جريدة الراية: ماذا تريد أمريكا  من سوريا؟
August 12, 2025

جريدة الراية: ماذا تريد أمريكا من سوريا؟

Al Raya sahafa

2025-08-13

جريدة الراية: ماذا تريد أمريكا

من سوريا؟

منذ اندلاع ثورة الشام بداية آذار/مارس 2011، وحتى نهاية حكم الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 كانت أهداف أمريكا واضحة بشأن سوريا، وتمثلت في منع تصدير الثورة وعدم سقوط النظام السوري مع إجراء عملية تجميل له، ولم تتغير هذه الأهداف حتى اللحظة، أما التغيرات فكانت في الوسائل والأساليب فقط وهي أصلاً وجدت لخدمة الأهداف فإن فقدت دورها كان لزاماً تغييرها، أما مسألة نفوذ أمريكا في سوريا فلم يكن محل بحث حيث انتفى الصراع الدولي وكان الجميع تحت الخط الأمريكي، إلا محاولات بعضهم الـتشويش فقط لا الصراع، وما كانت روسيا وغيرها إلا أوراقاً وأدوات لتحقيق الاستراتيجية الأمريكية.

وبمجرد الانفتاح الأمريكي رفع الاتحاد الأوروبي عقوباته عن سوريا، بما يشمل رفع القيود على قطاعي المال والطاقة وإزالة البنك المركزي السوري من قائمة العقوبات. وفي روسيا، أشار نائب وزير خارجيتها سيرجي فيرشينين إلى مواصلة روسيا التفاوض مع الحكومة السورية بشأن وضع القواعد العسكرية الروسية في سوريا. وقال وزير خارجية كيان يهود جدعون ساعر عقب لقاء الشرع بترامب إنَّ تل أبيب تريد علاقات جيدة مع النظام السوري الجديد، في رسالة إيجابية لترامب قد تفيد برغبة الاحتلال في عقد صفقة مع سوريا تحت رعايته. ومن جهة أخرى، اقترح باراك إجراء مفاوضات بين الاحتلال وسوريا لإبرام اتفاقية عدم اعتداء.

وإنما كان الصراع الحقيقي هو بين الأمة وبين الغرب كله وعلى رأسه أمريكا، وقد قدم الكونغرس ملايين الدولارات لدعم المقاتلين السوريين الذين كانوا يقاتلون نظام أسد وأنشأت غرفتين لها في الشمال والجنوب وربطت حركة الثوار بها واستخدمت لذلك الكثير من الدول والمنظمات والأفراد.

وسوريا تعتبر منفذا رئيسيا لغرب آسيا على البحر المتوسط وصلة الوصل بين منطقة الخليج العربي وأوروبا براً وبحراً وبوابة لنقل الطاقة من منطقة الخليج وإيران إلى أوروبا، فالطبيعة الجغرافية المسطحة لسوريا "شبه خالية من الحواجز الطبيعية كالجبال" تجعل من بناء شبكات الأنابيب الناقلة للنفط والغاز أكثر سهولة وأقل تكلفة من تركيا ذات الطبيعة الجبلية، الطامعة لأن تكون مركزاً لنقل الطاقة إلى أوروبا، وبالتالي فإن سوريا تشكل نقطة عبور وممراً طبيعياً لموارد الطاقة في الشرق الأوسط "إيران ومنطقة الخليج العربي" إلى أوروبا.

كما تمتلك سوريا حقول غاز طبيعية مهمة وهي منطقة ذات علاقة ونظرة تاريخيّة واستعمارية نظراً لتاريخها الإسلامي ودورها وعلاقتها بأوروبا فضلاً عن النظرة المستقبلية لها، وما ذكر فيها من روايات تتعلق ببلاد الشام وفضلها ودورها في التغيير، لذا ينظر الغرب كله لمنطقة بلاد الشام نظرة مختلفة ومتميزة عن غيرها وإن كانت جميع بلاد المسلمين تحمل المبدأ نفسه لكن تميزت بلاد الشام بخصائص مختلفة. ولأجل هذه الأمور اهتمت الولايات المتحدة بالثورة السورية فضلا عن طبيعة ثورتها التي اختلفت كل الاختلاف عن ثورات الربيع العربي حيث رفعت راية رسول الله ﷺ ونادت بتطبيق الإسلام وأنتجت حركات تحمل أفكاراً إسلامية، ومن جميع دول العالم تسابق المسلمون لنصرة ثورة الشام.

ولما سقط بشار أرادت أمريكا المحافظة على النظام وإن سقط رأسه، فأوكلت المهمة لتركيا وكانت قبل ذلك قد أعطت لها دوراً كبيرا في سوريا، حتى آلت المهمة إلى أن تختار تركيا بعضاً ممن تعتبرهم أمريكا أعداء لها بل وصدرت بحقهم أحكام ومطالبات دولية، ولكن يبدو أن تحضير تركيا كان منذ فترة طويلة، والعلاقات بينها وبين الجولاني قديمة نوعا ما ولا تخفى العلاقة بينهما والدعم العسكري والاحتضان التركي بعد الثورة، ودور تركيا معلوم لا يجهله أحد.

بعد سقوط بشار اختلفت الأمور وتسارعت الأحداث وظهرت تباينات كثيرة جدا في سوريا سواء تعلق الأمر بالداخل السوري أو الخارجي، وهنا لا شك اختلفت الرؤية وتباينت المخططات بين مطالب الحاضنة الثورية وبين أمريكا صاحبة النفوذ وبين لاعب جديد وهو كيان يهود، ولكن تبقى الكلمة الفصل لأمريكا. فماذا تريد أمريكا؟

مطالب أمريكا من الإدارة الجديدة متعددة وكثيرة منها ما يتعلق بالداخل السوري ومنها ما يتعلق بخارجه:

أما ما يتعلق بالداخل وعلى رأس ذلك الإسلام، والدستور، والشكل المدني، والعرقيات الصغيرة ودورها في الحكم والإدارة وعلاقتها مع دمشق، وشكل نظام الحكم، والفيدرالية، وتكوين الجيش، ودمج الثوار، وضبط السلاح وحصره بيد الدولة، وموضوع المقاتلين الأجانب وإخراج بعضهم وطردهم ونفي المقاتلين الفلسطينيين، حيث أعلنت وزارة الدفاع "دمج 3500 مقاتل أجنبي في الفرقة 84 المشكلة حديثاً. وتبدل موقف أمريكا، حيث صرح مبعوثها باراك أنَّ من الأفضل إبقاء المقاتلين الأجانب تحت مظلة الدولة بدل إقصائهم؛ لمنعهم من الانضمام إلى الجماعات الجهادية".

وكذلك الخصخصة والاستثمار ودور الشركات الأمريكية وخاصة ما تعلق بالنفط والغاز، فقد وقعت الحكومة السورية في 29 أيار/مايو اتفاقية بقيمة 7 مليارات دولار مع شركات دولية في قطاع الطاقة، منها شركات UCC القابضة وباور إنترناشونال وأورباكون القابضة القطرية وكايلون جي إي إس إنرجي ياتيريملاري وجنكيز إنرجي التركيتان.

وأما ما هو متعلق بالمطالب الخارجية فهناك مطالب تتعلق بالتطبيع مع كيان يهود وعدم تشكيل خطر عليه والانسجام مع اتفاقيات أبراهام، وقد ورد في مقال للجزيرة تحت عنوان: (ماذا تريد أمريكا من سوريا الجديدة؟) "بيد أن لقاء ترامب والشرع لم يكن التطور الوحيد من ترامب تجاه سوريا، حيث أعلن الرئيس الأمريكي عزمه رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا بصورة تدريجية. ووصف ترامب تلك العقوبات بأنها "وحشية" و"معيقة"، مؤكداً أنه حان الوقت لكي "تنهض سوريا" من جديد. جاء هذا الإعلان بعد أكثر من عقد من عقوبات مشدّدة عزلت سوريا عن المنظومة المالية العالمية بشكل كلي. ومن الواضح أن واشنطن اعتمدت مقاربة جديدة في التعامل مع الحكومة السورية الجديدة، تنتقل فيها من سياسة العزل والعقاب إلى سياسة الانخراط المشروط والدعم الحذر، فقد أبدى المسؤولون الأمريكيون استعدادهم للعمل مع سلطات دمشق الانتقالية إذا التزمت بمسار التسوية السياسية وراعت المطالب الدولية".

وأمام هذه المطالب الكثيرة والمتعددة نجد الإدارة الجديدة منسجمة إلى حد كبير مع مطالب أمريكا بل تظهر لها الود والقبول والإذعان وشاركت في مفاوضات مع يهود وأظهرت إذعانها المذل في ملف السويداء ومن قبلها المقاتلين الأجانب والحاضنة الثورية.

وخلاصة الكلام إن الولايات المتحدة استطاعت المحافظة على النظام واستبدلت عميلا بعميل، ليقوم بما لم يقم به سلفه، فهل يعي الثوار خلف من يلتفون؟ وهل يعون على التلاعب والتضليل الفكري لجماعة الجولاني ومن خلفه بالطروحات في الشام بضرورات الواقع والرخص المتاحة؛ صلح الحديبية وغيرها مما يطرح؟

بقلم: الأستاذ عبد الحكيم عبد الله

المصدر: جريدة الراية

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار