July 09, 2012

خبر و تعليق الأمريكيون يخططون لوجود كبير دائمي في العراق بقيادة مدنية بفضل تواطؤ النظام معهم


في 29/6/2012 نقلت وكالة رويترز عن مايكل كورتس من المكتب الأمريكي لمحاسبة الحكومة لمجلس النواب الأمريكي قوله خلال جلسة: "وزارتا الخارجية والدفاع تخططان لوجود كبير جدا بقيادة مدنية في العراق". وقال كورتس: "إن بغداد تثير دائما تساؤلات عن حجم ومكان 14 موقعا أمريكيا في العراق والاحتياجات الأمنية لتلك المواقع وأنها وقعت على عقود ملزمة متعلقة بخمسة مواقع فقط". وأضافت رويترز في خبرها أنه "يوجد في العراق 16 ألف أمريكي في أكبر بعثة دبلوماسية في العالم. لكن معظم الهيئات موجودة لحماية وإطعام 2000 فرد يعملون في العراق بعقود مباشرة مع الحكومة الأمريكية" ونقلت الوكالة عن باتريك كنيدي وكيل وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون الإدارة تصريحه لها: "سنخفض الأعداد من 16000 إلى نحو 11500، هذا يمثل خفضا نسبته 25 % في العقود المباشرة ونحو 30% في المتعاقدين". وذكرت "بأن المشرعين الأمريكيين يطالبون بالاستفادة من الدروس المستخلصة من تجربة العراق قبل أن تسحب واشنطن معظم قواتها من أفغانستان عام 2014". وبين الحين والحين يُسمع دوي انفجارات في العراق وسقوط العشرات من الضحايا.


التعليق: نريد في تعليقنا أن نلفت النظر إلى النقاط التالية:


1. يتبين من هذه التصريحات الأمريكية الرسمية بأن الأمريكيين لم يخرجوا من العراق واستبدلوا بذلك صورة أخرى وهي وجود الكثير منهم كمنتسبين للسفارة الأمريكية، أي لهم الحصانة الدبلوماسية. فقبل أن تنسحب أمريكا كانت تفاوض العراقيين على بقاء قسم من جيشها في العراق يتمتع بالحصانة الدبلوماسية. إلا أن ذلك كان مكشوفا للجميع فلم يستطع البرلمان العراقي أن يوافق عليه فتحايل الأمريكيون مع تواطؤ من رئيس الوزراء المالكي وحكومته وعِلم من البرلمان على أن يزداد عدد موظفي السفارة الأمريكية وهي أضخم سفارة في العالم مقرها في وسط بغداد في المنطقة الخضراء بين القصر الجمهوري العراقي ورئاسة الوزارة وغير ذلك من مؤسسات الدولة العراقية حتى تتمكن أمريكا من الإشراف على الدولة العراقية وعلى القيام بالمهمات القذرة في ربوع العراق.


2. إن عدد 16 ألفا لا يمكن أن يكون مشكّلا من دبلوماسيين وإنما أغلبهم من قوات الأمن والاستخبارات الأمريكية المجندة للتجسس وشراء الذمم وللتخريب وللقتل. ولذلك نسمع عن دوي الانفجارات وقتل العشرات بين الحين والآخر في العراق إن لم يكن يوميا. وبعدما أُعلن عن انسحاب الأمريكيين من العراق في نهاية السنة الماضية ذكر أن عدد موظفي السفارة الأمريكية سيصبح 16 ألفا فقام المالكي يكذّب ذلك ويدعي بأن ذلك مبالغة ويكذب قائلا بأن العدد لا يتعدى 3 آلاف مع العلم أن مصادر موثوقة كانت قد ذكرت ذلك يومئذ، واليوم فإن مصدرا أمريكيا رسميا وهو وكيل وزارة الخارجية الأمريكية يذكر هذا العدد. وبذلك يتبين مدى كذب ودجل المالكي على الناس ومدى خيانته وتواطؤه مع الأمريكيين. ولكن ذلك لا يعفي كل السياسيين والبرلمانيين في العراق من المسؤولية بسبب سكوتهم على ذلك أو إظهار رضاهم عنه. فالنظام الذي أقامته أمريكا في العراق بكل أجهزته يشترك في تلك الخيانة.


3. لقد ذكر أن عددا من الجنود الأمريكيين لا يتجاوز المئات سيبقون في 4 أو 5 قواعد عسكرية بذريعة تدريب الجنود العراقيين. ولكن يتبين أن هناك 2000 جندي متواجدون في 14 قاعدة ويتبين أنه ليس لهم علاقة بتدريب الجيش العراقي وإنما هم متعاقدون مع الدولة الأمريكية للقيام بأعمال تخدم الاستعمار الأمريكي. ويتبين مرة أخرى مدى كذب المالكي ومن معه وتواطؤهم مع الأمريكيين وخيانتهم لامتهم وبلدهم.


4. عدا ذلك فإن الاتفاقية الأمنية التي وقعها المالكي وحكومته عام 2008 ووافق عليها البرلمان العراقي تنص على أن تستدعي الحكومةُ العراقية القوات الأمريكية لتتدخل كلما رأت تهديدا لها لتحميها وتحمي النظام الذي أقامته أمريكا في البلد، وأن الحكومة العراقية تتعاون تعاونا وثيقا مع أمريكا في كافة المجالات وتسير متحالفة معها. ويكشف الأمريكيون مجددا عن أنهم يخططون لوجود أمريكي كبير بقيادة مدنية. أي أن هناك مخططات لوزراتي الدفاع والخارجية الأمريكية بناء على الاتفاقيات الأمنية والاستراتيجية التي وقعها المالكي ومن معه على ترسيخ الوجود الأمريكي بصورة دائمية. مع العلم أن البرلمان العراقي المشكل من الكتل السياسية كان قد صادق على تلك الاتفاقيات فيكون البرلمان وكتله السياسية مشتركين في هذه الجريمة.

5. ومن هنا يتبين أن تصرفات المالكي الديكتاتورية وعمله على تصفية الآخرين يكتسب القوة فيها من تبعيته لأمريكا وتوطؤه معها وخيانته لأمته وبلده في سبيل أن يبقى في الحكم. ويتبين كذلك أن أمريكا وعناصرها مع تواطؤ المالكي ومن معه هي المسؤولة عن التفجيرات وعن الوضع الأمني المضطرب في العراق. وكذلك فإن تصرفات المالكي في السياسة الخارجية مدعومة أمريكيا؛ فتأييده ونظامه لنظام الطاغية بشار أسد لا يمكن أن يخرج عن الدعم الأمريكي له، وكذلك توافقه مع إيران فإنه مدعوم أمريكيا بسبب خدمة إيران لأمريكا في العراق حيث أمّنت لها عقد هذه الاتفاقيات الإجرامية كما أمنت لها الاستقرار في العراق باعتراف حكام إيران بذلك، ومثل ذلك أمنته لها في أفغانستان. والمالكي ونظامه لا يختلف عن كرزاي ونظامه بشيء حيث يوقع لأمريكا الاتفاقيات الأمنية والاستراتيجية للمحافظة على بقاء الأمريكيين في أفغانستان كما فعل النظام الذي أقامته أمريكا في العراق وعلى رأسه المالكي بتوقيعه الاتفاقيات الأمنية والاستراتيجية وغيرها.

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار