إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 189) سياسة التجارة الخارجية: الاقتصاد القومي
إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 189) سياسة التجارة الخارجية: الاقتصاد القومي

الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد

0:00 0:00
السرعة:
December 12, 2015

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 189) سياسة التجارة الخارجية: الاقتصاد القومي

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 189)

سياسة التجارة الخارجية: الاقتصاد القومي

الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:  


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة التاسعة والثمانين بعد المائة, وعنوانها: "سياسة التجارة الخارجية: الاقتصاد القومي". نتأمل في هذه الحلقة ما جاء في الصفحة الرابعة عشرة بعد الثلاثمائة من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.  


المذهب الثالث: الاقتصاد القومي:


يقول رحمه الله: "إلا أن الاقتصاديين الغربيين اختلفوا في النظرة إلى التجارة الخارجية، وكانت لهم فيها مذاهب مختلفة، منها المذاهب التالية: حرية المبادلة, والحماية التجارية, والاقتصاد القومي, والسياسة الاكتفائية. ونقول راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته: في لقاءين سابقين تحدثنا عن المذهبين الأول والثاني, وهما حرية المبادلة, والحماية التجارية, وحديثنا في هذا اللقاء قبل الأخير عن المذهب الثالث ألا وهو الاقتصاد القومي.


نعود إلى كلام الشيخ تقي الدين, يقول رحمه الله: "ونظرية الاقتصاد القومي مرتبطة بفكرة (الحماية التربوية)، المشتقة من نظرية الصناعات الثقيلة. وأصحاب نظرية الاقتصاد القومي يرون أن النمو الاقتصادي للأمة يجب أن يهدف إلى إعطائها السلطان السياسي، مع السلطان الاقتصادي. ويرون أن نمو أي بلد يمر بمراحل ثلاث: الرعوية الزراعية، ثم الزراعية الصناعية، ثم الزراعية الصناعية التجارية. وأن البلاد لا تكون ذات سلطان حقيقي إلا عندما تملك أسطولا، ومستعمرات، وسكانا ذوي مواهب مختلفة. ولا بد من انسجام القوى المنتجة، والنمو الاقتصادي، كشرط أساسي للسلطان السياسي. ويرون أنه وإن كانت الصلات الاقتصادية الدولية تستفيد من حرية المزاحمة، ولكن يشترط في ذلك أن يبلغ كل من البلدان المتنافسة درجة الكمال في نمو قواه، وتنشيطا لهذا النمو يجب حماية الصناعة. أما الزراعة فلا تحصل لها أية حماية، وإنما يجوز تصدير منتجاتها دون قيد أو شرط، ويترك سعرها حرا بحسب شرائط السوق الحرة. وعلى هذا فإن نظرية الاقتصاد القومي صناعية في جوهرها.

وهي تقول: "إن الأمم التي تطمح إلى أن تكون قوية، يهمها أن تجتاز المرحلة الزراعية إلى الصناعة". فإن في البلد الزراعي يبقى جزء مهم من القوى المنتجة، وهي الأيدي العاملة، وجزء مهم من الموارد الطبيعية، وهو المواد الأولية، يبقى ذلك عاطلا، وغير مستعمل، فيجب إذا في سبيل استثمار هذه القوى، وهذه الموارد، أي الأيدي العاملة، والموارد الأولية، ضم مجال صناعي إلى جانب الزراعة. والبلاد التي تنذر نفسها للزراعة وحدها لا تملك الإمكانيات الاقتصادية ولا مستوى المعيشة التي يملكها البلد الزراعي والصناعي في آن واحد. فالاقتصاد القومي يفرض ضرورة وجود الصناعة مع الزراعة، حتى تقف البلاد على رجليها اقتصاديا. فهو يأخذ الحماية التجارية للصناعة، ويفرض القيود اللازمة على الصادرات والواردات الصناعية وحدها، ويأخذ حرية المبادلة للزراعة، ويجعلها حرة دون أي قيد. وهذه النظرية لا يقول بها الإسلام؛ لأن ترك الحرية للمبادلات الزراعية مع الخارج يعني عدم مراقبة الدولة لتجارة المنتجات الزراعية مع الخارج، وهذا لا يجوز؛ لأن الدولة تتولى تنظيم كل ما يخرج ويدخل للبلاد من مواد زراعية، أو صناعية، وغيرها، فتمنع خروج بعض المواد، وتبيح بعضها، وتتولى مباشرة موضوع التجار الحربيين والمعاهدين، وإن كانت تكتفي بالإشراف على رعاياها. أما تدخل الدولة في الشؤون الصناعية، بحسب مصلحة البلاد، لتنشيط الصناعة، فإنه من هذه الجهة يكون أمرا من أمور رعاية شؤون الأمة، وهو ما يأمر به الإسلام، إلا أن ذلك مقيد بمصلحة الدعوة، مع تنشيط الصناعة، لا لتنشيط الصناعة وحدها. ويتبين من هذا، أن الاقتصاد القومي، وإن كان في جزء من الصناعة، يدخل فيما هو من رعاية شؤون الأمة التي يقول بها الإسلام، ولكنه في هذا يخالف الإسلام، لعدم ربطه بمصلحة الدعوة، والنظرية كلها إجمالا تخالف الإسلام للحرية الزراعية المطلقة. ولهذا لا يأخذ المسلمون بهذه النظرية".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


المذهب الثالث: الاقتصاد القومي:


نظرية الاقتصاد القومي مرتبطة بفكرة (الحماية التربوية) المشتقة من نظرية الصناعات الثقيلة.


النمو الاقتصادي  كما يراه أصحاب نظرية الاقتصاد القومي:


أصحاب نظرية الاقتصاد القومي يرون النمو الاقتصادي للأمة كالآتي:


1.    أن النمو يجب أن يهدف إلى إعطاء الأمة السلطان السياسي، مع السلطان الاقتصادي.
2.    أن نمو أي بلد يمر بمراحل ثلاث:


1)    الرعوية الزراعية.
2)    ثم الزراعية الصناعية.
3)    ثم الزراعية الصناعية التجارية. 


3.    أن البلاد لا تكون ذات سلطان حقيقي إلا عندما تملك أسطولا، ومستعمرات، وسكانا ذوي مواهب مختلفة.
4.    أنه لا بد من انسجام القوى المنتجة والنمو الاقتصادي، كشرط أساسي للسلطان السياسي.
5.    أنه وإن كانت الصلات الاقتصادية الدولية تستفيد من حرية المزاحمة، ولكن يشترط في ذلك أن يبلغ كل من البلدان المتنافسة درجة الكمال في نمو قواه.  نظرية الاقتصاد القومي صناعية في جوهرها:


1.    تنشيطا للنمو الاقتصادي يجب حماية الصناعة.
2.    الزراعة لا تحصل لها أية حماية، وإنما يجوز تصدير منتجاتها دون قيد أو شرط، ويترك سعرها حرا بحسب شرائط السوق الحرة.
3.    نظرية الاقتصاد القومي صناعية في جوهرها.
4.    تقول نظرية الاقتصاد القومي: "إن الأمم التي تطمح إلى أن تكون قوية، يهمها أن تجتاز المرحلة الزراعية إلى الصناعة". 


وجوب ضم مجال صناعي إلى جانب الزراعة:


1.    في البلد الزراعي يبقى جزء مهم من القوى المنتجة عاطلا, وهو الأيدي العاملة.
2.    في البلد الزراعي يبقى جزء مهم من الموارد الطبيعية غير مستعمل, وهو المواد الأولية.
3.    يجب ضم مجال صناعي إلى جانب الزراعة في سبيل استثمار هذه القوى، وهذه الموارد، أي الأيدي العاملة، والموارد الأولية. 


عيوب البلاد التي تهتم بالزراعة وحدها:


البلاد التي تنذر نفسها للزراعة وحدها بها عيبان اثنان:


1.    لا تملك الإمكانيات الاقتصادية.
2.    لا تملك مستوى المعيشة التي يملكها البلد الزراعي والصناعي في آن واحد.


نظرية الاقتصاد القومي: من خصائص الاقتصاد القومي أنه:


1.    يفرض ضرورة وجود الصناعة مع الزراعة، حتى تقف البلاد على رجليها اقتصاديا.
2.    يأخذ الحماية التجارية للصناعة.
3.    يفرض القيود اللازمة على الصادرات والواردات الصناعية وحدها.
4.    يأخذ حرية المبادلة للزراعة، ويجعلها حرة دون أي قيد. 


لا يقول الإسلام بنظرية الاقتصاد القومي:


نظرية الاقتصاد القومي لا يقول بها الإسلام للأسباب الآتية:


1.    لأن ترك الحرية للمبادلات الزراعية مع الخارج يعني عدم مراقبة الدولة لتجارة المنتجات الزراعية مع الخارج.
2.    لأن عدم مراقبة الدولة للتجارة لا يجوز.
3.    لأن الدولة تتولى تنظيم كل ما يخرج ويدخل للبلاد من مواد زراعية، أو صناعية، وغيرها، فتمنع خروج بعض المواد، وتبيح بعضها، وتتولى مباشرة موضوع التجار الحربيين والمعاهدين، وإن كانت تكتفي بالإشراف على رعاياها.
4.    لأن تدخل الدولة في الشؤون الصناعية، بحسب مصلحة البلاد، لتنشيط الصناعة يكون أمرا من أمور رعاية شؤون الأمة، وهو ما يأمر به الإسلام، إلا أن ذلك مقيد بمصلحة الدعوة، مع تنشيط الصناعة، لا لتنشيط الصناعة وحدها. 


خلاصة بحث نظرية الاقتصاد القومي:


1.    يتبين من البحث أن الاقتصاد القومي في جزء من الصناعة، يدخل فيما هو من رعاية شؤون الأمة التي يقول بها الإسلام.
2.    الاقتصاد القومي يخالف الإسلام، لعدم ربطه الاقتصاد بمصلحة الدعوة.
3.    نظرية الاقتصاد القومي كلها إجمالا تخالف الإسلام للحرية الزراعية المطلقة.
4.    لا يأخذ المسلمون بهذه النظرية.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المزيد من القسم اقتصاد

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 165) النقـود


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 165)
النقـود


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

9966

العملة الذهبية للسلطان عبد الحميد العثماني


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الخامسة والستين بعد المائة, وعنوانها: "النقود". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة السبعين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود. فالثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص. ولا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود. وهذا التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد. وتكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود. والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا، وإنما أطلق للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة. فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما، ويجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر. وهكذا أطلق المبادلة لبني الإنسان بما يريدون من الأشياء. إلا أن مبادلة السلعة بوحدة معينة من النقد، قد أرشد الإسلام إلى هذه الوحدة النقدية، وعينها للمسلمين في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة. فهو لم يترك للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء، وإنما عين هذه الوحدات النقدية، التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة. ويفهم هذا التعيين من عدة أمور:


أحدها: أن الإسلام حين نهى عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول. فالقمح مال، والتمر مال، والنقد مال. والكنز إنما يظهر في النقد، لا في السلع والجهود. والمراد من الآية النهي عن كنز النقد، لأنه هو أداة التبادل العامة، ولأن كنزه هو الذي يظهر فيه أثر النهي. أما غير النقد فإن جمعه لا يسمى كنزا، وإنما يسمى احتكارا. ولهذا كانت الآية التي نهت عن كنز الذهب والفضة، إنما نهت عن كنز النقد. وقد عينت الآية النقد الذي نهى الله عن كنزه، وهو الذهب والفضة. قال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). (التوبة 34) فالنهي منصب على أداة التبادل النقدية. وعلى هذا فإن كنز الذهب والفضة عينا حرام، سواء أكان مضروبا أم غير مضروب.


ثانيها: ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب. قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل ... وعلى أهل الذهب ألف دينار" رواه النسائي عن عمرو بن حزم. وقال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا". رواه البخاري من طريق عائشة. فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار، والدرهم، والمثقال يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. فكون الإسلام ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصا، حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد، دليل على أن النقد إنما هو الذهب والفضة فحسب.


ثالثها: لقد عين الرسول صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس، والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها. وكانت تقع بالذهب والفضة بوصفهما نقدا جميع البيوع والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة بميزان معين، هو ميزان أهل مكة. روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الوزن وزن أهل مكة". ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


رابعها: أن الله سبحانه حين أوجب زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.


خامسها: أن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت نصا على الذهب والفضة. والصرف هو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة، أو بيع عملة بعملة أخرى".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


تعريف النقود:


النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود.


بالنقد يقدر ثمن الشيء وأجر الجهد:
1. الثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص.
2. لا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود.
3. التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد.
4. تكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود.


أطلق الإسلام للإنسان إجراء المبادلة بأي شيء:
1. حين قرر الإسلام أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا.
2. أطلق الإسلام للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة.


من الأمثلة على المبادلة:
1. يجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن.
2. يجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما.
3. يجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر.


الوحدة النقدية للمبادلة في الإسلام:
1. أرشد الإسلام إلى الوحدة النقدية وعينها في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة.
2. لم يترك الإسلام للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء.
3. عين الإسلام الوحدات النقدية التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة.


تعيين الإسلام للوحدات النقدية: يفهم هذا التعيين من عدة أمور:
1. حين نهى الإسلام عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول.
2. ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب.
3. عين النبي عليه الصلاة والسلام الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات.
4. حين أوجب الله سبحانه زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.
5. أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام جاءت نصا على الذهب والفضة.


الموازين النقدية في الإسلام:
1. جعل المقياس للنقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار.
2. كانت هذه المقاييس معروفة مشهورة زمن النبي يتعامل بها الناس والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها.
3. كانت بهذه الموازين تقع جميع البيوع والأنكحة بالذهب والفضة بوصفهما نقدا.
4. حدد النبي عليه الصلاة والسلام ميزان الذهب والفضة بميزان أهل مكة. فقال: "الوزن وزن أهل مكة".
5. من مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 164) معاملات الصرف (ج2)


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 164)
معاملات الصرف (ج2)


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي ومع الحلقة الرابعة والستين بعد المائة, وعنوانها: "معاملات الصرف". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثامنة والستين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

6325632

عملة السلطان العثماني عبد الحميد

يقول رحمه الله: "وإذا اشترى رجل من رجل دينارا صحيحا بدينارين مغشوشين لا يجوز. ولكن لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من نفس الذي باعه، أم من غيره. لما روى أبو سعيد قال: "جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع، لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر، فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به" رواه مسلم. وروى أيضا أبو سعيد وأبو هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" متفق عليه. ولم يأمره أن يبيعه لغير الذي يشتري منه، ولو كان البيع لمن اشترى منه محرما لبينه وعرفه إياه. ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز، كما لو باعه من غيره. وبيع الذهب بالفضة، ثم شراء الفضة كذلك. أما إن واطأ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، لأن الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين. وهي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك، لأن الوسيلة إلى الحرام محرمة، ولأن الرسول قال: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه أحمد عن عبادة بن الصامت، وروى أحمد عن أبي مالك الأشجعي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها". وعلى هذا فالصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع، وهو يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد. ولبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


أمثلة توضيحية على الصرف الجائز وغير الجائز:
1. إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر في ذمة الأول فضة، فاصطرفا بما في ذمتهما، بأن قضاه ما في ذمته من الذهب بما له عنده دينا من الفضة، جاز هذا الصرف، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
2. إذا اشترى رجل بضاعة بذهب، وقبض البائع ثمنها فضة جاز، لأنه يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفا بعين وذمة.
3. لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من الذي باعه نفسه، أم من غيره.


الحيل كلها محرمة وغير جائزة:
الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين.
1. تعريف الحيل: الحيل هي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك.
2. من القواعد الشرعية قاعدة تنص على أن: "الوسيلة إلى الحرام محرمة"؛ لقول النبي: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". ولقوله: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".


خلاصة البحث في معاملات الصرف:
1. الصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع.
2. الصرف يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية.
3. كما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد.
4. لبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.