جريدة الراية:خصخصة شركات الجيش المصري تحت إشراف شركات مرتبطة بالاحتلال  جريمة بحق الأمة وخيانة للأمانة
August 12, 2025

جريدة الراية:خصخصة شركات الجيش المصري تحت إشراف شركات مرتبطة بالاحتلال جريمة بحق الأمة وخيانة للأمانة

Al Raya sahafa

2025-08-13

جريدة الراية:خصخصة شركات الجيش المصري تحت إشراف شركات مرتبطة بالاحتلال

جريمة بحق الأمة وخيانة للأمانة

في خطوة تكشف عن مدى التردي الذي وصلت إليه الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين، أعلنت مصر بدء خصخصة خمس شركات مملوكة للجيش، بإشراف شركات استشارية دولية ثبتت صلاتها المباشرة بكيان يهود وجيشه. هذه الخطوة ليست مجرد قرار اقتصادي يُتخذ في سياق سياسات السوق والحوكمة كما يُروّج لها، بل هي في حقيقتها خيانة موصوفة، وتفريط بأمن الأمة ومقدراتها، وتسليم مفاتيح سيادتها الاقتصادية والاستراتيجية لأعدائها مغتصبي أرضها ومضطهدي أهلها.

إن الخصخصة في ذاتها، بوصفها نهجاً اقتصادياً يمكّن الأفراد والشركات من السيطرة على الثروات والمرافق العامة، تتناقض مع أحكام الإسلام. فالملكية في الإسلام تنقسم إلى ثلاثة أنواع: فردية، وعامة، وملكية الدولة. وما كان من قبيل الملكية العامة، كالثروات الباطنية، والمياه، والطاقة، والطرق العامة، لا يجوز بأي حال تمليكه للأفراد أو الشركات الخاصة.

وشركات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية ليست مجرد كيانات اقتصادية مستقلة، بل هي أذرع عسكرية فاعلة ضمن منظومة الجيش، تُستخدم لتأمين احتياجاته، وتوفير التمويل المستقل له (كما يدعي النظام)، وتعزيز هيمنتها على مفاصل الاقتصاد الحيوي. ومن ثم فإن تسليم هذه الشركات لمستثمرين من القطاع الخاص، تحت إشراف شركات أجنبية لها صلات مع كيان يهود، هو بمثابة تفكيك لقدرة الجيش وتسليم لملفاته الحساسة بيد أعداء الأمة.

المثير للقلق هو أن الإشراف على هذه العملية أُوكل إلى شركات استشارية ثبت أنها تنشط تجارياً وأمنياً داخل الكيان الغاصب، منها مجموعة بوسطن للاستشارات، وشركتا برايس ووترهاوس كوبرز وجرانت ثورنتون. وتكفي الإشارة إلى أن تاليا غازيت، التي تتولى إدارة التحول الرقمي والأمن السيبراني في برايس ووترهاوس فرع كيان يهود، هي ضابطة برتبة عقيد في وحدة مامرام، الذراع السيبراني لجيش يهود. بل إن بوسطن نفسها شاركت في تأسيس "مؤسسة غزة الإنسانية"، التي مارست التجويع والتصفية المنظمة لأهل غزة تحت غطاء المساعدات.

فكيف تقبل دولة تزعم أنها ذات سيادة أن تُفوض خصخصة شركات تابعة لوزارة الدفاع لشركات لها علاقات موثقة بقيادات عسكرية في كيان يهود؟! وكيف تسوغ لنفسها تمكين هذه الكيانات من الاطلاع على ملفات عسكرية، وبيانات مالية، وهياكل تنظيمية، وخطط تشغيلية تمس أمنها؟ إن ما يحدث هو تسليمٌ طوعيٌ للسيادة وفتح للأبواب أمام العدو ليطلع على ما لا يُطلع عليه إلا ولي أمر المسلمين الشرعي.

إن الإسلام يحرم تحريماً قاطعاً تسليم شؤون المسلمين، لا سيما ما يخص الجيش والدفاع، للكفار، أو لمن ثبتت عداوتهم للأمة. قال تعالى: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ أي أن من يوالي الكفار ويوكل إليهم أمور المسلمين، أو يرضى بتسليم مفاتيح القوة لهم، فقد خرج من مظلة الولاء لله ورسوله.

وما تفعله مصر اليوم، بتوقيعها اتفاقيات مع شركات استشارية على صلة بالاحتلال، هو تمكين للكفار من شؤون المسلمين، بل ومن أسرارهم العسكرية والاقتصادية، وهذا لا يجوز بحال، لا سيما أن هؤلاء المستشارين قد شاركوا في جرائم إبادة في غزة.

الجيش في الإسلام ليس كياناً استثمارياً ولا مؤسسة تجارية، وإنما هو جهاز حربي له عقيدة قتالية مهيأ لحماية بيضة الإسلام ورد العدوان عن الأمة، وكل ما يُمكّن هذا الجيش من أداء وظيفته، من تجهيز وتسليح وإمداد لوجستي، لا يجوز قطّ أن يُسلّم للأجنبي، ولا أن يُفكك تحت عنوان الخصخصة أو الإصلاح. بل الواجب شرعا أن يُنفق عليه من بيت مال المسلمين، دون رهن مقدراته للصناديق الدولية أو الخبراء الأجانب. أما بيع أذرعه الاقتصادية التي لا يجب أن توجد أصلا، وفتحها أمام الاستثمارات الأجنبية، فهو خلعٌ لسلاح الأمة من يدها وتسليمه للعدو، والأصل ألا يكون لها وجود، فالجيش ليس تاجرا ولا صانعا ولا يشتغل بالسياسة والحكم، فالجيش وظيفته الجهاد، والدولة ترعاه وتكفله وتكفل حاجاته، وما يجب حقيقة أن تكون هذه الشركات تحت تصرف الدولة لا الجيش ولا تباع لأحد ولا تخصص كونها من الملكية العامة.

إنّ ما يزيد هذا القرار جرماً فوق جُرم، أنه يأتي في وقت تُرتكب فيه مجازر إبادة جماعية في غزة، على يد الجيش نفسه الذي تربط هذه الشركات به علاقات وثيقة. فكيف تسمح دولة تدّعي دعمها لفلسطين أن تتعاقد مع من يُموّل ويروّج ويصمم خطط التهجير والقتل لأبناء غزة؟! أليس هذا من التعاون المحرم؟ أليس من نواقض الولاء والبراء؟

بل ما يزيد الطين بلة أن يُروّج لهذا التفريط على أنه إصلاح اقتصادي وتنمية! بينما هو في جوهره تفكيك للسيادة، وبيعٌ لمقدرات المسلمين، وتسليمٌ لأسرارهم للعدو.

الواجب الشرعي اليوم ليس الخصخصة ولا تلبية شروط الصندوق الدولي، وإنما الانفكاك التام عن النظام الرأسمالي ومنظومته الاستعمارية، وإعادة بناء الاقتصاد على أساس الأحكام الشرعية:

  • إلغاء الربا والتعامل مع النقد كغطاء ذهبي حقيقي
  • إعادة الاعتبار للملكية العامة ومنع تمليكها للقطاع الخاص
  • حصر مهام الجيش في حماية الأمة وحمل الإسلام للعالم بالدعوة والجهاد، لا في إدارة مصانع ومزارع ومحطات وقود
  • منع أي شكل من أشكال التعاون أو الشراكة مع من ثبتت عدواته للأمة، ولو كان في صورة مستشار أو خبير دولي

فالاقتصاد في الإسلام لا يُفصل عن العقيدة، بل هو فرع عنها، تحكمه حلالاً وحراماً، ولا يُدار وفق مؤشرات السوق الحر، بل وفق أحكام ربانية تضمن العدل، وتحول دون التبعية.

إن ما يحدث اليوم من خصخصة لاقتصاد الجيش المصري تحت إشراف شركات ذات ارتباط مباشر بكيان يهود، هو خيانة لله ورسوله والمؤمنين، وتحقيق لرغبات المستعمر دون قيد أو شرط. وهذا لا يجوز السكوت عليه، بل يجب أن يُنكر إنكاراً صريحاً، وأن يُكشف على رؤوس الأشهاد، وأن يُدعى أبناء الأمة وخاصة الجيوش إلى الوقوف في وجهه، والعمل الجاد لإقامة سلطان الإسلام الذي يحمي الأمة ويصون مقدراتها من العبث والخيانة.

إن الحل الوحيد لمصر وأهلها هو في تبني الاقتصاد الإسلامي وتطبيقه كاملا مع باقي أنظمة الإسلام التي يكمل بعضها بعضا في ظل الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي ترعى الناس بالإسلام وتقسم الملكيات على أساسه فتضع الملكية العامة وتجعلها تحت إدارة الدولة لترعى الناس بها حقا خير رعاية بعيدا عن الغرب واحتكاره للخدمات وشركاته الناهبة للثروات، فاللهم أعد لنا دولة الإسلام وسلطانه وشرعه لنستظل بظلها من جديد؛ خلافة راشدة على منهاج النبوة.

بقلم: الأستاذ محمود الليثي

 عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

المصدر: جريدة الراية

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار