إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 156) معاجة الإسلام لمسألة كنز النقود
إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 156) معاجة الإسلام لمسألة كنز النقود

  الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد. ...

0:00 0:00
السرعة:
August 29, 2020

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 156) معاجة الإسلام لمسألة كنز النقود

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي

(ح 156)

معاجة الإسلام لمسألة كنز النقود

الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

أيها المؤمنون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة السادسة والخمسين بعد المائة, وعنوانها: "معالجة الإسلام لمسألة كنز النقود" نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثانية والخمسين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

يقول رحمه الله: "فالنقود هي أداة التبادل، بين مال ومال، وبين مال وجهد، وبين جهد وجهد، فهي المقياس لهذا التبادل، فإذا اختفت من السوق، ولم تصل إليها أيدي الناس، عدم هذا التبادل، ووقف دولاب الاقتصاد. وبقدر وجود هذه الأداة متوفرة بين أيدي الناس، بقدر ما يدفع سير العمل إلى الأمام. وذلك أنه ما من دخل لشخص، أو هيئة، إلا ومصدره شخص آخر، أو هيئة أخرى. فالأموال التي تجبيها الدولة من الضرائب هي دخل للدولة، ولكنها إنفاق من الناس. والنفقات التي تنفقها الدولة على الموظفين، والمشاريع، وأرزاق الجند، وغيرها، هي دخل لهؤلاء، وإنفاق من الدولة. والنفقات التي ينفقها الموظف، والجندي، وغيرهما، هي دخل لمن تشترى السلع منهم، كصاحب المنزل، واللحام، والخضري، والتاجر، وغيرهم وهكذا... فتكون دخول الناس في المجتمع، ونفقاتهم الإجمالية، تسير في شكل دائرة مستمرة، فإذا كنز شخص النقد فإنه يكون قد سحب من السوق نقدا، وهذا بالطبع لا ينتج إلا من تقليل إنفاقه، فيؤدي حتما إلى تقليل ما يدخل للآخرين الذين يعطيهم، أو يتبادل معهم ما كنزه من النقد. وهذا يؤدي إلى تقليل إنتاجهم؛ لأن الطلب على السلع قد قل، وهذا يؤدي إلى البطالة، وإلى هبوط الاقتصاد في جملته. ومن هنا كان كنز النقد مؤديا حتما إلى وجود البطالة، وهبوط الاقتصاد من قلة ما يدخل للناس. إلا أن الذي يجب أن يعلم أن هذا الضرر إنما يأتي من كنز النقد، لا من ادخاره، فالادخار لا يوقف دولاب العمل، وإنما الذي يوقفه هو الكنز. والفرق بين الكنز والادخار، هو أن الكنز عبارة عن جمع النقد بعضه فوق بعض لغير حاجة، فهو حبس النقد عن السوق. وأما الادخار فهو خزن النقد لحاجة من الحاجات، كأن يجمع النقد ليبني بيتا، أو ليتزوج، أو ليشتري مصنعا، أو ليفتح تجارة، أو غير ذلك. فهذا النوع من جمع النقد لا يؤثر في السوق، ولا في دولاب العمل؛ لأنه ليس حبسا للمال، وإنما هو تجميع له لإنفاقه، فهو سيدور حين يوضع موضع الإنفاق. ولذلك لا يوجد خطر من الادخار، والخطر إنما هو من كنز النقد، أي من جمع بعضه فوق بعض لغير حاجة. وقد أباح الإسلام ادخار الذهب والفضة؛ لأنه جمع للنقد لحاجة، فأباح للمكاتب أن يشتغل ويجمع النقد بعضه فوق بعض؛ ليؤدي ما وجب عليه لسيده ليعتق، وأباح للرجل جمع النقد بعضه فوق بعض؛ ليجمع مهر امرأة ليتزوجها، وأباح جمع النقد بعضه فوق بعض، حتى يقوم بأداء فريضة الحج، ولم يجعل في هذا النقد المجموع من الذهب والفضة سوى الزكاة عليه إذا بلغ مقداره النصاب، وحال عليه الحول. والذهب والفضة، حين نزلت الآية في منع كنزهما، كانت ذاتهما أداة للتبادل، ومقياسا للجهد في العمل، والمنفعة في المال، سواء أكانت مسكوكة، كالدراهم والدنانير، أم لم تكن مسكوكة، كالسبائك. وعليه، فالنهي منصب على الذهب والفضة بوصفهما أداة للتبادل".

وقبل أن نودعكم أحبتنا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:

نظام الاقتصاد في الإسلام يعالج كنز النقود:

1. النقود هي أداة التبادل، بين مال ومال، وبين مال وجهد، وبين جهد وجهد.

2. النقود هي المقياس لهذا التبادل.

3. إذا اختفت النقود من السوق، ولم تصل إليها أيدي الناس، عدم هذا التبادل، ووقف دولاب الاقتصاد.

4. بقدر وجود هذه الأداة متوفرة بين أيدي الناس، بقدر ما يدفع سير العمل إلى الأمام.

كنز المال سحب للنقد من السوق:

1. دخل الشخص أو الهيئة مصدره شخص آخر أو هيئة أخرى.

2. الأموال التي تجبيها الدولة من الضرائب هي دخل للدولة.

3. النفقات التي تنفقها الدولة على الموظفين والمشاريع وأرزاق الجند وغيرها هي دخل لهؤلاء.

4. النفقات التي ينفقها الموظف والجندي وغيرهما هي دخل لمن تشترى السلع منهم.

5. إذا كنز شخص النقد فإنه يكون قد سحب هذا النقد من السوق.

كنز المال يؤدي حتما إلى البطالة وهبوط الاقتصاد:

1. كنز المال يؤدي حتما إلى تقليل ما يدخل للآخرين الذين يعطيهم، أو يتبادل معهم.

2. كنز المال يؤدي إلى تقليل الإنتاج؛ لأن الطلب على السلع قد قل.

3. تقليل الطلب على السلع يؤدي إلى البطالة، وإلى هبوط الاقتصاد في جملته.

4. كنز النقد يؤدي حتما إلى وجود البطالة.

5. قلة ما يدخل للناس يؤدي إلى هبوط الاقتصاد.

الفرق بين كنز المال وادخاره:

1. الكنز: جمع النقد بعضه فوق بعض لغير حاجة، فهو حبس النقد عن السوق.

2. الادخار: خزن النقد لحاجة من الحاجات، كأن يجمع النقد ليبني بيتا، أو ليتزوج.

3. الادخار لا يوقف دولاب العمل، وإنما الذي يوقفه هو الكنز.

4. الضرر إنما يأتي من كنز النقد، لا من ادخاره.

5. ادخار المال لا يؤثر في السوق، ولا في دولاب العمل؛ لأنه ليس حبسا للمال، وإنما هو تجميع له لإنفاقه، فهو سيدور حين يوضع موضع الإنفاق.

6. لا يوجد خطر من الادخار والخطر هو من كنز النقد أي من جمع بعضه فوق بعض لغير حاجة.

مشروعية الادخار:

وقد أباح الإسلام ادخار الذهب والفضة؛ لأنه جمع للنقد لحاجة.

1. أباح للمكاتب أن يشتغل ويجمع النقد بعضه فوق بعض؛ ليؤدي ما وجب عليه لسيده ليعتق.

2. أباح للرجل جمع النقد بعضه فوق بعض؛ ليجمع مهر امرأة ليتزوجها.

3. أباح جمع النقد بعضه فوق بعض، حتى يقوم بأداء فريضة الحج.

4. لم يجعل في هذا النقد المجموع من الذهب والفضة سوى الزكاة عليه إذا بلغ مقداره النصاب، وحال عليه الحول.

النهي عن كنز الذهب والفضة بوصفهما أداة للتبادل:

1. حين نزلت الآية في منع كنز الذهب والفضة كانت ذاتهما أداة للتبادل ومقياسا للجهد.

2. النهي عن كنز الذهب والفضة سواء أكانت مسكوكة كالدراهم والدنانير أم لم تكن كالسبائك.

3. النهي منصب على الذهب والفضة بوصفهما أداة للتبادل.

أيها المؤمنون:

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المزيد من القسم اقتصاد

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 165) النقـود


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 165)
النقـود


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

9966

العملة الذهبية للسلطان عبد الحميد العثماني


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الخامسة والستين بعد المائة, وعنوانها: "النقود". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة السبعين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود. فالثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص. ولا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود. وهذا التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد. وتكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود. والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا، وإنما أطلق للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة. فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما، ويجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر. وهكذا أطلق المبادلة لبني الإنسان بما يريدون من الأشياء. إلا أن مبادلة السلعة بوحدة معينة من النقد، قد أرشد الإسلام إلى هذه الوحدة النقدية، وعينها للمسلمين في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة. فهو لم يترك للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء، وإنما عين هذه الوحدات النقدية، التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة. ويفهم هذا التعيين من عدة أمور:


أحدها: أن الإسلام حين نهى عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول. فالقمح مال، والتمر مال، والنقد مال. والكنز إنما يظهر في النقد، لا في السلع والجهود. والمراد من الآية النهي عن كنز النقد، لأنه هو أداة التبادل العامة، ولأن كنزه هو الذي يظهر فيه أثر النهي. أما غير النقد فإن جمعه لا يسمى كنزا، وإنما يسمى احتكارا. ولهذا كانت الآية التي نهت عن كنز الذهب والفضة، إنما نهت عن كنز النقد. وقد عينت الآية النقد الذي نهى الله عن كنزه، وهو الذهب والفضة. قال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). (التوبة 34) فالنهي منصب على أداة التبادل النقدية. وعلى هذا فإن كنز الذهب والفضة عينا حرام، سواء أكان مضروبا أم غير مضروب.


ثانيها: ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب. قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل ... وعلى أهل الذهب ألف دينار" رواه النسائي عن عمرو بن حزم. وقال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا". رواه البخاري من طريق عائشة. فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار، والدرهم، والمثقال يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. فكون الإسلام ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصا، حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد، دليل على أن النقد إنما هو الذهب والفضة فحسب.


ثالثها: لقد عين الرسول صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس، والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها. وكانت تقع بالذهب والفضة بوصفهما نقدا جميع البيوع والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة بميزان معين، هو ميزان أهل مكة. روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الوزن وزن أهل مكة". ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


رابعها: أن الله سبحانه حين أوجب زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.


خامسها: أن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت نصا على الذهب والفضة. والصرف هو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة، أو بيع عملة بعملة أخرى".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


تعريف النقود:


النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود.


بالنقد يقدر ثمن الشيء وأجر الجهد:
1. الثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص.
2. لا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود.
3. التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد.
4. تكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود.


أطلق الإسلام للإنسان إجراء المبادلة بأي شيء:
1. حين قرر الإسلام أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا.
2. أطلق الإسلام للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة.


من الأمثلة على المبادلة:
1. يجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن.
2. يجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما.
3. يجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر.


الوحدة النقدية للمبادلة في الإسلام:
1. أرشد الإسلام إلى الوحدة النقدية وعينها في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة.
2. لم يترك الإسلام للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء.
3. عين الإسلام الوحدات النقدية التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة.


تعيين الإسلام للوحدات النقدية: يفهم هذا التعيين من عدة أمور:
1. حين نهى الإسلام عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول.
2. ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب.
3. عين النبي عليه الصلاة والسلام الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات.
4. حين أوجب الله سبحانه زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.
5. أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام جاءت نصا على الذهب والفضة.


الموازين النقدية في الإسلام:
1. جعل المقياس للنقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار.
2. كانت هذه المقاييس معروفة مشهورة زمن النبي يتعامل بها الناس والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها.
3. كانت بهذه الموازين تقع جميع البيوع والأنكحة بالذهب والفضة بوصفهما نقدا.
4. حدد النبي عليه الصلاة والسلام ميزان الذهب والفضة بميزان أهل مكة. فقال: "الوزن وزن أهل مكة".
5. من مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 164) معاملات الصرف (ج2)


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 164)
معاملات الصرف (ج2)


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي ومع الحلقة الرابعة والستين بعد المائة, وعنوانها: "معاملات الصرف". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثامنة والستين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

6325632

عملة السلطان العثماني عبد الحميد

يقول رحمه الله: "وإذا اشترى رجل من رجل دينارا صحيحا بدينارين مغشوشين لا يجوز. ولكن لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من نفس الذي باعه، أم من غيره. لما روى أبو سعيد قال: "جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع، لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر، فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به" رواه مسلم. وروى أيضا أبو سعيد وأبو هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" متفق عليه. ولم يأمره أن يبيعه لغير الذي يشتري منه، ولو كان البيع لمن اشترى منه محرما لبينه وعرفه إياه. ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز، كما لو باعه من غيره. وبيع الذهب بالفضة، ثم شراء الفضة كذلك. أما إن واطأ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، لأن الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين. وهي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك، لأن الوسيلة إلى الحرام محرمة، ولأن الرسول قال: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه أحمد عن عبادة بن الصامت، وروى أحمد عن أبي مالك الأشجعي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها". وعلى هذا فالصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع، وهو يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد. ولبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


أمثلة توضيحية على الصرف الجائز وغير الجائز:
1. إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر في ذمة الأول فضة، فاصطرفا بما في ذمتهما، بأن قضاه ما في ذمته من الذهب بما له عنده دينا من الفضة، جاز هذا الصرف، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
2. إذا اشترى رجل بضاعة بذهب، وقبض البائع ثمنها فضة جاز، لأنه يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفا بعين وذمة.
3. لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من الذي باعه نفسه، أم من غيره.


الحيل كلها محرمة وغير جائزة:
الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين.
1. تعريف الحيل: الحيل هي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك.
2. من القواعد الشرعية قاعدة تنص على أن: "الوسيلة إلى الحرام محرمة"؛ لقول النبي: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". ولقوله: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".


خلاصة البحث في معاملات الصرف:
1. الصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع.
2. الصرف يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية.
3. كما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد.
4. لبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.