إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 131) المعنى الشرعي للإسراف والتبذير
إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 131) المعنى الشرعي للإسراف والتبذير

الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد. ...

0:00 0:00
السرعة:
August 04, 2020

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 131) المعنى الشرعي للإسراف والتبذير

بسم الله الرحمن الرحيم


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 131)
المعنى الشرعي للإسراف والتبذير


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الحادية والثلاثين بعد المائة, وعنوانها: "المعنى الشرعي للإسراف والتبذير". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة السادسة بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "وقال تعالى: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين). (الأعراف 31) وهذا ذم من الله للإسراف وهو الإنفاق في المعاصي, وقد وردت كلمة المسرفين بمعنى المعرضين عن ذكر الله، قال تعالى: (فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون). (يونس 12) أي زين الشيطان بوسوسته ما كان يعمله المسرفون، من الإعراض عن الذكر، واتباع الشهوات.

فسمى المعرضين عن ذكر الله المسرفين. ووردت كلمة المسرفين بمعنى الذين غلب شرهم على خيرهم قال تعالى: (لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار). (غافر 43) عن قتادة: أن المراد بالمسرفين هنا هم المشركون. وعن مجاهد: المسرفين السفاكي الدماء بغير حلها. وقيل: الذين غلب شرهم خيرهم هم المسرفون. وقد وردت كلمة المسرفين بمعنى المفسدين. قال تعالى: (فاتقوا الله وأطيعون (150) ولا تطيعوا أمر المسرفين (151) الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون). (الشعراء 152). فهذه الآيات كلها، ليس المراد من الإسراف فيها المعنى اللغوي مطلقا، بل المراد معان شرعية. وهي، حين تذكر بجانب الإنفاق، يراد منها إنفاق المال في المعاصي، فتفسيرها بالمعنى اللغوي لا يجوز؛ لأن الله أراد بها معنى شرعيا معينا. وأما التبذير فمعناه الشرعي أيضا هو إنفاق المال في المحرمات، قال تعالى: (ولا تبذر تبذيرا (26) إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين). (الإسراء 27) أي أمثالهم في الشر، وهي غاية المذمة؛ لأنه لا يوجد أشر من الشيطان. والتبذير هنا تفريق المال فيما لا ينبغي. عن عبد الله بن مسعود: "أن التبذير هو إنفاق المال في غير حقه". وعن مجاهد: "لو أنفق مدا في باطل كان تبذيرا". وروي عن ابن عباس أنه قال في المبذر: "المنفق في غير حقه". وعن قتادة قال: "التبذير: النفقة في معصية الله وفي غير الحق، وفي الفساد". ذكر هذه الأقوال الطبري في تفسيره. فهذا كله يدل على أن المراد بالإسراف والتبذير هو الإنفاق في ما حرم الله. فكل ما حرمه الشرع يعتبر الإنفاق فيه إنفاقا بغير حق، يجب الحجر على فاعله. ومن يحجر عليه لا ينفذ له صدقة، ولا بيع، ولا هبة، ولا نكاح. وكل ما أخذه قرضا لم يلزمه أداؤه، ولا يقضى عليه به. أما ما فعله قبل أن يحجر عليه ففعله نافذ غير محدود إلى أن يحجر عليه القاضي.


وأما قوله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا). (الإسراء 29) فإن النهي منصب على كل البسط، لا على البسط، فبسط اليد لم ينه عنه الله، وهو الإنفاق الكثير في الحلال، وأما المنهي عنه فهو كل البسط. وهو الإنفاق في الحرام. فعدم النهي عن البسط - ومعروف أنه إنفاق المال بكثرة لأنه بسط لليد - دليل على أنه الإنفاق في الحلال، وانصباب النهي على كل البسط، دليل على أن النهي منصب على ما زاد على البسط الذي أباحه، فيكون منصبا على الإنفاق في الحرام. هذا من ناحية الدليل. أما من ناحية واقع الإنفاق، فإنه يختلف تقدير أن المنفق قد أكثر الإنفاق، أو لم يكثر، بالنسبة لمستوى المعيشة في بلده. فهناك بلاد لا يشبع فيها الفرد حاجاته الأساسية إشباعا كليا، فيعتبر إنفاقه على إشباع الحاجات الكمالية إنفاقا كثيرا، كما هي الحال في كثير من البلدان الإسلامية. وهناك بلاد يشبع الفرد حاجاته الأساسية إشباعا كليا، ويشبع أيضا حاجاته الكمالية، التي أصبحت مع تقدم المدنية حاجات ضرورية بالنسبة له، كالبراد، والغسالة، والسيارة، ونحو ذلك، فلا يعتبر إنفاقه على هذه الحاجات الكمالية إنفاقا كثيرا، فإذا اعتبر الإسراف والتبذير كما يدل عليهما معناهما اللغوي، فإن ذلك يعني أن الحكم الشرعي هو أن كل إنفاق على ما يزيد على إشباع الحاجات الأساسية حرام، فيكون شراء البراد، والغسالة، والسيارة، حراما لأنها تزيد على الحاجات الأساسية، أو يعتبر الحكم الشرعي أن الإنفاق على هذه الحاجات حرام، في بلدان، أو على أناس، وحلال في بلدان أخرى، أو على أناس آخرين، وبذلك يكون الحكم الشرعي اختلف في الشيء الواحد دون علة، وهذا لا يجوز؛ لأن الحكم الشرعي في المسألة الواحدة هو هو لا يتغير. وفوق ذلك، فإن إباحة الله الأشياء في استعمالها واستهلاكها كان مطلقا، ولم يقيد بالإنفاق الكثير أو القليل، فكيف يعتبر الإنفاق الكثير حراما؟ ولو أن الله حرم الإنفاق الكثير في الأشياء الحلال، وأحل هذه الأشياء، لكان معناه أحل الشيء وحرمه في آن واحد. فيكون الله يحل استعمال الطائرة الخصوصية، ويحرمها إذا كان شراؤها للشخص يعتبر إنفاقا كثيرا، وهو تناقض لا يجوز. وعليه فإن تفسير الإسراف والتبذير بمعناهما اللغوي لا يجوز، بل يجب أن يفسرا بمعناهما الشرعي، الوارد في نصوص الآيات، والوارد في أقوال بعض الصحابة، وبعض العلماء الموثوق بأقوالهم".


وقبل أن نودعكم أحبتنا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


أولا: ملحوظتان مهمتان:


1. إن تفسير الإسراف والتبذير بمعناهما اللغوي لا يجوز، بل يجب أن يفسرا بمعناهما الشرعي.
2. المعنى الشرعي وارد في نصوص الآيات وأقوال بعض الصحابة وبعض العلماء الموثوق بأقوالهم.


ثانيا: الإسراف:


1. ليس المراد من الإسراف المعنى اللغوي مطلقا، بل المراد معان شرعية.
2. تفسير كلمة "الإسراف" بالمعنى اللغوي لا يجوز؛ لأن الله أراد بها معنى شرعيا معينا.
3. الإسراف هو الإنفاق في المعاصي. وقد ذمه الله تعالى بقوله: (إنه لا يحب المسرفين).
4. حين تذكر كلمة "الإسراف" بجانب الإنفاق، يراد منها إنفاق المال في المعاصي.


5. وردت كلمة المسرفين بمعان متعددة منها:


1) بمعنى المعرضين عن ذكر الله. قال تعالى: (كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون).
2) بمعنى الذين غلب شرهم على خيرهم. قال تعالى: (وأن المسرفين هم أصحاب النار). وللمفسرين في هذه الآية الكريمة قولان: قال قتادة: إن المراد بالمسرفين هنا هم المشركون. وقال مجاهد: إن المسرفين هم سفاكو الدماء بغير حلها.
3) بمعنى المفسدين قال تعالى: (ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون).


ثالثا: التبذير:


1. معناه الشرعي هو إنفاق المال في المحرمات قال تعالى: (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين). أي أمثالهم في الشر، وهي غاية المذمة؛ لأنه لا يوجد أشر من الشيطان.
2. التبذير هو تفريق المال فيما لا ينبغي. ذكر الطبري في تفسيره الأقوال الآتية.


1) عن عبد الله بن مسعود: "أن التبذير هو إنفاق المال في غير حقه".
2) عن مجاهد: "لو أنفق مدا في باطل كان تبذيرا".
3) عن ابن عباس أنه قال في المبذر: "المنفق في غير حقه".
4) عن قتادة قال: "التبذير: النفقة في معصية الله وفي غير الحق، وفي الفساد".


3. هذا كله يدل على أن المراد بالإسراف والتبذير هو الإنفاق في ما حرم الله.
4. كل ما حرمه الشرع يعتبر الإنفاق فيه إنفاقا بغير حق، يجب الحجر على فاعله.
5. من يحجر عليه لا ينفذ له صدقة، ولا بيع، ولا هبة، ولا نكاح. وكل ما أخذه قرضا لم يلزمه أداؤه، ولا يقضى عليه به.
6. ما فعله من يحجر عليه قبل أن يحجر عليه ففعله نافذ غير محدود إلى أن يحجر عليه القاضي.


رابعا: النهي عن الإنفاق في الحرام:


قال تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا)


1. معروف أن بسط اليد هو إنفاق المال بكثرة.
2. النهي منصب على بسط اليد كل البسط، وهو الإنفاق في الحرام.
3. بسط اليد بعض البسط لم ينه عنه الله تعالى، وهو الإنفاق الكثير في الحلال.
4. عدم النهي عن بعض البسط دليل على إباحة الإنفاق الكثير في الحلال.
5. انصباب النهي على كل البسط دليل على أن النهي منصب على ما زاد على البسط الذي أباحه، فيكون منصبا على الإنفاق في الحرام.


خامسا: واقع الإنفاق:


1. يختلف تقدير أن المنفق قد أكثر الإنفاق، أو لم يكثر، بالنسبة لمستوى المعيشة في بلده:


1) هناك بلاد لا يشبع فيها الفرد حاجاته الأساسية إشباعا كليا، فيعتبر إنفاقه على إشباع الحاجات الكمالية إنفاقا كثيرا.
2) هناك بلاد يشبع الفرد حاجاته الأساسية إشباعا كليا، ويشبع أيضا حاجاته الكمالية، فلا يعتبر إنفاقه عليها إنفاقا كثيرا.


2. إذا اعتبر الإسراف والتبذير كما يدل عليهما معناهما اللغوي فإن ذلك يعني أمرين:


1) يعني أن الحكم الشرعي يحرم كل إنفاق يزيد على إشباع الحاجات الأساسية. أو أنه يعتبر أن الإنفاق على هذه الحاجات حرام، في بلدان، وحلال في بلدان أخرى.
2) يعني أن الحكم الشرعي قد اختلف في الشيء الواحد دون علة، وهذا لا يجوز؛ لأن الحكم الشرعي في المسألة الواحدة هو هو لا يتغير.
3. إن إباحة الله الأشياء في استعمالها واستهلاكها كان مطلقا، ولم يقيد بالإنفاق الكثير أو القليل.
4. لو أن الله حرم الإنفاق الكثير في الأشياء الحلال، وأحل هذه الأشياء، لكان معناه أحل الشيء وحرمه في آن واحد، وهو تناقض لا يجوز.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المزيد من القسم اقتصاد

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 165) النقـود


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 165)
النقـود


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

9966

العملة الذهبية للسلطان عبد الحميد العثماني


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الخامسة والستين بعد المائة, وعنوانها: "النقود". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة السبعين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود. فالثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص. ولا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود. وهذا التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد. وتكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود. والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا، وإنما أطلق للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة. فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما، ويجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر. وهكذا أطلق المبادلة لبني الإنسان بما يريدون من الأشياء. إلا أن مبادلة السلعة بوحدة معينة من النقد، قد أرشد الإسلام إلى هذه الوحدة النقدية، وعينها للمسلمين في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة. فهو لم يترك للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء، وإنما عين هذه الوحدات النقدية، التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة. ويفهم هذا التعيين من عدة أمور:


أحدها: أن الإسلام حين نهى عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول. فالقمح مال، والتمر مال، والنقد مال. والكنز إنما يظهر في النقد، لا في السلع والجهود. والمراد من الآية النهي عن كنز النقد، لأنه هو أداة التبادل العامة، ولأن كنزه هو الذي يظهر فيه أثر النهي. أما غير النقد فإن جمعه لا يسمى كنزا، وإنما يسمى احتكارا. ولهذا كانت الآية التي نهت عن كنز الذهب والفضة، إنما نهت عن كنز النقد. وقد عينت الآية النقد الذي نهى الله عن كنزه، وهو الذهب والفضة. قال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). (التوبة 34) فالنهي منصب على أداة التبادل النقدية. وعلى هذا فإن كنز الذهب والفضة عينا حرام، سواء أكان مضروبا أم غير مضروب.


ثانيها: ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب. قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل ... وعلى أهل الذهب ألف دينار" رواه النسائي عن عمرو بن حزم. وقال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا". رواه البخاري من طريق عائشة. فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار، والدرهم، والمثقال يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. فكون الإسلام ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصا، حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد، دليل على أن النقد إنما هو الذهب والفضة فحسب.


ثالثها: لقد عين الرسول صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس، والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها. وكانت تقع بالذهب والفضة بوصفهما نقدا جميع البيوع والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة بميزان معين، هو ميزان أهل مكة. روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الوزن وزن أهل مكة". ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


رابعها: أن الله سبحانه حين أوجب زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.


خامسها: أن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت نصا على الذهب والفضة. والصرف هو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة، أو بيع عملة بعملة أخرى".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


تعريف النقود:


النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود.


بالنقد يقدر ثمن الشيء وأجر الجهد:
1. الثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص.
2. لا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود.
3. التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد.
4. تكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود.


أطلق الإسلام للإنسان إجراء المبادلة بأي شيء:
1. حين قرر الإسلام أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا.
2. أطلق الإسلام للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة.


من الأمثلة على المبادلة:
1. يجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن.
2. يجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما.
3. يجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر.


الوحدة النقدية للمبادلة في الإسلام:
1. أرشد الإسلام إلى الوحدة النقدية وعينها في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة.
2. لم يترك الإسلام للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء.
3. عين الإسلام الوحدات النقدية التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة.


تعيين الإسلام للوحدات النقدية: يفهم هذا التعيين من عدة أمور:
1. حين نهى الإسلام عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول.
2. ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب.
3. عين النبي عليه الصلاة والسلام الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات.
4. حين أوجب الله سبحانه زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.
5. أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام جاءت نصا على الذهب والفضة.


الموازين النقدية في الإسلام:
1. جعل المقياس للنقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار.
2. كانت هذه المقاييس معروفة مشهورة زمن النبي يتعامل بها الناس والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها.
3. كانت بهذه الموازين تقع جميع البيوع والأنكحة بالذهب والفضة بوصفهما نقدا.
4. حدد النبي عليه الصلاة والسلام ميزان الذهب والفضة بميزان أهل مكة. فقال: "الوزن وزن أهل مكة".
5. من مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 164) معاملات الصرف (ج2)


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 164)
معاملات الصرف (ج2)


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي ومع الحلقة الرابعة والستين بعد المائة, وعنوانها: "معاملات الصرف". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثامنة والستين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

6325632

عملة السلطان العثماني عبد الحميد

يقول رحمه الله: "وإذا اشترى رجل من رجل دينارا صحيحا بدينارين مغشوشين لا يجوز. ولكن لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من نفس الذي باعه، أم من غيره. لما روى أبو سعيد قال: "جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع، لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر، فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به" رواه مسلم. وروى أيضا أبو سعيد وأبو هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" متفق عليه. ولم يأمره أن يبيعه لغير الذي يشتري منه، ولو كان البيع لمن اشترى منه محرما لبينه وعرفه إياه. ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز، كما لو باعه من غيره. وبيع الذهب بالفضة، ثم شراء الفضة كذلك. أما إن واطأ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، لأن الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين. وهي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك، لأن الوسيلة إلى الحرام محرمة، ولأن الرسول قال: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه أحمد عن عبادة بن الصامت، وروى أحمد عن أبي مالك الأشجعي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها". وعلى هذا فالصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع، وهو يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد. ولبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


أمثلة توضيحية على الصرف الجائز وغير الجائز:
1. إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر في ذمة الأول فضة، فاصطرفا بما في ذمتهما، بأن قضاه ما في ذمته من الذهب بما له عنده دينا من الفضة، جاز هذا الصرف، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
2. إذا اشترى رجل بضاعة بذهب، وقبض البائع ثمنها فضة جاز، لأنه يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفا بعين وذمة.
3. لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من الذي باعه نفسه، أم من غيره.


الحيل كلها محرمة وغير جائزة:
الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين.
1. تعريف الحيل: الحيل هي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك.
2. من القواعد الشرعية قاعدة تنص على أن: "الوسيلة إلى الحرام محرمة"؛ لقول النبي: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". ولقوله: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".


خلاصة البحث في معاملات الصرف:
1. الصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع.
2. الصرف يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية.
3. كما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد.
4. لبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.