خبر وتعليق   آخر ما تفتقت عنه أذهان المضللين
January 03, 2014

خبر وتعليق آخر ما تفتقت عنه أذهان المضللين


الخبر:


نشر موقع ال بي بي سي الخبر التالي: (نظمت مؤسسة "بلادي جزيرة للإنسانية" والجمعية الأهلية لتنمية الوعي الفكري والثقافي فاعلية بعنوان "إجري من السياسة" تستهدف التركيز على الهموم المباشرة للمواطن المصري وإخراجه من حالة الاحتقان السياسي التي تشهدها البلاد.


وتعتمد الفاعلية على الفن والرياضة كوسائل لجذب الجمهور في اتجاه العمل المدني وذلك من خلال حدث ماراثون يحمل نفس العنوان انطلق الثلاثاء.


ويريد المنظمون توصيل رسالة إلى المجتمع تتضمن أن الثقافة والفن مع الحضارة المصرية العريقة هي نقاط انطلاق نحو التقدم والرقي.


وقال جورج إسحق، السياسي وأحد مؤسسي حركة كفاية، لبي بي سي إن "الشعب المصري في حاجة إلى الهدوء والسلام بعد سنوات من الحراك السياسي حتى يتسنى له استعادة الرؤية الواضحة واتخاذ القرارات الصحيحة فيما هو قادم, فسيطرة السياسة على جميع فئات المصريين ليست بالأمر الجيد، حيث صرفت الناس عن معاناتهم الحقيقية ومشكلاتهم التي لا حصر لها ولا بد من العودة إلى العمل المدني لإصلاح ما فسد وإحراز تقدم".


وأضاف أن "السياسة لها من يقوم عليها من قوى سياسية وثورية وأحزاب وحركات تنشغل في إقامة الدولة المدنية على أسس سليمة بينما ينصرف باقي المجتمع لحل مشكلاته وتوفير حياة أفضل").


التعليق:


وأخيرا أعلن السياسيون رفع الراية البيضاء أمام الشباب الهادر الذي أفاق من سكرة التحليق وراء الأحلام الوردية التي ستجلبها له الديمقراطية على أيدي سياسيي بلادهم الملهمين، وخلع لباس الطفولة التي أُلْبِسَهُ زوراً وبهتانا، وقرر انتزاع المبادرة من هؤلاء السياسيين، الذين ساموه سوء العذاب بحماقاتهم وغبائهم وتبعيتهم للغرب... وعبثاً حاول السياسيون التقليديون لجم ثورة الشباب واندفاعهم لانتزاع حقوقهم في تقرير المصير وبناء حياة سياسية تليق بشباب أعرق أمة على مدى التاريخ الإنساني... ولما فشلوا في احتواء الشباب وثورتهم، وفي حرفهم عن مسارهم وتتضليلهم عن هدفهم... لجؤوا إلى استعمال سلاحهم التقليدي: العنف والشدة لإرهابهم وإعادتهم إلى حياة الخنوع والاستسلام التي طالما عاشها آباؤهم وشاركهم الأبناء فيها ردحا من الزمان، لكنهم فشلوا في هذه أيضاً، ولم تزد سياسة البطش والقتل هذِهِ الشبابَ إلا إصرارا على متابعة المسيرة مهما طال الزمن وعظمت التضحيات... فلا عودة بعدُ لحياة الذل والخنوع، ولا استسلام بعد اليوم لمشاريع الغرب وعملائه، بل سير حثيث نحو حياة كريمة ومستقبل مشرق يكون الإسلام فيه وحده هو المُوَجِّه، ودولته هي الخيمة التي تُظِلُّ المسلمين بل الخلق أجمعين... لكن الغباء أو الاستغباء هو آفة أنى لمن ابتلي بها أن يبرأ منها، أو لعله التعلق بأي خيط للنجاة حتى لو كان خيط عنكبوت... هذا هو حال السياسيين اليوم، المطالبين بالتزامات تعهدوا بها لأسيادهم من دول الغرب، أن لا يسمحوا للإسلام أن يمر أو أن يتركز في شباب الأمة.


فها هي المبادرات المتنوعة للعمل المدني التطوعي تعود لتدعو الشباب للعمل من خلالها لتحقيق ما يصبون إليه بأقل التكاليف وأقصر الطرق... فهل حقاً تستطيع هذه المبادرات حل مشاكل المجتمعات؟ وهل العمل التطوعي يغني عن تولي الدولة لمسؤولياتها تجاه رعيتها؟ وهل الهروب من السياسة هو الحل لمن نزل إلى الشارع ورفع صوته يطالب بإسقاط الأنظمة الظالمة وإعادة الحكم الرشيد؟


هل الشباب الذي وصل إلى هذه المرحلة من التضحية والإقدام، يمكن أن ينخدع بهذه الدعوات الجوفاء؟


ماذا تعني عبارة "إجري من السياسة"؟


أليست السياسة هي رعاية الشؤون؟ أليس هذا هو دور الدول في العالم؟ أليس لهذه الغاية أقيمت المجتمعات الإنسانية؟ فإن كان الأفراد سيتولون رعاية مصالحهم بأنفسهم فما فائدة الدولة؟ وما دور السياسيين إذن؟ ماذا يتبقى لهم من عمل بعد أن يهتم كل بمصالحه ويديرها وفق هواه؟


حقاً إنه الاستغباء... إذا كنت ناقماً على وضعك راغباً بالتغيير فاذهب إلى ماراتون واركض حتى تعجز قدماك عن الركض، لتخرج ما بداخلك من غليان وتعود إلى البيت مهدوداً فتستغرق في النوم ولا تتذكر مأساتك، أما إن كنت طامحاً إلى حياة العزة والفتوحات والانتصارات، فالتحق بناد رياضي، وتحدى الفرق الأخرى، ثم قاتل بكل قوتك لتفوز عليهم وتهزمهم في ساحات الملاعب، وتعود بالكؤوس والميداليات، وتصبح أنت شخصية العام، فذلك هو النصر المبين. أما إن كنت جائعاً أو مريضاً، فاذهب إلى الشارع لتشاهد فرقة فنية تغني لك أو ترقص أو تقوم بما تخصصت فيه من إبداع فإنك حينها ستنسى الجوع والمرض وتعود إلى بيتك قرير العين مكتف بما ملأت به عينيك وأذنيك من أصوات شجية وصور بهية.


ولا تنسَ! إن كان الطريق في بلدتكم أو حيكم غير معبد أو مليء بالحفر والتشققات فكن أنت المبادر وشكل مع بعض الشباب جمعية مدنية، واجمع من أهل الحي المال وقوموا أنتم بتعبيد الطريق وإصلاحها، فهذا ليس من السياسة القذرة بل هو عمل محمود لأنك تخفف من أعباء الدولة المسكينة، فالدولة ليس عندها وقت لهذه الخدمات العادية... لا! أنتم بحاجة إلى مستشفى؟ أو مدرسة؟ التجمعات المدنية التطوعية هي الحل... اجمعوا التبرعات من الناس وابنوا المدارس والمستشفيات والمستوصفات والمكتبات والمتنزهات وأي شيء آخر يلزمكم فالدولة عندها أمور أعظم من هذه الخدمات التقليدية لتقوم به... إنها على موعد مع صندوق النقد الدولي ليجدول لها ديونها ويعطيها دفعة أخرى من الديون، فتكاليف السفر للحكام باتت باهظة وأسعار المواد التي يحتاجونها هم وأسرهم وأبناؤهم ارتفعت ولم تعد أموال الضرائب وعائدات الملكيات العامة قادرة على تغطيتها، وعلى الدولة أن تسعى لهذه الغاية النبيلة، وتبذل في سبيلها كل غال ونفيس، ولا تضيع وقتها في تقديم الخدمات للرعية، ومن غير الشباب يمكنه أن يكفيها ذلك كله؟ ما عليه سوى القيام بحملات تطوعية.


تقول ال بي بي سي في خبرها (ورغم ضعف الموارد، فإن الشباب تمكن من تأسيس "بلادي جزيرة للإنسانية"، المؤسسة المنظمة لماراثون "إجري من السياسة" من تقديم خدمات للمجتمع في قطاعات هامة وحيوية أهمها التعليم والنظافة ومكافحة التحرش. يؤكد ذلك ما صرح به الناشط السياسي عبد العظيم عبده لبي بي سي إن "الاتجاه إلى العمل المدني وتقديم الخدمات التطوعية للمجتمع هدف نبيل في حد ذاته ويمكن للشباب تحقيقه بإمكانات بسيطة لتعود فائدة كبيرة على المجتمع).


باختصار... بدل أن تشغلوا أنفسكم أيها الشباب بالعمل لتحقيق المستحيل، اعملوا على المتاح... فهذا الشعار رغم ما جره علينا من الويلات لا زال وحده هو المتاح.


قاتل الله المنافقين، وحمى شبابنا من كل ماكر لئيم، وعَجَّلَ لنا بالنصر والتمكين، اللهم آمين

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم جعفر

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار