إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 174) سعر الصرف بين الدول التي تتبع النظام الورقي الإلزامي
November 12, 2015

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 174) سعر الصرف بين الدول التي تتبع النظام الورقي الإلزامي

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 174) سعر الصرف بين الدول التي تتبع النظام الورقي الإلزامي

الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد، وحذرهم سبل الفساد، والصلاة والسلام على خير هاد، المبعوث رحمة للعباد، الذي جاهد في الله حق الجهاد، وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد، الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد، فاجعلنا اللهم معهم، واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد، يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي، ومع الحلقة الرابعة والسبعين بعد المائة، وعنوانها: "سعر الصرف بين الدول التي تتبع النظام الورقي الإلزامي". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة التسعين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "وأما إذا اتبعت عدة دول النظام الورقي الإلزامي، فإنه ينشأ عندئذ موضوع تحديد سعر الصرف بينها. فإنه عند امتناع تحويل العملة إلى ذهب بسعر محدود، فإن المشكلة التي تواجه الدول حينئذ، هي كيف يتحدد سعر الصرف بين هذه الدول التي تتبع النظام الورقي الإلزامي؟ وحل هذه المشكلة، هو أن العملات الورقية المختلفة، هي سلع مختلفة يتداولها الناس في السوق النقدي العالمي، ويشترونها لا لذاتها، وإنما لقدرتها على شراء سلع أخرى في مواطنها الأصلية؛ لذلك فإن نسبة الاستبدال بين عملتين ورقيتين، أو سعر الصرف بينهما، يتحدد تبعا للقوة الشرائية لكل منهما في موطنها الخاص. وعلى هذا، فسعر الصرف هو نسبة الاستبدال بين عملتين. فلو كانت مصر وإيطاليا تتبعان النظام الورقي، وكانت الليرة الإيطالية تشتري بها في إيطاليا عشر وحدات من السلع، وكان الجنيه المصري تشتري به في مصر مائة وحدة من السلع، لكانت نسبة الاستبدال بينهما هي جنيه مصري واحد لكل عشر ليرات إيطالية.


إلا أن سعر الصرف هذا يمكن أن يتغير؛ لأن العملات الورقية هي عبارة عن سلع مختلفة، يتبادل الناس بها في السوق النقدي العالمي، ويشترونها، لا لذاتها، وإنما لقدرتها على شراء سلع وجهود من البلدان التي أصدرتها، فترتفع قيمتها بانخفاض أسعار السلع في مواطنها الأصلية، وتنخفض بارتفاع أسعار تلك السلع. فمنفعة العملة الأجنبية عندنا تتوقف على قوتها الشرائية. فإن زادت هذه القوة زادت منفعتها لدينا، وازداد استعدادنا لدفع كمية أكبر من عملتنا، للحصول على كمية تقابلها من العملة الأجنبية. وإن قلت هذه القوة قلت منفعة تلك العملة لدينا، وقل استعدادنا لدفع كمية كبيرة من عملتنا، للحصول على كمية من العملة الأجنبية؛ لأن تلك العملة الأجنبية صرت لا تستطيع أن تشتري بها، في مواطنها الأصلية، بالقدر الذي كنت تشتريه بها، في حين أن عملتنا لا تزال محافظة على قيمتها. فلو فرضنا أن مستوى الأسعار بين مصر وإنجلترا في سنة معينة كان مائة في البلدين، وكان سعر الصرف بينهما هو جنيه مصري لكل جنيه إنجليزي، فإن سعر الصرف يكون متعادلا، ويكون القصد من الصرف هو الحصول على سد الحاجة من البضائع الإنجليزية، ولذلك لا يحصل إقبال، ولا إعراض، على الجنيه الإنجليزي في بلادنا. ولكن لو ارتفع مستوى الأسعار عندنا إلى مائتين، وبقي مستوى الأسعار في إنجلترا مائة، فإن الجنيه الإنجليزي في بلادنا تتضاعف قيمته، فيصبح سعر الصرف هو جنيه مصري لنصف جنيه إنجليزي، فيحصل الإقبال على الجنيه الإنجليزي لانخفاض الأسعار في إنجلترا، ويقل الإقبال على الجنيه المصري لارتفاع الأسعار في مصر. ويترتب على ذلك أن طلب الإنجليز للجنيهات المصرية سيقل، وبالتالي سيقل إقبالهم على السلع المصرية. وسيفضلون عليها حتما سلعهم الحالية؛ لأن أسعار السلع المصرية قد ارتفعت إلى الضعف، بينما أسعار السلع المنتجة عندهم قد ظلت كما هي. وهكذا يتغير سعر الصرف تبعا لتغير أسعار السلع في البلد التي أصدرت العملة. ولو ارتفع مستوى الأسعار في بلد ما عنه في بلد آخر، بسبب زيادة النقود مثلا، فإن سعر الصرف لا بد من أن يتغير بينهما، فتنخفض القيمة الخارجية لعملة الدولة التي ارتفعت الأسعار فيها. إن أسعار الصرف، بين عملة دولة ما والعملات الأجنبية، تتمشى مع العلاقة، بين أسعار الصرف للعملات الأجنبية فيما بينها، بمعنى أنه لو كان الدينار العراقي يعادل (100) ريال إيراني، أو (200) ليرة إيطالية، أو (400) فرنك فرنسي، فإن أسعار الصرف، بين العملات الأجنبية هذه، تكون في إيران هي: ريال واحد إيراني = ليرتين إيطاليتين، أو 4 فرنكات فرنسية. وفي إيطاليا، ليرة إيطالية واحدة = فرنكين فرنسيين، أو نصف ريال إيراني وهكذا. وهذا هو ما يحدث فعلا، لو كانت كل دولة تترك القيمة الخارجية لعملتها، تتغير تبعا لتغير مستوى الأسعار فيها، ولا تفرض القيود الثقيلة على حركة التجارة الدولية، وعلى تحويل النقد الأجنبي إلى نقد محلي، أو النقد المحلي إلى نقد أجنبي".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


مشكلة تحديد سعر الصرف:


1.    إذا اتبعت الدول النظام الورقي الإلزامي، فإنه ينشأ موضوع تحديد سعر الصرف بينها.
2.    عند امتناع تحويل العملة إلى ذهب بسعر محدود، فإن المشكلة التي تواجه الدول هي كيفية تحديد سعر الصرف بين هذه الدول التي تتبع النظام الورقي الإلزامي.


حل مشكلة تحديد الصرف:


حل المشكلة، هو أن نسبة الاستبدال بين عملتين ورقيتين، أو سعر الصرف بينهما، يتحدد تبعا للقوة الشرائية لكل منهما في موطنها الخاص.


تعريف سعر الصرف: هو نسبة الاستبدال بين عملتين.


مثال يوضح سعر الصرف:


لو كانت مصر وإيطاليا تتبعان النظام الورقي، وكانت الليرة الإيطالية تشتري بها في إيطاليا عشر وحدات من السلع، وكان الجنيه المصري تشتري به في مصر مائة وحدة من السلع، لكانت نسبة الاستبدال بينهما هي جنيه مصري واحد لكل عشر ليرات إيطالية.


سبب تغير سعر الصرف:


سعر الصرف يمكن أن يتغير؛ لأن العملات الورقية ترتفع قيمتها بانخفاض أسعار السلع في مواطنها الأصلية، وتنخفض بارتفاع أسعار تلك السلع.


منفعة العملة تتوقف على قوتها الشرائية:


1.    إن زادت القوة الشرائية زادت منفعتها وازداد استعدادنا لدفع كمية أكبر من عملتنا، للحصول على كمية تقابلها من العملة الأجنبية.
2.    إن قلت القوة الشرائية قلت منفعة تلك العملة لدينا، وقل استعدادنا لدفع كمية كبيرة من عملتنا، للحصول على كمية من العملة الأجنبية.


مثال يوضح تغير سعر الصرف بتغير القوة الشرائية:


1.    يتغير سعر الصرف تبعا لتغير أسعار السلع في البلد التي أصدرت العملة.
2.    لو فرضنا أن سعر الصرف بين مصر وإنجلترا هو جنيه مصري لكل جنيه إنجليزي، فإن سعر الصرف يكون متعادلا.
3.    يكون القصد من الصرف هو الحصول على سد الحاجة من البضائع الإنجليزية، ولذلك لا يحصل إقبال، ولا إعراض، على الجنيه الإنجليزي في بلادنا.
4.    لو ارتفع سعر الصرف فأصبح جنيها مصريا لكل نصف جنيه إنجليزي، فيحصل الإقبال على الجنيه الإنجليزي لانخفاض الأسعار في إنجلترا، ويقل الإقبال على الجنيه المصري لارتفاع الأسعار في مصر.
5.    يترتب على ارتفاع سعر الصرف للجنيه المصري أمران:
1)    سيقل طلب الإنجليز للجنيهات المصرية وبالتالي سيقل إقبالهم على السلع المصرية.
2)    سيفضل الإنجليز سلعهم الحالية على السلع المصرية حتما؛ لأن أسعار السلع المصرية قد ارتفعت إلى الضعف، بينما أسعار السلع المنتجة عندهم قد ظلت كما هي. 


خلاصة البحث في سعر الصرف بين الدول التي تتبع النظام الورقي الإلزامي:


1.    لو ارتفع مستوى الأسعار في بلد ما عنه في بلد آخر، بسبب زيادة النقود، فإن سعر الصرف لا بد من أن يتغير بينهما، فتنخفض القيمة الخارجية لعملة الدولة التي ارتفعت الأسعار فيها.
2.    إن أسعار الصرف، بين عملة دولة ما والعملات الأجنبية، تتمشى مع العلاقة، بين أسعار الصرف للعملات الأجنبية فيما بينها.
3.    لذلك لا تترك الدول القيمة الخارجية لعملتها، تتغير تبعا لتغير مستوى الأسعار فيها، بل تفرض القيود الثقيلة على حركة التجارة الدولية، وعلى تحويل النقد الأجنبي إلى نقد محلي، أو النقد المحلي إلى نقد أجنبي.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام، وأن يعز الإسلام بنا، وأن يكرمنا بنصره، وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل، وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها، إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المزيد من القسم اقتصاد

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 165) النقـود


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 165)
النقـود


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

9966

العملة الذهبية للسلطان عبد الحميد العثماني


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الخامسة والستين بعد المائة, وعنوانها: "النقود". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة السبعين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود. فالثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص. ولا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود. وهذا التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد. وتكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود. والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا، وإنما أطلق للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة. فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما، ويجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر. وهكذا أطلق المبادلة لبني الإنسان بما يريدون من الأشياء. إلا أن مبادلة السلعة بوحدة معينة من النقد، قد أرشد الإسلام إلى هذه الوحدة النقدية، وعينها للمسلمين في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة. فهو لم يترك للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء، وإنما عين هذه الوحدات النقدية، التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة. ويفهم هذا التعيين من عدة أمور:


أحدها: أن الإسلام حين نهى عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول. فالقمح مال، والتمر مال، والنقد مال. والكنز إنما يظهر في النقد، لا في السلع والجهود. والمراد من الآية النهي عن كنز النقد، لأنه هو أداة التبادل العامة، ولأن كنزه هو الذي يظهر فيه أثر النهي. أما غير النقد فإن جمعه لا يسمى كنزا، وإنما يسمى احتكارا. ولهذا كانت الآية التي نهت عن كنز الذهب والفضة، إنما نهت عن كنز النقد. وقد عينت الآية النقد الذي نهى الله عن كنزه، وهو الذهب والفضة. قال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). (التوبة 34) فالنهي منصب على أداة التبادل النقدية. وعلى هذا فإن كنز الذهب والفضة عينا حرام، سواء أكان مضروبا أم غير مضروب.


ثانيها: ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب. قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل ... وعلى أهل الذهب ألف دينار" رواه النسائي عن عمرو بن حزم. وقال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا". رواه البخاري من طريق عائشة. فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار، والدرهم، والمثقال يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. فكون الإسلام ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصا، حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد، دليل على أن النقد إنما هو الذهب والفضة فحسب.


ثالثها: لقد عين الرسول صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس، والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها. وكانت تقع بالذهب والفضة بوصفهما نقدا جميع البيوع والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة بميزان معين، هو ميزان أهل مكة. روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الوزن وزن أهل مكة". ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


رابعها: أن الله سبحانه حين أوجب زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.


خامسها: أن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت نصا على الذهب والفضة. والصرف هو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة، أو بيع عملة بعملة أخرى".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


تعريف النقود:


النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود.


بالنقد يقدر ثمن الشيء وأجر الجهد:
1. الثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص.
2. لا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود.
3. التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد.
4. تكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود.


أطلق الإسلام للإنسان إجراء المبادلة بأي شيء:
1. حين قرر الإسلام أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا.
2. أطلق الإسلام للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة.


من الأمثلة على المبادلة:
1. يجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن.
2. يجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما.
3. يجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر.


الوحدة النقدية للمبادلة في الإسلام:
1. أرشد الإسلام إلى الوحدة النقدية وعينها في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة.
2. لم يترك الإسلام للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء.
3. عين الإسلام الوحدات النقدية التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة.


تعيين الإسلام للوحدات النقدية: يفهم هذا التعيين من عدة أمور:
1. حين نهى الإسلام عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول.
2. ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب.
3. عين النبي عليه الصلاة والسلام الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات.
4. حين أوجب الله سبحانه زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.
5. أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام جاءت نصا على الذهب والفضة.


الموازين النقدية في الإسلام:
1. جعل المقياس للنقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار.
2. كانت هذه المقاييس معروفة مشهورة زمن النبي يتعامل بها الناس والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها.
3. كانت بهذه الموازين تقع جميع البيوع والأنكحة بالذهب والفضة بوصفهما نقدا.
4. حدد النبي عليه الصلاة والسلام ميزان الذهب والفضة بميزان أهل مكة. فقال: "الوزن وزن أهل مكة".
5. من مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 164) معاملات الصرف (ج2)


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 164)
معاملات الصرف (ج2)


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي ومع الحلقة الرابعة والستين بعد المائة, وعنوانها: "معاملات الصرف". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثامنة والستين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

6325632

عملة السلطان العثماني عبد الحميد

يقول رحمه الله: "وإذا اشترى رجل من رجل دينارا صحيحا بدينارين مغشوشين لا يجوز. ولكن لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من نفس الذي باعه، أم من غيره. لما روى أبو سعيد قال: "جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع، لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر، فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به" رواه مسلم. وروى أيضا أبو سعيد وأبو هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" متفق عليه. ولم يأمره أن يبيعه لغير الذي يشتري منه، ولو كان البيع لمن اشترى منه محرما لبينه وعرفه إياه. ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز، كما لو باعه من غيره. وبيع الذهب بالفضة، ثم شراء الفضة كذلك. أما إن واطأ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، لأن الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين. وهي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك، لأن الوسيلة إلى الحرام محرمة، ولأن الرسول قال: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه أحمد عن عبادة بن الصامت، وروى أحمد عن أبي مالك الأشجعي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها". وعلى هذا فالصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع، وهو يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد. ولبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


أمثلة توضيحية على الصرف الجائز وغير الجائز:
1. إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر في ذمة الأول فضة، فاصطرفا بما في ذمتهما، بأن قضاه ما في ذمته من الذهب بما له عنده دينا من الفضة، جاز هذا الصرف، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
2. إذا اشترى رجل بضاعة بذهب، وقبض البائع ثمنها فضة جاز، لأنه يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفا بعين وذمة.
3. لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من الذي باعه نفسه، أم من غيره.


الحيل كلها محرمة وغير جائزة:
الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين.
1. تعريف الحيل: الحيل هي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك.
2. من القواعد الشرعية قاعدة تنص على أن: "الوسيلة إلى الحرام محرمة"؛ لقول النبي: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". ولقوله: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".


خلاصة البحث في معاملات الصرف:
1. الصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع.
2. الصرف يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية.
3. كما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد.
4. لبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.