إصلاح ذات البين
إصلاح ذات البين

إن الدعوة إلى إصلاح ذات البين على أهميتها إلا أنها في الأوضاع التي تعيشها الأمة الإسلامية هذه الأيام كطبيب يعالج مرضى السرطان بمرهم حَبّ الشباب، فلا يجدي عمله شيئا ولا يسمع لقوله حرف.

0:00 0:00
السرعة:
January 31, 2019

إصلاح ذات البين

إصلاح ذات البين

إن الدعوة إلى إصلاح ذات البين على أهميتها إلا أنها في الأوضاع التي تعيشها الأمة الإسلامية هذه الأيام كطبيب يعالج مرضى السرطان بمرهم حَبّ الشباب، فلا يجدي عمله شيئا ولا يسمع لقوله حرف.

في السنة الثانية للهجرة كانت غزوة بدر الكبرى ونصر الله المسلمين نصرا عظيما مؤزرا، بقيادة رسول الله r ، وعند تقسيم الغنائم ظهر على المسلمين الأثرة ولم يظهر عليهم الإيثار، فنزل الله تبارك وتعالى قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، يأمرهم الله تبارك وتعالى - وهم أهل بدر وما لهم من فضل وتضحية وسابقة في الإسلام - بالإيثار والتضحية وطاعة الله، بأن أصلحوا أنفسكم بإنصاف غيركم وعدم محاباة مصالحكم، والإيثار خير من الأثرة، وقد كنتم تؤثرون على أنفسكم ولو كان بكم خصاصة، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].

هل أوضاع المسلمين اليوم يعتريها تغير بسيط طفيف بتأرجح أنفسهم بين الإيثار والأثرة لنذكرهم بوجوب إصلاح ذات البين؟ أم الأمر أجل والخطب أدهى وأمر؟

بلاد المسلمين اليوم قاطبة لا تحكم بشرع الله تبارك وتعالى، بل تحكم بنظام رأسمالي استعماري خبيث، ينتج عنه العناء والنكد والظلم والفرقة والتشرذم والضعف والهوان والطغيان والاستبداد، وترزح بلاد المسلمين والمسلمون تحت نفوذ الكفار السياسي والعسكري والاقتصادي، بلادنا يتحكم بها الكافر المستعمر، وفي الواجهة حكام ظلمة من جلدتنا، هل الدعوة لإصلاح ذات البين دعوة جادة ومخلصة أم أنها أقرب إلى التدليس والتلبيس من أي شيء آخر؟!

أوضاع المسلمين مزرية لا تسر صديقاً ولا تغيظ عدواً، لا بد من خلعها من جذورها واستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الدولة الإسلامية التي تطبق الإسلام كما طبقه رسول الله r وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم.

قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 100-105].

هذه الدعوة المتكرره في القرآن الكريم من الله تبارك وتعالى، للحذر من الكفار وعدم طاعتهم والاطمئنان لهم وعدم متابعتهم والأخذ من أفكارهم وعدم اتباع طريقة عيشهم، واجبة الأخذ والالتزام بها بتنفيذ أمر الله تبارك وتعالى والتقيد به، وإن تطيعوا فريقا منهم يردوكم كافرين، من منا يريد أن يرجع إلى الكفر؟ من يجرؤ على العمل لحرمان البشرية من تطبيق شرع الله واتباع منهجه إلا كل عاصٍ معتد أثيم؟

﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ التقوى مراقبة الله في كل لحظة، المراقبة الدائمة التي لا تغفل ولا تفتر لحظة من لحظات العمر، ولا تموتون إلا وأنتم مسلمون، أن تكونوا مسلمين في كل لحظة والاستسلام لله وحده وطاعته واتباع منهجه والاحتكام لشرعه، ويأتيكم الموت وأنتم على هذه الحال، والأخوة في الله التي تنبثق من التقوى والإسلام أساسها الاعتصام بحبل الله المتين، والرابط بينكم هو الإسلام، وليس على أساس قومي أو عنصري أو وطني أو غير ذلك.

لقد جاءت الأمة المسلمة لتنشئ في الأرض حياة إسلامية متميزة على منهج الله وحده، لقد قام وجودها ابتداء على طاعة الله، والإيمان به وبتحكيم كتابه وسنة رسوله r ، لتؤدي في حياة البشر دورا خاصا لا ينهض به سواها، لقد وجدت لإقرار منهج الله في الأرض وتحقيقه في صورة عملية، ويَحظُر على الأمة المسلمة من اتباع غيرها وإلا فسيقودونها إلى الكفر والفسوق والعصيان.

إن الإسلام منهج متميز في تصوره الاعتقادي، وفي الشريعة المنظمة لشؤون حياة الإنسان سواء أكان في السياسة أو الاقتصاد أو النظام الاجتماعي الذي ينظم علاقة الرجل بالمرأة، والإسلام جاء لقيادة البشرية كلها، وقادها ردحا من الزمن، فلا بد من أن يعود الإسلام لقيادة البشرية، وهذا لا يكون إلا باستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الدولة التي تطبق وتحكم وتنظم شؤون حياة الناس بالشريعة الإسلامية على منهاج رسول الله r .

ولخير البشرية جمعاء قبل أن يكون لخير المسلمين أن يحكم الإسلام اليوم قبل الغد. والبشرية بمجموعها تعاني من النظم والمناهج التي أنتجتها وصنعتها بيدها، وليس هناك منقذ لها إلا الإسلام الذي يجب أن يحتفظ بكل خصائصه كي يؤدي دوره للبشرية وينقذها مرة أخرى. إن الحكم بما أنزل الله على رسوله r ضرورة شرعية وضرورة عقلية.

والإسلام هو الوسط الخير المتكافل المتعاون على دعوة الخير، المعروف فيه هو الخير والفضيلة والحق والعدل، والمنكر فيه هو الشر والرذيلة والباطل والظلم، عمل الخير فيه أيسر من عمل الشر، والحق فيه أقوى من الباطل، والعدل فيه أنفع من الظلم، فاعل الخير فيه يجد على الخير أعوانا، وصانع الشر فيه يجد مقاومة وخذلانا، هذا الوسط يتمثل في المجتمع الإسلامي القائم على أساس العقيدة الإسلامية المنبثقة منها الأنظمة والقوانين والأحكام التي تنظم شؤون حياة الناس، والتحاكم لا يكون إلا إلى شريعة الله.

فلا تستقيم الحياة إلا بالتحاكم لشريعة الله، والتحاكم إلى شريعة الله فرض كفرض الصلاة، من لا يتخذ ذلك في حسبانه عن علم وإصرار فإن الإثم يركبه من أمامه ومن خلفه حيث دار، فاعملوا لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الدولة الإسلامية التي تحكم بشرع الله، وتنشر الإسلام في أرجاء المعمورة ليعم الهدى وينحسر الكفر والظلام، وتنعم البشرية بحياة لائقة بالإنسان الذي كرمه الله تبارك وتعالى وخلقه في أحسن صورة.

ربنا ارحمنا وارحم والدينا وتولنا وتب علينا وارحم المسلمين والمسلمات المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

إبراهيم سلامة

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو