August 01, 2011

خبر و تعليق  بريفيك حادثة إطلاق الرصاص في النرويج وردة فعل المسلمين في أوروبا

بعد القتل والتفجير الذي حصل الأسبوع الماضي من قبل آندرس بيرنج بريفيك، فقد سُئل أحدهم في لندن عن ردة فعل المسلمين هناك وكان رده أنهم قد ارتاحوا قائلا: "الحمد لله، أن المسلح لم يكن مسلما". إضافة إلى ذلك فإنهم يظهرون بعض التناقض في الإعلام حيث إن كان الفاعل مسلما، لأطلق عليه "إرهابي"، بينما هو الآن قد وصف بـ"المجنون الوحيد".

لماذا تنحصر ردة فعل أكثرية الجالية الإسلامية بتلك النظرة؟ في الحقيقة، وبعد قرابة العشرة سنين في الإيقاف والتفتيش في الرحلات في المطارات، وبعد قوانين مكافحة الإرهاب، وبعد عداء الإعلام على المسلمين وعلى الشعائر والعقائد الإسلامية (كالنقاب والحجاب، والرسوم المتحركة الدنماركية وغيرها)، بعد كل ذلك فإن الكثير من المسلمين يشعرون أن أفضل مسار للعمل هو الانبطاح وإبقاء رؤسهم منخفضة.

مع ذلك، ومع العلم أن بريفيك قد برر قتله الجماعي زاعما أنه يهدف لإشعال حرب لوقف المسلمين من "السيطرة" على أوروبا، فإن القضايا التي تثار منه وردة فعل المجتمعات والسياسيين على هذه القضايا يجب أن تكون محل اهتمام المسلمين. وبعض القضايا التي تثار هي
• الانتشار الواسع لأجواء كره الأجانب والتعصب ضد المسلمين في أوروبا
• صعود اليمين المتطرف وردة فعل الأحزاب السياسية الرئيسية لذلك
• ردة فعل الحكومات الأوروبية وتأثيرها على المواطنين المسلمين

إن القضايا التي تختارها الطبقة السياسية لعلاجها - القضايا غير المناسبة - بشكل عام تحاط بالكثير من الأسئلة الأمنية: كيف تستطيع أن تأمن المجتمع من رجل وحيد مسلح؟ هل هناك كفاية في تبادل المعلومات بين الحكومات؟ وهذه الأسئلة تحرف بعض الاهتمام عن المشكلة الخطيرة التي تواجه أوروبا من التصرفات العنصرية وكراهية الأجانب، وصعود اليمين المتطرف، وتفاقم الوضع الاقتصادي. كل هذا يبين المفارقات والتناقضات الصارخة في صنع السياسات تجاه المسلمين وغير والمسلمين.

كراهية الأجانب في أوروبا
لقد ظهر للكثير صعود اليمين المتطرف في كل أنحاء أوروبا خلال السنوات الأخيرة - سواء صعود جورج هيدر أو جيرت وايلدرز، أو الأحزاب اليمينية في شرق أوروبا والتي بعضها متحالف مع الأحزاب السياسية الرئيسية في البرلمان الأوروبي، أو الحزب الوطني البريطاني ورابطة الدفاع البريطانية في المملكة المتحدة. فالمخاوف من هذا تنبع من تجربة أوروبا في القرن العشرين مع الفاشية والكراهية للأجانب.


ومن المفارقات، فإن السياسات التي اتخذت منذ ثلاثين سنة والتي كانت تهدف إلى الحد من هذا السلوك - مبدأ التعددية الثقافية - تهاجم الآن من قبل السياسيين المعروفين في أوروبا أمثال ديفيد كاميرون وأنجيلا ميركل بأنها فاشلة. ولذلك فإنهم يعززون النظرة العنصرية التي تطالب المسلمين بالاستيعاب وأن يصبحوا كالغربيين، ويحظروا الرموز الإسلامية (مثل الحجاب والنقاب، والمآذن) وينتقدوا المهاجرين بكثرة (بالرغم أن اقتصادهم يعتمد على العمال المهاجرين). ونتيجة لذلك، فإن موقفهم هذا يمدح من قبل اليمين المتطرف كرئيس الجبهة الوطنية العنصرية الفرنسية، مارين لي بين - وهذا يوضح التقارب السياسي بين السياسيين المعروفين مثل ديفيد كاميرون واليمين المتطرف الذي يكره كل أشكال الثقافة الأجنبية. فكلاهما متوحد على الخطاب المعادي للإسلام، والسياسات التي تجبر المسلمين على الاندماج.


إن المسلمين الأوروبيين يجدون أنفسهم بين اليمين المتطرف - الذي يكره الأجانب وأي شيئ أجنبي - والطبقة السياسية، التي تكره التزام المسلمين بالقيم الإسلامية، التي هي جزء من الصحوة العالمية لفكرة الإسلام، التي تهدد الهيمنة الرأسمالية في العالم الإسلامي.

وإضافة إلى ذلك، فإن المسلمين يرون صمت السياسيين على قضية الخوف من الإسلام في التغطية الإعلامية، والتي ساعد فيها السياسيون منذ البدء في إنشائها.

يظهر من ردة الفعل منذ تفجيرات أوسلو وإطلاق الرصاص في أوتويا، يظهر أننا سنرى الآن وجها آخر في التعامل. فتفجيرات لندن عام 2005 نتج عنها سلسة من ورش العمل والنقاشات شكلت بسرعة، والتي بعدها ساد بسرعة فكرة أن سبب التفجيرات كان فكرة سياسية إسلامية كان لا بد من علاجها. فتطور النقاش ليس فقط إلى مجرد الحد من الأفكار "العنفية المتطرفة" بل أي فكرة "متطرفة". وهذا هو النموذج العملي الحالي في المملكة المتحدة وغيرها من دول أوروبا، والتي تقود إلى الضغط غير الشرعي على المتحدثين المسلمين والجماعات الإسلامية وحظر الزوار من دخول بريطانيا (كما حصل مع الشيخ القرضاوي).

إنه من غير المتوقع أبدا أن يكون هناك استراتيجية مماثلة للتعامل مع الأفكار التي قد تسهم أو قد لا تسهم في أيديولوجية أندرس بريفيك - النصراني والماسوني. مهما كانت الأفعال التي يتخذها السياسيون على الأفراد والجماعات "المتطرفة"، فإننا من غير المتوقع أن نرى منعا للمفكرين والمعلقين من الجناح اليميني المحافظ من الإعلام ونشر فكرتهم - الذين قد يأثرون أو لا يأثرون على الأفكار "المتطرفة". وبالفعل فقد دافع أحد الوزراء السابقين لسيلفيو بيرلسكوني عن تفكير النرويجي أندرس بريفيك منفذ القتل الجماعي. وقال فرانسيسكو سبيروني العضو القيادي في الرابطة الشمالية، الشريك الأصغر في ائتلاف بيرلسكوني، قال في مقابلة في برنامج راديو مشهور: "أفكار بريفيك هي للدفاع عن الحضارة الغربية". وقال آخرون أنه يجب أن يكون هناك نقاش أعمق حول "اندماج" المسلمين وما زال هناك حديث عن خطورة المسلمين على الثقافة الغربية.

المستقبل؟
بالرغم من تاريخ أوروبا وحربيها العالميتين "ضد الفاشية"؛ وإلى هذا اليوم، فإنها لم تجد نموذجا يوفر الانسجام بين الناس، أو كيف يوطن أناس من ألوان وعقائد مختلفة.

تاجي مصطفى
الممثل الإعلامي لحزب التحرير في بريطانيا

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار