جريدة الراية: علمنة المجتمع في المغرب  سياسة يجب كشفها ومحاسبة النظام عليها
August 12, 2025

جريدة الراية: علمنة المجتمع في المغرب سياسة يجب كشفها ومحاسبة النظام عليها

Al Raya sahafa

2025-08-13

جريدة الراية: علمنة المجتمع في المغرب

سياسة يجب كشفها ومحاسبة النظام عليها

قدمت قناة "ميدي 1 تي في" الفرنكوفونية ضمن برنامجها "جبهات" حلقة قدمها إعلامي القناة وكان موضوعها "علمنة المجتمع المغربي"...

عرف هذا العقد حملة مسعورة وجرعة سامة إضافية لعلمنة حياة المسلمين بالمغرب، وهي سياسة دولة وترجمة لانخراطها الشامل في حيثيات حرب الغرب الحضارية ضد الإسلام وأمته. ويعد المغرب نموذجا لتنفيذ مخططات هذه الحرب ثم تصديرها للمسلمين.

وهذه العلمنة تشمل كل مناحي الحياة وكل مفاصل المجتمع؛ الحكم والسياسة والاجتماع والاقتصاد والتعليم والقضاء والإعلام والفكر والثقافة.

على مستوى الحكم فدستور 2011 علمن نظام الحكم بشكل جذري لا لبس فيه، فالفصل 41 و42 فَصَلَ بشكل جلي إدارة الكهنوت عن سياسة الدولة، فالفصل 41 متعلق بإدارة الكهنوت علمانيا، أما الفصل 42 فنص على سياسة الدولة والمجتمع وأنها من صلاحية الحاكم بوصفه رئيسا للدولة واستبعد كل لقب يحيل إلى مرجعية دينية متجاوزة للعلمانية.

كما أن الدستور الذي أقره النظام وفرضه يكرس حقوق الإنسان العلمانية الغربية ويجعلها أساسا للنظام القانوني، والمحكمة الدستورية في المغرب لها دور في مراقبة دستورية القوانين ومدى احترامها لحقوق الإنسان، والدستور يجعل حقوق الإنسان حاكمة على القوانين المحلية طبقا لمقتضيات المادة 19 والاتفاقيات الدولية التي وقعها وصادق عليها في هذا الإطار.

وعلى مستوى التعليم والفكر والثقافة فإن التغييرات التي طالت المناهج تحت ذريعة تجديد الخطاب الديني والتحديث، علمنت المناهج والنظم والمواد والمقررات، فمواد الفكر العلماني ضمنت بكثافة لبرامج ومواد التعليم، وسرديتها باتت مرافقة لامتحانات المستويات الإعدادية والثانوية والجامعية، وتصدرت بحوث وأطروحات التعليم العالي، واستهدفت بشكل مكثف مدارس ومعاهد العلوم الشرعية.

وعلى مستوى الاجتماع فقد تم إقرار سيداو كنظام اجتماعي وسنها قانونا للمجتمع (مدونة الأسرة) وتعديل القانون المالي ونظام المواريث الشرعي واستبدال قوانين علمانية به، وتعديل القانون الجنائي لكي يوائم مقتضيات العلمنة الشاملة التي انخرط فيها النظام.

ويبقى الإعلام هو القنطرة الرسمية المعتمدة في تمرير مفاهيم العلمنة الشاملة لسواد المجتمع، فالمدرسة والجامعة تخاطب 12 مليون شخص، والإعلام يخاطب الكل، فبرامجه ومسلسلاته وإعلاناته وإشهاراته ومهرجاناته هي ماكينة علمنة تخاطب الغرائز للتطبيع مع طرائق وأنماط الحياة العلمانية الغربية المتفحشة وحمل أفكارها ومفاهيمها وضخها بكثافة بين الناس.

فهذا الفجور السافر اليوم في نشر علمانية الغرب كفرها وإلحادها وفاحشتها هو سياسة دولة وليس برنامج حكومة أو حزب أو مجرد برنامج في قناة، فهو تنفيذ لمقتضيات الحرب الحضارية الغربية الطاحنة في علمنة المجتمعات في البلاد الإسلامية علمنة شاملة لمواجهة الإسلام، والمغرب هو النموذج، والنظام الحاكم هو أداة تنفيذه.

فهذه الحملة المسعورة في علمنة حياتنا بشكل سافر كافر هي سياسة دولة ولا يجوز للمتصدرين لقضايا أهل البلد من الغيارى على الإسلام وأمته السقوط في مغالطات النظام العلماني التي يبغي منها تزييف الحقائق وتمرير سياساته العلمانية الكافرة. فتلك هي الفخاخ التي نصبها النظام وسقط فيها للأسف الكثير من أبناء الإسلام الذين تصدروا لقضية العلمانية بالمغرب وقضايا حارقة أخرى.

وتجلية لبعض الحقائق اللازمة لتناول قضية العلمنة والعلمانية بالمغرب والواجب إدراكها وبلورة تصورها وهضم مضامينها:

* إن العلمنة والعلمانية بالمغرب سياسة نظام انخرط في حرب الإسلام، وهذه السياسة تُكافَحُ سياسيا كشفاً ومحاسبة.

* الوعي السياسي على مكائد النظام التي يسعى من ورائها للتعمية على سياساته العلمانية الكافرة وتمريرها عبر تصويرها وكأن هناك صراعا مجتمعيا بين علمانيين وإسلاميين وأن العلمانية خيار مجتمعي واستجابة لحاجة ومطلب مجتمعي، عطفا على تصوير العلمنة والعلمانية بالمغرب كصيرورة طبيعية للمجتمع بالمغرب، ثم تسويغها عبر قشرة إسلامية وتلفيق فقهي ضمن ما يسميه النظام اجتهادا منفتحا ويأفك فقهاء البلاط في شرعنتها.

فعلمنة المجتمع في المغرب التي أثارها الإعلام بشكل سافر لم يثرها كموضوع للمناظرة والنقاش، لكنها أثيرت في خانة صياغة وقولبة الرأي العام بناء على قوالب علمانية، وتكتيكا سياسيا لتسويق وترويج الرؤى العلمانية والسياسات الاستعمارية الموكول بالنظام تنفيذها كجزء من الحقل الفكري والثقافي والسياسي لتنميط الرأي العام بحسبها، والتطبيع معها كرؤى ثقافية وسياسية محايدة وليست كجزء من مشروع استعماري غربي ومادة غزو فكري وثقافي علماني واختراق سياسي غايته سلخنا كليا من إسلامنا العظيم.

مع الأسف تغيب القضية المحورية والمركزية عند كثير من المتصدرين لقضايا الأمة الحارقة، بل وينخرطون في دوامة النقاش الذي حد النظام دائرته وسقفه وهي دائرة وسقف علماني.

ومن الأعطاب الثقافية في تناول قضية العلمنة والخلل الفكري الهدام وتحديدا بالنسبة للمسلم المتصدر لقضايا الإسلام وأمته، هو عدم إدراك حقيقة المواضيع التي يتعامل معها، فأن تنطلي عليه خديعة أن الدستور بالمغرب دستور إسلامي لأن المادة الثالثة تنص على أن دين الدولة الإسلام فتلك آفة عظيمة، فمعيب أن لا يكون صاحب القضية ملماً بالفلسفة التشريعية فيعلم أن الدستور تشريع لقواعد قانونية أساسية والتشريع الدستوري له جذره ومصدره القانوني، فحين الحكم على دستور ما لا يؤتى بمادة منه لإصدار الحكم على الكل بل ينظر للجذر والمصدر التشريعي الذي انبثقت منه وعنه كل المواد، وما ادعى أحد من فقهاء الدساتير أن الدستور بالمغرب مرجعه هو الكتاب والسنة، بل المقطوع به أن جذره ومصدره التشريعي هو دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة العلماني الخالص، أما "دين الدولة الإسلام" فهي حتى على مستوى الصيغة القانونية لا ترقى لتكون مادة تشريعية فضلا أن تكون معيارا وقاعدة تشريعية، ولكن وظيفتها في الدستور هي التعمية على علمانية الدستور الفجة.

فهذا العطب المعرفي في عدم إدراك حقيقة دستور النظام بالمغرب ومرجعيته العلمانية، بل واتخاذه مرجعا ومعيارا لنقد ونقض العلمنة هو قادح في منهج النقاش من أساسه بل ويُغَيِّب الإسلام كمبدأ ومرجع ناظم وحاكم على الدستور العلماني وناقض وناسف لتشريعاته ولسياسة النظام في علمنته الشاملة لحياة أهل المغرب المسلمين.

فالسقوط في فخ الدستور العلماني بالمغرب واتخاذه مرجعا ومعيارا هو حقيقة سقوط في فخ ومستنقع العلمانية، وكل نقاش بعدها لا يسمن ولا يغني من جوع!

فالبرنامج على القناة الفرنكوفونية حول "علمنة المجتمع المغربي" هو فصل من صراع حضاري شرس ضد الإسلام العظيم ومشروعه الحضاري المتفرد المتميز، وإعادة تدوير لمشروع علماني استعماري مفلس فاشل حل بديار المسلمين لقرن من الزمن وحل معه الخراب والانحطاط والدمار والعمالة والخيانة السياسية ونهب الثروات والغرق في مستنقع الديون والانحلال القيمي، واليوم هروبا من مستحقات الجناية العلمانية الاستعمارية ما كان من الغرب وأذنابه إلا مزيدا من سموم العلمانية لمواجهة المارد الإسلامي الذي أوشك على الانعتاق من أغلاله، فمشروع الإسلام العظيم هو المستهدف من هذه العلمنة الشاملة لحياة المسلمين كلها وتحويلهم إلى مسوخ غربية وعاهات ثقافية ملتصقين بذيل الغرب مع انسلاخهم التام من إسلامهم العظيم لتستوفي العلمنة الشاملة شروطها في إهلاكنا وإفنائنا.

إن قضية هدم العلمانية ونسف المشروع الاستعماري وتحرير الأمة بالإسلام لن تتم عبر إعلام العار الخادم للاستعمار ولا عبر مناقشة عبد من عبيد الاستعمار، بل عبر كفاح سياسي وصراع فكري مع صاحب الفكرة والسياسة رأسا لقيادة الرأي العام بالإسلام ومشروعه الحضاري.

كما أن القضية ليست في مناقشة موضوع العلمانية والعلمنة ولكنها في محاسبة النظام القائم عليها والذي استجلب كل الكفر العلماني وفرضه على أهل المغرب المسلمين فأحل بديارهم الخراب، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾.

بقلم: الأستاذ مناجي محمد

المصدر: جريدة الراية

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار