إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 190) سياسة التجارة الخارجية: السياسة الاكتفائية
إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 190) سياسة التجارة الخارجية: السياسة الاكتفائية

الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد,

0:00 0:00
السرعة:
December 14, 2015

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 190) سياسة التجارة الخارجية: السياسة الاكتفائية

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي


(ح 190)


سياسة التجارة الخارجية: السياسة الاكتفائية


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:  


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة التسعين بعد المائة, وعنوانها: "سياسة التجارة الخارجية: السياسة الاكتفائية". نتأمل في هذه الحلقة الأخيرة ما جاء في الصفحة السادسة عشرة بعد الثلاثمائة من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


المذهب الرابع: السياسة الاكتفائية:


يقول رحمه الله: "إلا أن الاقتصاديين الغربيين اختلفوا في النظرة إلى التجارة الخارجية، وكانت لهم فيها مذاهب مختلفة، منها المذاهب التالية: حرية المبادلة, والحماية التجارية, والاقتصاد القومي, والسياسة الاكتفائية. ونقول راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته: في لقاءاتنا الثلاثة السابقة تحدثنا عن المذاهب الثلاثة الأولى, وهي حرية المبادلة, والحماية التجارية, والاقتصاد القومي, وحديثنا في هذا اللقاء الأخير عن المذهب الرابع ألا وهو السياسة الاكتفائية. سائلين المولى تبارك وتعالى أن يتقبل منا هذه السلسلة المباركة بقبول حسن وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم آمين يا رب العالمين. نعود إلى كلام الشيخ تقي الدين, يقول رحمه الله: "يقصد بالسياسة الاكتفائية طموح بلد من البلاد إلى كفاية نفسه بنفسه، وتأليفه وحدة اقتصادية مغلقة تستغني عما سواها، فلا تستورد ولا تصدر. فغايتها تتجاوز سياسة الحماية. وتختلف عن الاقتصاد القومي، وتغاير نظرية حرية المبادلة. والسياسة الاكتفائية التي طبقت بين الحربين الأخيرتين، قد تجلت بشكلين، أحدهما: الاكتفائية الانعزالية، والثانية: الاكتفائية التوسعية. وكانت ألمانيا النازية نموذج البلاد التي أخذت بالسياسة الاكتفائية، وكانت فيها عبارة عن تدبير ألجأتها إليه السياسة الألمانية الداخلية والخارجية، التي لم تعد تتلاءم مع قواعد المبادلة العالمية. والسياسة الاكتفائية وإن كانت عبارة عن تدابير تستهدف أهدافا سياسية، فإن لها في نظرهم أساسا اقتصاديا للنظام، يتلخص في أن البلد الذي يملك مواد أولية، وكيماوية، وآلات، وأيدي عاملة، يجب أن يستطيع العيش. فالمهم بالأمر هو التنظيم، أما رؤوس المال فتأتي في المقام الثاني. فالحكومة التي تأخذ بالسياسة الاكتفائية تكون قد وضعت لنفسها هدفا سياسيا، أخضعت له التنظيم الاقتصادي والمالي. وحتى تصل السياسة الاكتفائية إلى هدفها، وهو جعل الاقتصاد الأهلي قادرا على كفاية نفسه بنفسه، فلا بد من أن تستعد للاستغناء عن كثير من الحاجات؛ لأن السياسة الاكتفائية تجعل البلد عاجزا عن كفاية جميع الحاجات، والمهم هو أن توفر هذه السياسة من الاقتصاد الأهلي الحاجات الأساسية للفرد وللأمة، وللدولة توفيرا يجعلها سائرة في طريق تصاعدي. ومن هنا، يتحتم على الدولة التي تسير حسب السياسة الاكتفائية، في التجارة الخارجية، أن تعمل بطريقة ما إلى ضم البلاد التي تحتاج إليها لحوز المواد الأولية، أو الأسواق، أو الأيدي العاملة، أو الفنيين، وغير ذلك مما تحتاج إليه. وذلك الضم يكون إما بالاندماج وإما بعقد معاهدات تجارية. أما إلغاء الحدود الاقتصادية فإنه يعني ضم البلاد، أي يعني إلغاء الحدود السياسية، إذ لا يمكن إلغاء الحدود الاقتصادية من غير إلغاء الحدود السياسية. وإذا لم تستطع ضم الأقطار التي تحتاجها لحوز المواد الناقصة لديها، فإنها يجب أن تصبر على عدم إشباع بعض حاجاتها، وتسعى لعدم الاحتياج إلى ما يشبع الحاجات الأساسية، إذ فقدان ما يشبع هذه الحاجات الأساسية لا يمكن الصبر عليه، أما فقدان ما يشبع الحاجات غير الأساسية فيمكن الصبر عليه. هذا هو ملخص السياسة الاكتفائية الانعزالية والتوسعية. فالانعزالية هي التي تكون فيها الحاجات الأساسية متوفرة. والتوسعية في مدى معين تكون بالضم، أو بالمعاهدات، من أجل توفير الحاجات اللازمة، سواء أكانت حاجات أساسية أم كمالية. والناظر في السياسة الاكتفائية لا يجدها معالجة تجارية، ولا معالجة اقتصادية، وإنما هي تدبير وقائي مؤقت لما يعترض الدولة من حصار اقتصادي، أو تجاري. فهي ليست معالجة للعلاقات الخارجية، وإنما هي دفاع عن البلاد، حين تغزى من الخارج بالحصار الاقتصادي والتجاري، فهي داخلة في بحث الأساليب، وليست في بحث الأحكام. ولذلك لا يقال: "ما هو الحكم الشرعي في شأنها؟". ولا يقال: "إنها تناقض الإسلام أو تخالفه".

بل هي أسلوب من الأساليب التي تتبع، فتؤخذ هذه السياسة كأسلوب إذا كانت واقعية عملية، أي إذا كان هناك واقع في الحصار، وكان ممكنا الاكتفاء باقتصاديات البلاد، لإشباع الحاجات الأساسية. ولا تؤخذ هذه السياسة إذا كان ليس لها واقع، ولا يمكن الاستغناء عن الحاجات الأساسية للدولة، أو الأمة، أو الأفراد. فهي تدخل في باب رعاية المصالح التي يتولاها الخليفة والتي جعل الشرع له أن يقرر ما يراه مناسبا من الأساليب، وما يرى فيه مصلحة للمسلمين".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


المذهب الرابع: السياسة الاكتفائية:


المقصود بالسياسة الاكتفائية:


يقصد بالسياسة الاكتفائية طموح بلد من البلاد إلى كفاية نفسه بنفسه، وتأليفه وحدة اقتصادية مغلقة تستغني عما سواها، فلا تستورد ولا تصدر.


اختلاف السياسة الاكتفائية عن باقي المذاهب الاقصادية:


1.    غايتها تتجاوز سياسة الحماية.
2.    تختلف عن الاقتصاد القومي.
3.    تغاير نظرية حرية المبادلة.

شكلا السياسة الاكتفائية:


السياسة الاكتفائية التي طبقت بين الحربين الأخيرتين، قد تجلت بشكلين:


1.    السياسة الاكتفائية الانعزالية: هي التي تكون فيها الحاجات الأساسية متوفرة.
2.    السياسة الاكتفائية التوسعية: هي التي في مدى معين تكون بالضم، أو بالمعاهدات، من أجل توفير الحاجات اللازمة،

سواء أكانت حاجات أساسية أم كمالية.ألمانيا النازية نموذج للسياسة الاكتفائية:


كانت ألمانيا النازية نموذج البلاد التي أخذت بالسياسة الاكتفائية، وكانت فيها عبارة عن تدبير ألجأتها إليه السياسة الألمانية الداخلية والخارجية، التي لم تعد تتلاءم مع قواعد المبادلة العالمية.


الأساس الاقتصادي لنظام السياسة الاكتفائية:


1.    السياسة الاكتفائية وإن كانت عبارة عن تدابير تستهدف أهدافا سياسية، فإن لها في نظرهم أساسا اقتصاديا للنظام.
2.    الأساس الاقتصادي لنظام السياسة الاكتفائية يتلخص في أن البلد الذي يملك مواد أولية، وكيماوية، وآلات، وأيدي عاملة، يجب أن يستطيع العيش.
3.    المهم بالأمر هو التنظيم، أما رؤوس المال فتأتي في المقام الثاني.
4.    الحكومة التي تأخذ بالسياسة الاكتفائية تكون قد وضعت لنفسها هدفا سياسيا، أخضعت له التنظيم الاقتصادي والمالي.
5.    حتى تصل السياسة الاكتفائية إلى هدفها، وهو جعل الاقتصاد الأهلي قادرا على كفاية نفسه بنفسه، فلا بد من أن تستعد للاستغناء عن كثير من الحاجات؛ لأن السياسة الاكتفائية تجعل البلد عاجزا عن كفاية جميع الحاجات.
6.    المهم هو أن توفر هذه السياسة من الاقتصاد الأهلي الحاجات الأساسية للفرد وللأمة، وللدولة توفيرا يجعلها سائرة في طريق تصاعدي.
7.    يتحتم على الدولة التي تسير حسب السياسة الاكتفائية، في التجارة الخارجية، أن تعمل بطريقة ما إلى ضم البلاد التي تحتاج إليها لحوز المواد الأولية، أو الأسواق، أو الأيدي العاملة، أو الفنيين، وغير ذلك مما تحتاج إليه.
8.    يكون الضم إما بالاندماج وإما بعقد معاهدات تجارية.  
9.    إلغاء الحدود الاقتصادية يعني ضم البلاد، أي يعني إلغاء الحدود السياسية.
10.    لا يمكن إلغاء الحدود الاقتصادية من غير إلغاء الحدود السياسية.
11.    إذا لم تستطع ضم الأقطار التي تحتاجها لحوز المواد الناقصة لديها، فإنها يجب أن تصبر على عدم إشباع بعض حاجاتها، وتسعى لعدم الاحتياج إلى ما يشبع الحاجات الأساسية.
12.    فقدان ما يشبع هذه الحاجات الأساسية لا يمكن الصبر عليه، أما فقدان ما يشبع الحاجات غير الأساسية فيمكن الصبر عليه. 


خلاصة بحث السياسة الاكتفائية:


1.    السياسة الاكتفائية ليست معالجة تجارية، ولا معالجة اقتصادية.
2.    السياسة الاكتفائية هي تدبير وقائي مؤقت لما يعترض الدولة من حصار اقتصادي، أو تجاري.
3.    السياسة الاكتفائية هي دفاع عن البلاد، حين تغزى من الخارج بالحصار الاقتصادي والتجاري.
4.    السياسة الاكتفائية داخلة في بحث الأساليب، وليست في بحث الأحكام.  
5.    السياسة الاكتفائية أسلوب من الأساليب التي تتبع، فتؤخذ إذا كانت واقعية عملية.
6.    السياسة الاكتفائية لا تؤخذ إذا كان ليس لها واقع.
7.    السياسة الاكتفائية تدخل في باب رعاية المصالح التي يتولاها الخليفة والتي جعل الشرع له أن يقرر ما يراه مناسبا من الأساليب، وما يرى فيه مصلحة للمسلمين. 


أيها المؤمنون:


الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات, والصلاة والسلام على من جاءنا من ربنا بالهدى والآيات البينات. بهذا إخواننا الكرام وأخواتنا الكريمات نكون قد أنهينا معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, آملا أن نكون قد أوصلنا إليكم الفكرة صافية نقية, مبلورة واضحة, فإن تم لنا ذلك فبتوفيق من الله, نسأله جل في علاه, أن يتقبله منا خالصا لوجهه الكريم, بوصفه صدقة جارية وعلما ينتفع به, وأن يجعله في ميزان أعمالنا, وأن ينفعنا ويرفعنا به وإياكم, وإن قصرنا فمنا ومن الشيطان, نسأل الله له العفو والمغفرة. ونسأله سبحانه أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المزيد من القسم اقتصاد

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 165) النقـود


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 165)
النقـود


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

9966

العملة الذهبية للسلطان عبد الحميد العثماني


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الخامسة والستين بعد المائة, وعنوانها: "النقود". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة السبعين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود. فالثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص. ولا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود. وهذا التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد. وتكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود. والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا، وإنما أطلق للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة. فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما، ويجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر. وهكذا أطلق المبادلة لبني الإنسان بما يريدون من الأشياء. إلا أن مبادلة السلعة بوحدة معينة من النقد، قد أرشد الإسلام إلى هذه الوحدة النقدية، وعينها للمسلمين في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة. فهو لم يترك للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء، وإنما عين هذه الوحدات النقدية، التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة. ويفهم هذا التعيين من عدة أمور:


أحدها: أن الإسلام حين نهى عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول. فالقمح مال، والتمر مال، والنقد مال. والكنز إنما يظهر في النقد، لا في السلع والجهود. والمراد من الآية النهي عن كنز النقد، لأنه هو أداة التبادل العامة، ولأن كنزه هو الذي يظهر فيه أثر النهي. أما غير النقد فإن جمعه لا يسمى كنزا، وإنما يسمى احتكارا. ولهذا كانت الآية التي نهت عن كنز الذهب والفضة، إنما نهت عن كنز النقد. وقد عينت الآية النقد الذي نهى الله عن كنزه، وهو الذهب والفضة. قال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). (التوبة 34) فالنهي منصب على أداة التبادل النقدية. وعلى هذا فإن كنز الذهب والفضة عينا حرام، سواء أكان مضروبا أم غير مضروب.


ثانيها: ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب. قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل ... وعلى أهل الذهب ألف دينار" رواه النسائي عن عمرو بن حزم. وقال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا". رواه البخاري من طريق عائشة. فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار، والدرهم، والمثقال يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. فكون الإسلام ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصا، حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد، دليل على أن النقد إنما هو الذهب والفضة فحسب.


ثالثها: لقد عين الرسول صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس، والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها. وكانت تقع بالذهب والفضة بوصفهما نقدا جميع البيوع والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة بميزان معين، هو ميزان أهل مكة. روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الوزن وزن أهل مكة". ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


رابعها: أن الله سبحانه حين أوجب زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.


خامسها: أن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت نصا على الذهب والفضة. والصرف هو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة، أو بيع عملة بعملة أخرى".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


تعريف النقود:


النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود.


بالنقد يقدر ثمن الشيء وأجر الجهد:
1. الثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص.
2. لا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود.
3. التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد.
4. تكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود.


أطلق الإسلام للإنسان إجراء المبادلة بأي شيء:
1. حين قرر الإسلام أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا.
2. أطلق الإسلام للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة.


من الأمثلة على المبادلة:
1. يجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن.
2. يجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما.
3. يجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر.


الوحدة النقدية للمبادلة في الإسلام:
1. أرشد الإسلام إلى الوحدة النقدية وعينها في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة.
2. لم يترك الإسلام للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء.
3. عين الإسلام الوحدات النقدية التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة.


تعيين الإسلام للوحدات النقدية: يفهم هذا التعيين من عدة أمور:
1. حين نهى الإسلام عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول.
2. ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب.
3. عين النبي عليه الصلاة والسلام الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات.
4. حين أوجب الله سبحانه زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.
5. أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام جاءت نصا على الذهب والفضة.


الموازين النقدية في الإسلام:
1. جعل المقياس للنقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار.
2. كانت هذه المقاييس معروفة مشهورة زمن النبي يتعامل بها الناس والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها.
3. كانت بهذه الموازين تقع جميع البيوع والأنكحة بالذهب والفضة بوصفهما نقدا.
4. حدد النبي عليه الصلاة والسلام ميزان الذهب والفضة بميزان أهل مكة. فقال: "الوزن وزن أهل مكة".
5. من مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 164) معاملات الصرف (ج2)


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 164)
معاملات الصرف (ج2)


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي ومع الحلقة الرابعة والستين بعد المائة, وعنوانها: "معاملات الصرف". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثامنة والستين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

6325632

عملة السلطان العثماني عبد الحميد

يقول رحمه الله: "وإذا اشترى رجل من رجل دينارا صحيحا بدينارين مغشوشين لا يجوز. ولكن لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من نفس الذي باعه، أم من غيره. لما روى أبو سعيد قال: "جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع، لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر، فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به" رواه مسلم. وروى أيضا أبو سعيد وأبو هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" متفق عليه. ولم يأمره أن يبيعه لغير الذي يشتري منه، ولو كان البيع لمن اشترى منه محرما لبينه وعرفه إياه. ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز، كما لو باعه من غيره. وبيع الذهب بالفضة، ثم شراء الفضة كذلك. أما إن واطأ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، لأن الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين. وهي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك، لأن الوسيلة إلى الحرام محرمة، ولأن الرسول قال: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه أحمد عن عبادة بن الصامت، وروى أحمد عن أبي مالك الأشجعي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها". وعلى هذا فالصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع، وهو يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد. ولبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


أمثلة توضيحية على الصرف الجائز وغير الجائز:
1. إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر في ذمة الأول فضة، فاصطرفا بما في ذمتهما، بأن قضاه ما في ذمته من الذهب بما له عنده دينا من الفضة، جاز هذا الصرف، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
2. إذا اشترى رجل بضاعة بذهب، وقبض البائع ثمنها فضة جاز، لأنه يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفا بعين وذمة.
3. لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من الذي باعه نفسه، أم من غيره.


الحيل كلها محرمة وغير جائزة:
الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين.
1. تعريف الحيل: الحيل هي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك.
2. من القواعد الشرعية قاعدة تنص على أن: "الوسيلة إلى الحرام محرمة"؛ لقول النبي: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". ولقوله: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".


خلاصة البحث في معاملات الصرف:
1. الصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع.
2. الصرف يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية.
3. كما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد.
4. لبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.