خبر وتعليق   أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ   (مترجم)
November 05, 2013

خبر وتعليق أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ (مترجم)


الخبر:


ذكرت صحيفة Standard يوم الخميس 31 تشرين الأول/أكتوبر 2013 أن الحكومة تخطط لتنفيذ حملة واسعة لترويج سياسة تقضي بأن لا تضع الأمهات سوى طفلين فقط. وتأتي هذه الخطوة عقب تحققها من أنه لم يعد في مقدور البلاد تحمّل عدد السكان حسب معدلات الولادة الحالية التي تزيد على أربعة أطفال للأم الواحدة. ويقول "تحليل الوضع السكاني في كينيا" الذي صدر عن وزارة الحكم المحلّي والتخطيط يوم الأربعاء من هذا الأسبوع أن الطلب على الأطفال في كينيا ما زال كبيراً ويجب تخفيضه. حيث يقول التحليل، الذي يعدّ أول تحليل من نوعه يجري في بلد أفريقي، ما نصّه "إن الطلب على الأطفال ما زال عالياً، ومن غير المحتمل أن يتغير إلا إذا تم تحقيق تغييرات جوهرية في حجم الأسرة المرغوب فيها بين الفقراء عموماً، وبخاصة في المناطق الشمالية القاحلة وشبه القاحلة من البلاد".

التعليق:


تشير تقديرات صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن سكان العالم الذين بلغ عددهم في منتصف 2013 نحو 7.2 مليار سيرتفع بمقدار مليار إنسان تقريباً خلال الإثني عشر عاماً القادمة. ومن المتوقع كذلك أن يصل إلى 8.1 مليارًا في 2025، ويرتفع إلى 9.6 مليارًا في 2050 وإلى 10.9 مليارًا بحلول 2100. ويتوقع الصندوق أن يقع جزء كبير من الزيادة بين 2013 و 2050 في البلدان عالية الخصوبة في أفريقيا وآسيا بصورة رئيسية. وفي المقابل، يتوقع لعدد السكان في الأقاليم الأكثر تقدماً أن يشهد تغيراً طفيفاً، فسيرتفع من 1.25 مليارًا في 2013 إلى 1.28 مليارًا في 2100. وتعزى الزيادة بشكل كبير إلى الهجرة من البلدان النامية إلى البلدان المتقدمة.


إن النظرة المتفحصة لمثل هذه الإحصاءات تكشف أن المقصود منها رفع إشارة التحذير من التهديد المحسوس الذي تفرضه معدلات النمو السكاني الحالية على العالم. فالأساس الذي تستند إليه هذه الإحصاءات هو الإيديولوجية الرأسمالية، التي تفترض أننا نعيش في عالم ذي حاجات لا محدودة وموارد محدودة، أي أن المشكلة الاقتصادية التي تواجه العالم هي مشكلة إنتاج. وهذا يعني أن أي نمو سريع في عدد السكان يؤدي إلى إجهادٍ للموارد المحدودة، ما يمكن أن يقود إلى نزاع بين الأمم. وقد أدت هذه النظرة بالكثير مما يسمى بلداناً متقدمة إلى تشجيع فرض قيود على عدد السكان من خلال حملات واسعة للتخطيط الأسري. فقد دأب الأوروبيون عموماً على أن يكون لديهم عدد أقل من الأطفال، وذلك نتيجة اتخاذ كثير من الآباء والأمهات قراراً بتأخير تشكيل أسرة. ويعتبر معدل الخصوبة الكلية البالغ قرابة 2.1 ولادة حية لكل إمرأة هو المستوى اللازم لتعويض الوفيات، في حين يقل المستوى في أوروبا حالياً عن 1.5. وقد كان لهذا الأمر تأثير مدمر، إذ صارت القوة العاملة تشيخ بسرعة دون أن يكون هناك تعويض لها من المواليد الجدد. والمثير للدهشة أنه عندما يحاول المهاجرون، الذين تأتي غالبيتهم من بلدان إسلامية، سدّ هذه الفجوة، ترتفع الأصوات التي تشكو من الانفجار السكاني! غير أن القيود على زيادة عدد السكان سببت كذلك آثاراً أخرى غير مرغوب بها، مثل تهريب الأطفال والإجهاض. حيث يجري تهريب الأطفال من أجل التبنّي في ذات الوقت الذي باتت فيه عمليات الإجهاض شائعة في بلدان كثيرة. وإنه لمما يثير القلق الكبير أن تزعم بلد مثل كينيا أن معدل النمو السكاني مرتفع جداً بينما توجد مساحات شاسعة من الأراضي غير المأهولة التي تترك بوراً بسبب الإهمال. بل وما يبعث على الاستغراب أن الإحصاءات تشدد على النمو السكاني السريع في المناطق القاحلة وشبه القاحلة التي يشكل المسلمون غالبية سكانها. فهل يمكن أن تكون هذه خطوة خبيثة لتحديد عدد السكان المسلمين؟ بل وما يثير العجب أكثر هو أن كينيا، التي تدّعي أنها أكثر الاقتصادات تقدماً في المنطقة، قد فشلت في رعاية واستغلال المورد البشري الوفير المتاح لها، حيث نشاهد خريجي الجامعات يعملون في وظائف وضيعة! إن جشع الأقلية الثرية، الذي يدفعها لجمع المزيد والمزيد من الثروات، يجعلها تخشى الأغلبية الفقيرة التي يمكن أن تثور في يوم من الأيام عليها. هذا هو السبب الحقيقي الذي جعلنا نسمع على مدى ما يزيد على قرن من الزمان مثل هذه الإحصاءات التي تحذر من معدلات النمو السكاني.


إن الإسلام إيديولوجية لديها الحل الناجع، لأنه يرى أن المشكلة الاقتصادية هي في توزيع الثروات، وليست مشكلة إنتاجٍ كما ترى الرأسمالية. وبناءً على ذلك، توفر الدولة بيئة تمكينية يكون في مقدور جميع رعاياها فيها الوصول إلى النشاطات المولّدة للدخل، كما يحصل غير القادرين منهم على المساعدة من الدولة على شكل زكاة وأُعطيات من الدولة (بيت المال). بل وأكثر من ذلك، إن الاسلام في الحقيقة يشجع معدلات الولادة المتتالية، لأن الشباب يشكلون العمود الفقري لأية دولة تسعى إلى التطور والتقدم. كما ويوجد في العالم موارد ضخمة تكفي لتلبية جميع احتياجاتنا، ولن يأتي وقت يملأ فيه الجنس البشري العالم كله، لأن الخالق سبحانه وتعالى وضع طريقة طبيعية لإيجاد التوازن في عدد السكان، وذلك من خلال الموت الطبيعي.


كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
قاسم أغيسا
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في شرق أفريقيا

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار