إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 132) منع الإسلام الفرد من الترف ومن التقتير واعتبرهما إثما
إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 132) منع الإسلام الفرد من الترف ومن التقتير واعتبرهما إثما

الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد. ...

0:00 0:00
السرعة:
August 05, 2020

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 132) منع الإسلام الفرد من الترف ومن التقتير واعتبرهما إثما

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 132)
منع الإسلام الفرد من الترف ومن التقتير واعتبرهما إثما


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الثانية والثلاثين بعد المائة, وعنوانها: "منع الإسلام الفرد من الترف ومن التقتير واعتبرهما إثما". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة التاسعة بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: أما تصرفه بإنفاقه على نفسه، وعلى من تجب عليه نفقته فقد تدخل الإسلام في هذه النفقة، ورسم لها سبيلا سويا، فمنع الفرد من أمور منها:


أولا: منع الفرد من الإسراف في الإنفاق، واعتبره سفها. وقد سبق الحديث عنه.


ثانيا: منع الإسلام الفرد من الترف واعتبره إثما، وأوعد المترفين بالعذاب. قال تعالى: (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال (41) في سموم وحميم (42) وظل من يحموم (43) لا بارد ولا كريم (44) إنهم كانوا قبل ذلك مترفين). (الواقعة 45) أي كانوا بطرين يفعلون ما يشاؤون. وقال تعالى: (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون). (المؤمنون 46) و (مترفيهم) هنا جبابرتهم البطرين. وقال تعالى: (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذيرإلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون). (الزخرف 25) أي إلا قال المتكبرون على المؤمنين بكثرة الأموال والأولاد. وقال تعالى: (واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه). (هود 116) والمراد هنا من قوله: (ما أترفوا فيه) هو الانصراف إلى شهواتهم، أي اتبعوا شهواتهم. وقال تعالى: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها). (الإسراء 16) و (مترفيها) هنا جبابرتها المتنعمين. وقال تعالى: (وأترفناهم في الحياة الدنيا). أي جعلناهم يصرون على البغي من بطرهم، أي جعلناهم بطرين. والترف في اللغة البطر والغطرسة من التنعم، يقال ترفه وأترفه المال أي أبطره، أفسده. أترف الرجل أصر على البغي، استترف: بغى، تغطرس. وعلى ذلك يتبين أن الترف الذي ذمه القرآن، وحرمه الله، وجعله إثما، هو الترف الذي ورد معناه في اللغة وهو البطر من التنعم. والغطرسة من التنعم، وليس هو التنعم فقط. ولذلك كان من الخطأ أن يفسر الترف بأنه هو التمتع بالمال، والتنعم بما رزق الله؛ لأن هذا التنعم والتمتع بما رزق الله لم يذمه الشرع، قال تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق). (الأعراف 32) وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو قال: قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" أي يحب من عبده أن يتنعم بنعمة الله، ويتمتع بالطيبات التي رزقه إياها رب العالمين. ولكن الله يكره البطر من التنعم، والغطرسة من التنعم، والبغي من التنعم، أي يكره التنعم إذا نتج عنه بطر، وبغي، وغطرسة، وتجبر. ولما كان التنعم بالمال قد ينتج عند بعض الناس تكبرا، وتجبرا، وبطرا، أي قد يحدث عنده ترفا، منع الإسلام هذا الترف وحرمه، أي منع الفساد إذا نجم عن كثرة الأموال، والأولاد، فجعل الشخص بطرا، متغطرسا، متجبرا، وحرم ذلك أشد التحريم. فحين يقال: إن الترف حرام لا يعني أن التنعم حرام، وإنما يعني أن البطر الذي ينجم عن التنعم بالمال حرام كما هو معنى الترف لغة، وكما هو معنى الترف، كما يفهم من آيات القرآن.


ثالثا: منع الفرد من التقتير على نفسه، ومن حرمانها المتاع المشروع، وأحل التمتع بالطيبات من الرزق، وأخذ الزينة اللائقة، قال الله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا). (الإسراء 29) وقال الله تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما). (الفرقان 67) وقال: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق). (الأعراف 32) وقال عليه الصلاة والسلام: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" رواه الترمذي. وقال: "إذا آتاك الله مالا، فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته". رواه الحاكم عن والد أبي الأحوص. فإذا كان للفرد مال، وبخل به على نفسه، فإنه يكون آثما عند الله تعالى. أما إذا بخل به على من تجب عليه نفقتهم، فإنه فوق إثمه على ذلك عند الله تعالى، لا بد من إجباره من قبل الدولة، على الإنفاق على أهله ممن تجب عليه نفقتهم، وأن يضمن أن يكون هذا الإنفاق عن سعة حتى يتوفر لهم المستوى الطيب من العيش قال الله تعالى: (لينفق ذو سعة من سعته). وقال: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن). وإذا بخل على من تجب عليه نفقتهم، كان لمن لهم النفقة أن يأخذوا من المال قدر كفايتهم بالمعروف.


روى البخاري وأحمد عن عائشة أن هند بنت عتبة قالت: "يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" فجعل لها الحق في أن تأخذ ذلك بنفسها من غير علمه إن لم يعطها، لأنها فرض عليه. وعلى القاضي أن يفرض لها هذه النفقة. وكما يجب على من تجب عليه النفقة أداؤها، كذلك يجب على من يأخذ النفقة إنفاقها فيما فرضت له. فإذا فرضت نفقة إلى الأولاد، وأمر بدفعها إلى من يحضنهم من أم، أو جدة، أو غيرهما، فإنه يجب عليها إنفاقها. فلو لم تنفقها يجبرها القاضي على إنفاقها".


وقبل أن نودعكم أحبتنا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم: تدخل الإسلام في تصرف الإنسان بإنفاقه على نفسه، وعلى من تجب عليه نفقته, ورسم لها سبيلا سويا: فمنع الفرد من الإسراف والترف والتقتير على النفس.


1) منع الإسراف في الإنفاق، واعتبره سفها.
2) منع الترف واعتبره إثما، وأوعد المترفين بالعذاب.
3) منع التقتير على النفس، وأحل التمتع بالطيبات من الرزق، وأخذ الزينة اللائقة.


أولا: الإسراف: وقد سبق الحديث عنه.
ثانيا: الترف: وهذا موضوع حديثنا في هذه الحلقة.


1. المعنى الشرعي للترف في القرآن الكريم:


1) قال تعالى: (إنهم كانوا قبل ذلك مترفين). أي كانوا بطرين يفعلون ما يشاؤون.
2) وقال تعالى: (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب). أي جبابرتهم البطرين.
3) وقال تعالى: (إلا قال مترفوها). أي إلا قال المتكبرون على المؤمنين بكثرة الأموال والأولاد.
4) وقال تعالى: (واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه). والمراد هنا هو الانصراف إلى شهواتهم.
5) وقال تعالى: (أمرنا مترفيها ففسقوا فيها). أي جبابرتها المتنعمين.
6) وقال تعالى: (وأترفناهم في الحياة الدنيا). أي جعلناهم بطرين يصرون على البغي.


2. الترف في اللغة: البطر والغطرسة من التنعم، يقال ترفه وأترفه المال أي أبطره، أفسده. أترف الرجل أصر على البغي، استترف: بغى، تغطرس.
3. الترف الذي ذمه القرآن، وحرمه الله، وجعله إثما، هو الترف الذي ورد معناه في اللغة وهو البطر من التنعم. والغطرسة من التنعم، وليس هو التنعم فقط.


4. من الخطأ أن يفسر الترف بأنه هو التمتع بالمال، والتنعم بما رزق الله؛ لأن هذا التنعم والتمتع بما رزق الله لم يذمه الشرع. بل أباحه ودعا إليه, ودليل ذلك:


1) قال تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق).
2) قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده".
5. يكره الله البطر والغطرسة والبغي والتجبر من التنعم، أي يكره التنعم إذا نتج عنه بطر وغطرسة وبغي وتجبر.
6. منع الإسلام الترف وحرمه أشد التحريم. ولا يعني ذلك أن التنعم حرام، وإنما يعني أن البطر الذي ينجم عن التنعم بالمال حرام.


ثالثا: التقتير على النفس:


1. منع الإسلام الفرد من التقتير على نفسه، ومن حرمانها المتاع المشروع.


2. أحل الإسلام التمتع بالطيبات من الرزق، وأخذ الزينة اللائقة. وأدلة ذلك كالآتي:


1) قال تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك).
2) وقال تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما).
3) وقال تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق).
4) وقال عليه الصلاة والسلام: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده".
5) وقال عليه الصلاة والسلام: "إذا آتاك الله مالا، فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته".


3. إذا كان للفرد مال، وبخل به على نفسه، فإنه يكون آثما عند الله تعالى.


4. إذا بخل بماله على من تجب عليه نفقتهم فإنه يترتب على ذلك أمور منها:


1) إثمه عند الله تعالى.
2) لا بد من إجباره من قبل الدولة، على الإنفاق على أهله ممن تجب عليه نفقتهم.
3) أن يضمن أن يكون هذا الإنفاق عن سعة حتى يتوفر لهم المستوى الطيب من العيش.
4) يحق لمن لهم النفقة أن يأخذوا من المال قدر كفايتهم بالمعروف.
5) على القاضي أن يفرض لهم هذه النفقة.
6) يجب على من تجب عليه النفقة أداؤها. ويجب على من يأخذ النفقة إنفاقها فيما فرضت له.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المزيد من القسم اقتصاد

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 165) النقـود


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 165)
النقـود


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

9966

العملة الذهبية للسلطان عبد الحميد العثماني


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الخامسة والستين بعد المائة, وعنوانها: "النقود". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة السبعين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود. فالثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص. ولا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود. وهذا التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد. وتكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود. والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا، وإنما أطلق للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة. فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما، ويجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر. وهكذا أطلق المبادلة لبني الإنسان بما يريدون من الأشياء. إلا أن مبادلة السلعة بوحدة معينة من النقد، قد أرشد الإسلام إلى هذه الوحدة النقدية، وعينها للمسلمين في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة. فهو لم يترك للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء، وإنما عين هذه الوحدات النقدية، التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة. ويفهم هذا التعيين من عدة أمور:


أحدها: أن الإسلام حين نهى عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول. فالقمح مال، والتمر مال، والنقد مال. والكنز إنما يظهر في النقد، لا في السلع والجهود. والمراد من الآية النهي عن كنز النقد، لأنه هو أداة التبادل العامة، ولأن كنزه هو الذي يظهر فيه أثر النهي. أما غير النقد فإن جمعه لا يسمى كنزا، وإنما يسمى احتكارا. ولهذا كانت الآية التي نهت عن كنز الذهب والفضة، إنما نهت عن كنز النقد. وقد عينت الآية النقد الذي نهى الله عن كنزه، وهو الذهب والفضة. قال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). (التوبة 34) فالنهي منصب على أداة التبادل النقدية. وعلى هذا فإن كنز الذهب والفضة عينا حرام، سواء أكان مضروبا أم غير مضروب.


ثانيها: ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب. قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل ... وعلى أهل الذهب ألف دينار" رواه النسائي عن عمرو بن حزم. وقال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا". رواه البخاري من طريق عائشة. فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار، والدرهم، والمثقال يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. فكون الإسلام ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصا، حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد، دليل على أن النقد إنما هو الذهب والفضة فحسب.


ثالثها: لقد عين الرسول صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس، والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها. وكانت تقع بالذهب والفضة بوصفهما نقدا جميع البيوع والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة بميزان معين، هو ميزان أهل مكة. روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الوزن وزن أهل مكة". ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


رابعها: أن الله سبحانه حين أوجب زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.


خامسها: أن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت نصا على الذهب والفضة. والصرف هو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة، أو بيع عملة بعملة أخرى".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


تعريف النقود:


النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود.


بالنقد يقدر ثمن الشيء وأجر الجهد:
1. الثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص.
2. لا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود.
3. التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد.
4. تكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود.


أطلق الإسلام للإنسان إجراء المبادلة بأي شيء:
1. حين قرر الإسلام أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا.
2. أطلق الإسلام للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة.


من الأمثلة على المبادلة:
1. يجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن.
2. يجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما.
3. يجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر.


الوحدة النقدية للمبادلة في الإسلام:
1. أرشد الإسلام إلى الوحدة النقدية وعينها في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة.
2. لم يترك الإسلام للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء.
3. عين الإسلام الوحدات النقدية التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة.


تعيين الإسلام للوحدات النقدية: يفهم هذا التعيين من عدة أمور:
1. حين نهى الإسلام عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول.
2. ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب.
3. عين النبي عليه الصلاة والسلام الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات.
4. حين أوجب الله سبحانه زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.
5. أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام جاءت نصا على الذهب والفضة.


الموازين النقدية في الإسلام:
1. جعل المقياس للنقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار.
2. كانت هذه المقاييس معروفة مشهورة زمن النبي يتعامل بها الناس والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها.
3. كانت بهذه الموازين تقع جميع البيوع والأنكحة بالذهب والفضة بوصفهما نقدا.
4. حدد النبي عليه الصلاة والسلام ميزان الذهب والفضة بميزان أهل مكة. فقال: "الوزن وزن أهل مكة".
5. من مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 164) معاملات الصرف (ج2)


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 164)
معاملات الصرف (ج2)


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي ومع الحلقة الرابعة والستين بعد المائة, وعنوانها: "معاملات الصرف". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثامنة والستين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

6325632

عملة السلطان العثماني عبد الحميد

يقول رحمه الله: "وإذا اشترى رجل من رجل دينارا صحيحا بدينارين مغشوشين لا يجوز. ولكن لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من نفس الذي باعه، أم من غيره. لما روى أبو سعيد قال: "جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع، لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر، فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به" رواه مسلم. وروى أيضا أبو سعيد وأبو هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" متفق عليه. ولم يأمره أن يبيعه لغير الذي يشتري منه، ولو كان البيع لمن اشترى منه محرما لبينه وعرفه إياه. ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز، كما لو باعه من غيره. وبيع الذهب بالفضة، ثم شراء الفضة كذلك. أما إن واطأ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، لأن الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين. وهي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك، لأن الوسيلة إلى الحرام محرمة، ولأن الرسول قال: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه أحمد عن عبادة بن الصامت، وروى أحمد عن أبي مالك الأشجعي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها". وعلى هذا فالصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع، وهو يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد. ولبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


أمثلة توضيحية على الصرف الجائز وغير الجائز:
1. إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر في ذمة الأول فضة، فاصطرفا بما في ذمتهما، بأن قضاه ما في ذمته من الذهب بما له عنده دينا من الفضة، جاز هذا الصرف، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
2. إذا اشترى رجل بضاعة بذهب، وقبض البائع ثمنها فضة جاز، لأنه يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفا بعين وذمة.
3. لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من الذي باعه نفسه، أم من غيره.


الحيل كلها محرمة وغير جائزة:
الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين.
1. تعريف الحيل: الحيل هي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك.
2. من القواعد الشرعية قاعدة تنص على أن: "الوسيلة إلى الحرام محرمة"؛ لقول النبي: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". ولقوله: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".


خلاصة البحث في معاملات الصرف:
1. الصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع.
2. الصرف يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية.
3. كما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد.
4. لبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.