسلام للإنسان إجراء المبادلة بأي شيء:
1. حين قرر الإسلام أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا.
2. أطلق الإسلام للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة.


من الأمثلة على المبادلة:
1. يجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن.
2. يجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما.
3. يجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر.


الوحدة النقدية للمبادلة في الإسلام:
1. أرشد الإسلام إلى الوحدة النقدية وعينها في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة.
2. لم يترك الإسلام للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء.
3. عين الإسلام الوحدات النقدية التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة.


تعيين الإسلام للوحدات النقدية: يفهم هذا التعيين من عدة أمور:
1. حين نهى الإسلام عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول.
2. ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب.
3. عين النبي عليه الصلاة والسلام الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات.
4. حين أوجب الله سبحانه زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.
5. أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام جاءت نصا على الذهب والفضة.


الموازين النقدية في الإسلام:
1. جعل المقياس للنقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار.
2. كانت هذه المقاييس معروفة مشهورة زمن النبي يتعامل بها الناس والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها.
3. كانت بهذه الموازين تقع جميع البيوع والأنكحة بالذهب والفضة بوصفهما نقدا.
4. حدد النبي عليه الصلاة والسلام ميزان الذهب والفضة بميزان أهل مكة. فقال: "الوزن وزن أهل مكة".
5. من مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 164) معاملات الصرف (ج2)


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 164)
معاملات الصرف (ج2)


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي ومع الحلقة الرابعة والستين بعد المائة, وعنوانها: "معاملات الصرف". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثامنة والستين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

6325632

عملة السلطان العثماني عبد الحميد

يقول رحمه الله: "وإذا اشترى رجل من رجل دينارا صحيحا بدينارين مغشوشين لا يجوز. ولكن لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من نفس الذي باعه، أم من غيره. لما روى أبو سعيد قال: "جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع، لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر، فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به" رواه مسلم. وروى أيضا أبو سعيد وأبو هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" متفق عليه. ولم يأمره أن يبيعه لغير الذي يشتري منه، ولو كان البيع لمن اشترى منه محرما لبينه وعرفه إياه. ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز، كما لو باعه من غيره. وبيع الذهب بالفضة، ثم شراء الفضة كذلك. أما إن واطأ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، لأن الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين. وهي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك، لأن الوسيلة إلى الحرام محرمة، ولأن الرسول قال: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه أحمد عن عبادة بن الصامت، وروى أحمد عن أبي مالك الأشجعي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها". وعلى هذا فالصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع، وهو يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد. ولبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


أمثلة توضيحية على الصرف الجائز وغير الجائز:
1. إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر في ذمة الأول فضة، فاصطرفا بما في ذمتهما، بأن قضاه ما في ذمته من الذهب بما له عنده دينا من الفضة، جاز هذا الصرف، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
2. إذا اشترى رجل بضاعة بذهب، وقبض البائع ثمنها فضة جاز، لأنه يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفا بعين وذمة.
3. لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من الذي باعه نفسه، أم من غيره.


الحيل كلها محرمة وغير جائزة:
الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين.
1. تعريف الحيل: الحيل هي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك.
2. من القواعد الشرعية قاعدة تنص على أن: "الوسيلة إلى الحرام محرمة"؛ لقول النبي: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". ولقوله: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".


خلاصة البحث في معاملات الصرف:
1. الصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع.
2. الصرف يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية.
3. كما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد.
4. لبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.