إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 87) السبب الخامس من أسباب التملك  الأموال التي يأخذها الأفراد دون مقابل مال أو جهد (ج7)  تعويض الخليفة
إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 87) السبب الخامس من أسباب التملك  الأموال التي يأخذها الأفراد دون مقابل مال أو جهد (ج7)  تعويض الخليفة

الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد. ...

0:00 0:00
السرعة:
June 21, 2020

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 87) السبب الخامس من أسباب التملك الأموال التي يأخذها الأفراد دون مقابل مال أو جهد (ج7) تعويض الخليفة

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 87)
السبب الخامس من أسباب التملك
الأموال التي يأخذها الأفراد دون مقابل مال أو جهد (ج7) تعويض الخليفة

الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة السابعة والثمانين, وعنوانها: "الأموال التي يأخذها الأفراد دون مقابل مال أو جهد: تعويض الخليفة". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الرابعة والعشرين بعد المائة من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني. يقول رحمه الله:


خامسا: "تعويض الخليفة، ومن يعتبر عملهم حكما، فإنه لا يكون مقابل عملهم، وإنما هو مقابل حبسهم عن القيام بأعمالهم. وهؤلاء يملكون المال بمجرد أخذه، لأن الله أحله لهم. فقد أخذ أبو بكر مالا، تعويضا عن حبسه عن التجارة، حين طلب منه أن يتفرغ لشؤون المسلمين، وأقره الصحابة على ذلك. فهذه الأموال الخمسة "الصلة، والتعويض على الضرر، والمهر، واللقطة، وتعويض الحكام" مال أخذه الفرد، بغير مقابل من مال، أو جهد، وهذا الأخذ على هذا الوجه من أسباب التملك المشروعة يملك الشخص به المال المأخوذ".


ونقول راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته: المال ليس ملكا للحاكم، بل هو في الأصل لله تعالى, وهو سبحانه استخلفنا فيه نتصرف كما شرع لنا, مقياسنا في ذلك الحلال والحرام؛ لذلك يقول سبحانه وتعالى: (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه). (الحديد 7) ولنلاحظ قول الله تعالى: (جعلكم) بصيغة الجمع, ولم يقل: جعل الحاكم, ولا جعله مستخلفا فيه بصيغة المفرد، بل قال: (جعلكم)؛ ولذلك فالدولة نائب وأمين ووكيل عن الأمة في خدمة هذا المال العام.


يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه البخاري: "ما أعطيكم ولا أمنعكم، إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت". وقال رجل لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، لو وسعت على نفسك في النفقة من مال الله تعالى؟ فقال له عمر: أتدري ما مثلي ومثل هؤلاء "يعني الرعية" كمثل قوم كانوا في سفر، فجمعوا منهم مالا, وسلموه إلى واحد ينفقه عليهم، فهل يحل لذلك الرجل أن يستأثر عنهم فيأخذ من أموالهم؟ والجواب عن هذا السؤال معروف, ولكنه استعمال للقياس والتقريب, كرد على طلب السائل في التوسعة، والمعنى أنه لا يجوز في هذه الحالة, ولا يجوز في الأخرى، هذا ما طرحه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تمثيل أو تصوير المال العام في يد الحاكم.


إنه لا يحل للحاكم, ولا لأي مسؤول أن يأخذ لنفسه إلا ما يفرضه له الناس بالمعروف، إن دولة الخلافة الإسلامية هي التي تكفل الحاجات الأساسية للرعية، وكان عمر رضي الله عنه يحلف ثلاثا ويقول: "والله ما أحد أحق في هذا المال من أحد، وما أنا أحق به من أحد، ووالله لو بقيت لأوتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو يرعى مكانه". رواه أحمد في المسند.


إقرار الذمة المالية لأبي بكر الصديق:


تولى أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه الحكم, ومن شاء أن يرى جلال الحكم, وعظمة الحاكم, فلينظر أبا بكر غداة استخلافه, إذ خرج من داره حاملا على كتفيه لفافة كبيرة من الثياب. وفي الطريق يلقاه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنهما فيسأله عمر: إلى أين تذهب يا خليفة رسول الله؟ فيجيبه: إلى السوق. قال عمر: ما هذا الذي تصنعه وقد وليت أمر المسلمين؟ قال أبو بكر: أبيع وأشتري لكي أطعم عيالي, فقال عمر: ومن يهتم بأمر الناس؟ فقال أبو بكر: ومن يطعم عيالي؟ فقال عمر: انطلق معنا نفرض لك شيئا من بيت المال. وصحبهما الخليفة إلى المسجد, حيث نودي أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم, وعرض عليهم عمر رأيه في أن يفرض للخليفة "بدل تفرغ". وفعلا فرضوا له كفافا: في العام مائتين وخمسين دينارا, وشاة يؤخذ من بطنها, ورأسها وأكارعها!


وجد أبو بكر أن هذا العطاء من بيت المال لا يكفي بيته ولا عياله, فقرر أن يخرج لسوق البقيع للبيع والشراء كعهده سابقا. ذهب عمر بن الخطاب إلى بيت أبي بكر الصديق, فوجد مجموعة من النساء متجمعات أمام بيته؛ ليقضي بينهن في أمر, فانطلق عمر يبحث عن أبي بكر حتى وجده في سوق البقيع، فأخذ عمر بيد أبي بكر قائلا له: تعال ههنا. نظر إليه أبو بكر وقال له: لا حاجة لي في إمارتكم!! رزقتموني ما لا يكفيني ولا يكفي عيالي. قال له عمر: إنا نزيدك. رد أبو بكر: ثلاثمائة دينار والشاة كلها. فقال الفاروق: لا نوافق لك على ذلك, وبينما هما يتناقشان حضر علي بن أبي طالب رضي الله عنه, واحتكم أبو بكر وعمر إليه, فرأى علي أن لأبي بكر ما أراد من الزيادة. فوافق عمر واشترط الصديق مشاورة المهاجرين فجمعهم في المسجد. صعد أبو بكر منبر المسجد النبوي ونادى في الناس: أيها الناس إن رزقي كان خمسين ومائتي دينار وشاة يؤخذ من بطنها, ورأسها وأكارعها, وإن عمر وعليا كملا لي ثلاثمائة دينار والشاة أفرضيتم؟ رد الحاضرون: اللهم نعم قد رضينا ... وعاش أبو بكر بهذا هو وأسرته الكبيرة, حتى بعد أن فتحت للمسلمين أبواب الرزق والرغد, وبدأت خيرات الشام والعراق تفد إلى المدينة! ولم يكن الصديق يلتزم القناعة لمجرد الزهد, بل كانت قناعته جزءا من إيمانه, فهو يأكل اللقمة الحلال, ويحاذر أن يدخل في جوفه كسرة فيها شبهة!


يحدثنا البخاري في صحيحه:"أنه كان لخليفة رسول الله غلام جاءه يوما بشيء من تمر فأكل منه, ولما فرغ من أكله, قال له الغلام: أتدري ما هذا يا خليفة رسول الله؟ قال أبو بكر: ما هو؟ قال الغلام: إني كنت قد تكهنت لرجل في الجاهلية, وما أحسن الكهانة, إلا أنني خدعته, وقد لقيني اليوم فأعطاني, فهذا الذي أكلت منه. فأدخل أبو بكر يده في فمه حتى قاء كل شيء في جوفه!". ويضيف صاحب الصفوة إلى ذلك أنه قيل لأبي بكر: "يرحمك الله! كل هذا من أجل لقمة واحدة؟!". فأجاب قائلا: "والله لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به" فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة!".


كان إصرار أبي بكر عظيما على ألا ينال من بيت المال إلا ما يكفيه وأهله بالمعروف! فحين أدركه الموت دعا إليه ابنته عائشة رضي الله عنها وقال لها: "انظري ما زاد في مال أبي بكر منذ ولي هذا الأمر فرديه على المسلمين!". ترى ماذا كان هناك حتى يشغل بال أبي بكر إلى هذا المدى؟ ماذا ادخر في أيام خلافته من ثراء يخاف أن يلقى به ربه؟! حملت عائشة تركة أبيها فور وفاته, وفور مبايعة عمر, حملتها إلى أمير المؤمنين تنفيذا لوصية أبيها, فما كاد عمر يرى ويسمع حتى انفجر باكيا وقال: "يرحم الله أبا بكر, لقد أتعب كل الذين يجيئون بعده!". يعني بهذا أن الصديق بسلوكه وورعه قد سن نهجا تناهى في العظمة, بحيث يضني بلوغه ومضاهاته كل خليفة يأتي على أثره. ترى ما هو الميراث الذي خلفه الرجل الذي افتدى الإسلام بماله, والخليفة الذي بدأت تنثال في أيامه خيرات الشام والعراق؟ ها هو ذا الميراث الذي خلفه, وأصر على أن يرده إلى بيت المال: بعير, كان يستقي عليه الماء! ومحلب, كان يحلب فيه اللبن! وعباءة, كان يستقبل بها الوفود!


رأي عمر فيما يحل للخليفة من مال المسلمين:


لم يكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يبيح من مال المسلمين لنفسه إلا ما يقيم أوده وأود أهله عند الحاجة إليه, فإن رزقه الله ما يغنيه عن بيت المال كف يده عنه. يقول عمر: "ألا وإني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة ولي اليتيم, إن استغنيت استعففت, وإن افتقرت أكلت بالمعروف تقرم البهيمة الأعرابية "القضم لا الخضم". أي كما تأكل ماشية البادية قضما بأطراف أسنانها, لا مضغا وطحنا بأضراسها". ولما سئل عما يحل للخليفة من مال الله قال: "إنه لا يحل لعمر من مال الله إلا حلتان: حلة للشتاء, وحلة للصيف, وما أحج به وأعتمر, وقوتي وقوت أهلي كرجل من قريش, ليس بأغناهم, ولا بأفقرهم, ثم أنا بعد رجل من المسلمين".


سبحان الله! لم يدخل منصب الخلافة على النفس الكبيرة لأبي بكر أو لعمر بن الخطاب أي زهو, ولم يحرك لهما رغبة أية رغبة في تغيير أسلوب حياتهما! فأنى لنا بخليفة مثل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وأرضاهما؟.. إن ذلك لكائن قريبا بإذن الله تعالى!!


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المزيد من القسم اقتصاد

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 165) النقـود


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 165)
النقـود


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

9966

العملة الذهبية للسلطان عبد الحميد العثماني


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الخامسة والستين بعد المائة, وعنوانها: "النقود". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة السبعين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود. فالثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص. ولا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود. وهذا التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد. وتكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود. والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا، وإنما أطلق للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة. فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما، ويجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر. وهكذا أطلق المبادلة لبني الإنسان بما يريدون من الأشياء. إلا أن مبادلة السلعة بوحدة معينة من النقد، قد أرشد الإسلام إلى هذه الوحدة النقدية، وعينها للمسلمين في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة. فهو لم يترك للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء، وإنما عين هذه الوحدات النقدية، التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة. ويفهم هذا التعيين من عدة أمور:


أحدها: أن الإسلام حين نهى عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول. فالقمح مال، والتمر مال، والنقد مال. والكنز إنما يظهر في النقد، لا في السلع والجهود. والمراد من الآية النهي عن كنز النقد، لأنه هو أداة التبادل العامة، ولأن كنزه هو الذي يظهر فيه أثر النهي. أما غير النقد فإن جمعه لا يسمى كنزا، وإنما يسمى احتكارا. ولهذا كانت الآية التي نهت عن كنز الذهب والفضة، إنما نهت عن كنز النقد. وقد عينت الآية النقد الذي نهى الله عن كنزه، وهو الذهب والفضة. قال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). (التوبة 34) فالنهي منصب على أداة التبادل النقدية. وعلى هذا فإن كنز الذهب والفضة عينا حرام، سواء أكان مضروبا أم غير مضروب.


ثانيها: ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب. قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل ... وعلى أهل الذهب ألف دينار" رواه النسائي عن عمرو بن حزم. وقال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا". رواه البخاري من طريق عائشة. فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار، والدرهم، والمثقال يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. فكون الإسلام ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصا، حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد، دليل على أن النقد إنما هو الذهب والفضة فحسب.


ثالثها: لقد عين الرسول صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس، والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها. وكانت تقع بالذهب والفضة بوصفهما نقدا جميع البيوع والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة بميزان معين، هو ميزان أهل مكة. روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الوزن وزن أهل مكة". ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


رابعها: أن الله سبحانه حين أوجب زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.


خامسها: أن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت نصا على الذهب والفضة. والصرف هو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة، أو بيع عملة بعملة أخرى".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


تعريف النقود:


النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود.


بالنقد يقدر ثمن الشيء وأجر الجهد:
1. الثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص.
2. لا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود.
3. التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد.
4. تكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود.


أطلق الإسلام للإنسان إجراء المبادلة بأي شيء:
1. حين قرر الإسلام أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا.
2. أطلق الإسلام للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة.


من الأمثلة على المبادلة:
1. يجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن.
2. يجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما.
3. يجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر.


الوحدة النقدية للمبادلة في الإسلام:
1. أرشد الإسلام إلى الوحدة النقدية وعينها في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة.
2. لم يترك الإسلام للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء.
3. عين الإسلام الوحدات النقدية التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة.


تعيين الإسلام للوحدات النقدية: يفهم هذا التعيين من عدة أمور:
1. حين نهى الإسلام عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول.
2. ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب.
3. عين النبي عليه الصلاة والسلام الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات.
4. حين أوجب الله سبحانه زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.
5. أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام جاءت نصا على الذهب والفضة.


الموازين النقدية في الإسلام:
1. جعل المقياس للنقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار.
2. كانت هذه المقاييس معروفة مشهورة زمن النبي يتعامل بها الناس والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها.
3. كانت بهذه الموازين تقع جميع البيوع والأنكحة بالذهب والفضة بوصفهما نقدا.
4. حدد النبي عليه الصلاة والسلام ميزان الذهب والفضة بميزان أهل مكة. فقال: "الوزن وزن أهل مكة".
5. من مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 164) معاملات الصرف (ج2)


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 164)
معاملات الصرف (ج2)


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي ومع الحلقة الرابعة والستين بعد المائة, وعنوانها: "معاملات الصرف". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثامنة والستين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

6325632

عملة السلطان العثماني عبد الحميد

يقول رحمه الله: "وإذا اشترى رجل من رجل دينارا صحيحا بدينارين مغشوشين لا يجوز. ولكن لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من نفس الذي باعه، أم من غيره. لما روى أبو سعيد قال: "جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع، لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر، فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به" رواه مسلم. وروى أيضا أبو سعيد وأبو هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" متفق عليه. ولم يأمره أن يبيعه لغير الذي يشتري منه، ولو كان البيع لمن اشترى منه محرما لبينه وعرفه إياه. ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز، كما لو باعه من غيره. وبيع الذهب بالفضة، ثم شراء الفضة كذلك. أما إن واطأ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، لأن الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين. وهي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك، لأن الوسيلة إلى الحرام محرمة، ولأن الرسول قال: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه أحمد عن عبادة بن الصامت، وروى أحمد عن أبي مالك الأشجعي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها". وعلى هذا فالصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع، وهو يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد. ولبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


أمثلة توضيحية على الصرف الجائز وغير الجائز:
1. إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر في ذمة الأول فضة، فاصطرفا بما في ذمتهما، بأن قضاه ما في ذمته من الذهب بما له عنده دينا من الفضة، جاز هذا الصرف، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
2. إذا اشترى رجل بضاعة بذهب، وقبض البائع ثمنها فضة جاز، لأنه يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفا بعين وذمة.
3. لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من الذي باعه نفسه، أم من غيره.


الحيل كلها محرمة وغير جائزة:
الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين.
1. تعريف الحيل: الحيل هي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك.
2. من القواعد الشرعية قاعدة تنص على أن: "الوسيلة إلى الحرام محرمة"؛ لقول النبي: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". ولقوله: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".


خلاصة البحث في معاملات الصرف:
1. الصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع.
2. الصرف يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية.
3. كما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد.
4. لبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.