خبر و تعليق   أوروبا والإسلام: كيف هم الدانماركيون؟
December 02, 2010

خبر و تعليق أوروبا والإسلام: كيف هم الدانماركيون؟

كيف هم الدانماركيون؟ وكيف تصفهم؟ وكيف يتعاملون مع المهاجرين؟ وكيف يتعاملون مع المسلمين؟ ولماذا يتفاخرون بشدة أنهم سنّوا أقسى القوانين المناهضة للهجرة في أوروبا؟

 هذه هي بعض الأسئلة التي سعيت أن أبحث فيها خلال عدة نقاشات جلست فيها مع الإخوة لشرب القهوة خلال الليلالي الثلاث التي قضيتها في كوبينهاجن في الدانيمارك. فهنا كنت في أرض يولانْدْس بوستِن التي منها بدأت الصحيفة بنشر الرسومات سيئة الذكر المهينة لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

 إن معظم الدانيماركيين الذين صادفت في المطار وفي المحلات والمناطق الأخرى مهذبون ومهنيون. وكان انطباعي الأول عند وصولي من لندن أن هذه المدينة جدا حديثة ونظيفة ومنظمة جيدا حتى بالمقارنة مع لندن. كانت الشوارع واسعة وأنظف بشكل ملحوظ من معظم شوارع المملكة المتحدة، وعلى عكس البريطانيين الذين عندهم هاجس في امتلاك بيوتهم الخاصة، فإن جوانب شوارع كوبينهاجن بشكل عام مليئة بالمباني السكنية. فإذا كان المقياس الوحيد لنجاح المجتمع هو الحداثة والتنظيم والتكنولوجيا المتقدمة لمدن ذلك المجتمع فإن الدانيمارك بالتأكيد ستكون إحدى المجتمعات الأكثر نجاحا في العالم. ولكن لأن المجتمعات مأهولة من بشر مختلفين، عليهم العيش سويا، فإن هناك مقاييس أخرى يجب أخذها بالاعتبار عند النظر في تحضر مجتمع أو تحضر فكره. فكيف يعامل المجتمع الكبار في السن، والأقليات والمهاجرين؟ وكم نسبة الانسجام بين الناس المختلفين في عقائدهم وخلفياتهم؟ وفي هذه الحالة الخاصة، كيف يعامل المجتمع المسلمين الذين هم نسبيا ظاهرة حديثة على هذه البلاد؟ وهذه هي المعضلة المشتركة التي تواجه المجتمعات الغربية اليوم.

 كانت هذه بعض المسائل التي سعيت أن أتحراها حينما جلست مع مجموعة منتقاة من المسلمين. أشخاص كسليمان وتشادي ويونس وأنور و كثير غيرهم. هؤلاء المسلمون الشباب الذي أتوا من خلفيات متعددة. فبعضهم كان دانيماركي الأصل واعتنق الإسلام، وآخر كان مغربيا وفلسطينيا ولبنانيا وباكستانيا وبنغلادشيا وصوماليا وغيرها من الخلفيات، وهذه تذكرة حقيقية أن هذه أمة متعددة الأجزاء ولكنها موحدة بلا إله إلا الله محمد رسول الله. هؤلاء المسلمون ولدوا وترعرعوا في الدانيمارك، وتحدثوا لغتها بطلاقة وأيضا هم نشطاء إسلاميون واثقون.

 حسن الضيافة الذي رأيت منهم كان حقا مميزا ويذكر بحديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه..." صحيح مسلم

 خلال تلك الفترة مكثت في نوريبرو، وهي منطقة متعددة الأعراق يقطنها عدد كبير من المسلمين. لقد بدأت من خلال زيارة المناطق المختلفة والنقاش مع الكثير من المسلمين من خلفيات مختلفة، بدأت ألمس كيف يُصور ويُتحدث عن المسلمين من بعض السياسيين والصحفيين. فقد قال بعض السياسيين أن المشكلة هي الإسلام، وليس فقط ما يسمى بـ"الإسلامية". وقال آخرون أن نوريبرو يجب أن تمسح عن الوجود. فسياسي ينادي بهدم منطقة يقطنها جزء من المجمتمع! وحين كان عنف عصابات بين عصابة هيلز إينجلْز بايكر وبعض المسلمين، حيث نتج عنها حملة عشوائية أطلق الرصاص فيها على الأبرياء المارة، قال بعض السياسيين أن هيلز إينجلْز كانوا يدافعون عن القيم الدانيماركية، ما يعني ضمنا أن ذلك العنف كان مقبولا، وآخر النقاشات في الدانيمارك هو عن المرضى الذين يرفضون أن يُعالجوا من قبل أطباء أو ممرضات يلبسون غطاء الرأس! فكيف يُتوقع أن يشعر المسلمون؟

 يظهر أن الرسالة الواضحة للمسلمين ليُقبلوا في هذه المجتمعات، ليس فقط أن يكون أحدهم مواطن يحترم القانون والذي يدفع الضرائب-فهذا ما هو مطلوب من المواطنين الآخرين- ولكن عليه أن يتخلى عن بعض قيمه ومعتقداته الإسلامية.

 وباختصار، فأن الكثير من السياسيين وأجزاء من الشعب لا يستطيعون التعامل مع حقيقة أن لديهم جالية إسلامية لديها بعض القيم والعقائد المميزة والمختلفة. المعتقدات الإسلامية التي تأمرنا أن نجابه الظلم والاحتلال لأراضي المسلمين، مثل العراق وأفغانستان وكشمير. المعتقدات الإسلامية التي تأمرنا أن نعتني بجيراننا وأن نحترم كبيرنا حتى من غير المسلمين.

 والآن، فإن البعض في الدانيمارك وغيرها من دول أوروبا في سباق لتصعيد سياسة الدمج القسرية التي تستهدف المسلمين على وجه التحديد. ويظهر مع الانتخابات القادمة، أن الخطاب الأقسى على الإسلام والمسلمين هو الصوت الرابح، وهذه المواقف موجودة في المملكة المتحدة أيضا.

 أليست المجتمعات الغربية والحكومات هي التي تتفاخر أن المعتقدات في "التعددية" هي أحد أهم الأسس في طريقة حياة العلمانية الرأسمالية؟ أليسوا هم من يدعي "عش ودع غيرك يعيش"؟ لماذا إذن هذا الطلب بأن يغير المسلمون بعض عقائدهم أو سوف يذموا ويحاربوا؟ هل هذه هي الوسائل لخلق الانسجام بين مختلف الناس في المجتمع أم أن هذا يقود إلى زيادة التوتر؟

 بهذه الطريقة التي يجبر فيها المسلمون بقوة أن يرفضوا بعض قيمهم الإسلامية، البعض في أوروبا يُظهرون أنه رغم الحديث عن التعددية و"حرية الاعتقاد" فإنهم مستعدون أن يخالفوا أهم قيمهم بطرفة عين ويظهروا عدم التسامح للآخرين خصوصا للمسلمين. أليست هذه علامة ضعف؟ وهذا بدوره يثير أسئلة جوهرية حول قابلية العلمانية الليبرالية العيش مع هؤلاء الذين لهم مظهر سياسي وفكري وروحي مختلف عنهم مثل الإسلام.

تاجي مصطفى

الممثل الإعلامي لحزب التحرير بريطانيا

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار