September 30, 2013

خبر وتعليق ادعاءٌ بأن مصطفى هادم الخلافة أوصى بإقامتها بعد خمسين عاما


الخبر:


منذ فترة يتداول بعض كتاب الصحف والمؤرخين والباحثين في تركيا الادعاء القائل بأن مصطفى كمال الذي أعلن عن موته في 10 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1938م قد كتب قبل ذلك بشهرين تقريبا أي في 5 أيلول/سبتمبر عام 1938 وصية وصادق عليها لدى كاتب العدل. وكتب على المغلف أن تفتح بعد فترة 50 عاما.

وذكر في الادعاء أنه بعد مرور هذه الفترة أي في عام 1988 فتح رئيس الجمهورية آنئذ كنعان أفرين هذا المغلف ومن ثم أغلقه وأوصى بفتحه بعد مدة 25 عاما لأن المجتمع ليس مهيّأً لما تحتويه الوصية. والآن وفي ذكرى وفاة مصطفى كمال ستنتهي هذه المدة وينتظرون إعلانها. وأغرب ما في هذا الادعاء أن مصطفى كمال أوصى بإقامة الخلافة بعد 50 عاما!


التعليق:


نريد أن نذكر تفصيلا مختصرا لهذا الادعاء ونبين بطلانه والغرض منه:


1- أحد الباحثين على إحدى القنوات التركية من الذين يؤيدون هذا الادعاء ويسنده بقوله: إن "مصطفى كمال قال إن الجمهورية والخلافة هما بمعنى واحد".

ولكنه اعترض على نظام السلطنة والذي يعني فيه ألا تكون الخلافة وراثية، وذلك للحفاظ على الخلافة. نعم؛ إن مصطفى كمال ذكر في قانون إلغاء الخلافة في البند الثالث ما يلي: "الخلافة والجمهورية والحكومة كلها تحمل معنى واحدا، ولذلك تلغى الخلافة". فإذا كانت هذه المصطلحات الثلاثة تحمل معنى واحدا، فلماذا تلغى الخلافة ويؤتى بمفهوم أجنبي له معنى يخالف مفهومها؟! فالخلافة رئاسة عامة لجميع المسلمين لتطبيق شرع الله عليهم وحمل الدعوة الإسلامية للعالم. وقد وردت في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على هذا المعنى وطبقها الخلفاء الراشدون من بعده. وأما الجمهورية فمفهومها أن الحكم للشعب ينتخب رئيسه لفترة معينة ليطبق عليه ما يشرعه الشعب أو ممثلوه في البرلمان ويسقطه متى شاء. والحكومة تابعة لهذا المفهوم أيضا. وأما الخلافة؛ فالخليفة ينتخب من قبل الأمة ويبايع على تطبيق شرع الله فقط ولا يحق للأمة أن تسقطه، بل إنه يسقط عندما يظهر عليه ما هو مخالف لشرع الله عند المسلمين فيه برهان من الله، والذي يقرر ذلك هو محكمة المظالم. وأما الخلفاء الذين أتوا بتوصية أو بترشيح من آبائهم أو إخوانهم مثل خلفاء بني عثمان فقد كانوا يأخذون البيعة من الأمة وكانوا يطبقون شرع الله. وأما الخطأ فيها فهو حصر المرشحين في أبنائهم وأقاربهم، وهذه تعتبر إساءة تطبيق، والأصل أن يرشح الخليفة الأصلح بصرف النظر عن أبنائه أو أقاربه، كما فعل عمر رضي الله عنه عندما رشح ستة بناء على طلب الأمة؛ لأن حصر المرشحين للخلافة من حق الأمة أو من تنيبه عنها مثل مجلس الأمة الذي سيتألف من المنتخبين من قبلها بعد إقامة الخلافة.


2- مصطفى كمال بعدما هدم الخلافة لم يُبق على أحكام الشرع في ظل الجمهورية والحكومة التي أقامهما، بل أزال أحكام الشرع كلها وحاربها وجلب دستورا وقوانين من الغرب وأعلن العلمانية، وحارب دعاة الخلافة بشراسة وأقام لهم ما سمي بمحاكم الاستقلال لتصدر أحكام الإعدام فورا على كل من يريد الخلافة أو لا يخضع للنظام الجمهوري. فأعدم الآلاف من الناس ومنهم علماء. وقام بشن الحرب على الذين حملوا السلاح لإعادة الخلافة. فيروى أنه دمر قرى بكاملها وقتل ما يزيد عن مئتي ألف من الناس. ومنع مجرد ذكر الخلافة، وأصدر ما أطلق عليه بانقلابات مصطفى كمال، مثل منع اللباس الشرعي للمرأة، فأجبرها على خلع الخمار والجلباب بالقوة، ومنع إطلاق اللحى للرجال، ومنع استخدام الأحرف العربية في الكتابة واستبدلها بالأحرف اللاتينية، وأباح الخمور والزنا، فأسس في كل مدينة بيت دعارة ويطلق عليه البيت العام وهو مرخص من قبل الدولة وما زال ذلك قائما، وألغى مهمة الجيش التي كانت محصورة في الجهاد لنشر الإسلام والدفاع عن المسلمين وأراضيهم في كل مكان، وحصرها في المحافظة على النظام الجمهوري وعلى الحدود الوطنية لتركيا فقط. وربط تركيا بالغرب وخاصة بالإنكليز الذين كانوا يشرفون على الدولة، وقطع كل صلة له بالإسلام وبما يمت إليه من عرب وعربية.


3- فهل يعقل إذن أن يكون مصطفى كمال الذي فعل كل ذلك أن يوصي بإقامة الخلافة؟ لا قطعا. ولكن يظهر أن الترويج لذلك الادعاء وراءه قوى معينة، وربما الحكومة لها ضلع فيه، لأنها لا تمنع مناقشة ذلك بشكل علني وعبر وسائل الإعلام التي تحت إشرافها ورقابتها، فيظهر أن للحكومة ومن ورائها أمريكا أغراضا معينة من ذلك، وأهمها تمييع فكرة الخلافة، بعدما استطاع حزب التحرير أن يؤثر في الرأي العام بتركيا وفي العالم بإحياء هذه الفكرة والعمل على إقامتها، وأصبح موضوع إقامتها قاب قوسين أو أدنى بإذن الله، وخاصة ما ظهر في سوريا من دعوة كثير من الثائرين لإقامة الخلافة. وما يؤكد ذلك أن المروجين لمثل هذا الادعاء يريدون أن تقام خلافة يحكمها الأتراك، أي تغلب عليهم الناحية القومية، وهم مشبوهون ليس لهم علاقة بالعمل للإسلام، عدا عن أن الأفكار التي تتعلق بالخلافة التي يدعونها وما يتعلق بنظامها ودستورها وقوانينها كلها غامضة. مع العلم أن حزب التحرير منذ ستين عاما يعمل على إقامة الخلافة وقد وضح كافة الأفكار المتعلقة بها، وأصدر مشروع دستورها وشرحا لمواده بالأدلة الشرعية، وكتبا تتعلق بأنظمتها وسياستها الداخلية والخارجية، وبين أنها إسلامية خالصة لا توجد لها أية صبغة وطنية أو قومية أو مذهبية أو طائفية. وهم لا يشيرون لهذا الحزب ولدعوته، بل يحاربونه ويقومون بحظره واعتقال شبابه وإصدار أحكام سجن قاسية عليهم.


4- إن أكثر ما يخشى منه أثناء العمل على نهضة الأمة وإقامة خلافتها هو عملية تمييع الإسلام وأفكاره وما يتعلق به، وعملية التوفيق بين نظمه وأفكاره والنظم والأفكار الغربية. مثل أن الديمقراطية هي الشورى أو أنها تساوي الانتخابات في الإسلام، وأول من نشر ذلك هم الغربيون عن طريق عملائهم وإعلامهم وسفاراتهم بعد مؤتمر برلين عام 1878 الذي قررت فيه الدول الغربية العمل على إسقاط الخلافة وتمزيق الدولة الإسلامية ومن ثم تقاسم أراضيها. فقد قرأت لأحد أعضاء حزب الاتحاد والترقي مقولة بالتركية كتبها عام 1881 يقول فيها بأن الديمقراطية من الإسلام وتعني الشورى. وقام هذا الحزب الذي تأثر بأفكار الغرب بانقلاب على الخليفة عبد الحميد الثاني عام 1908 ليقيم النظام الديمقراطي عندما أصدر دستورا أشبه بالدساتير الغربية، ومن بعده جاء مصطفى كمال وهدم الخلافة وأعلن النظام الجمهوري الديمقراطي ومن ثم أعلن العلمانية. وما زال هناك أناس مضللون ومشايخ مضلون يروجون لهذه الفكرة تمادوا في غيهم إلى أن قالوا إن الديمقراطية توبة وتقرب إلى الله! وانخدع كثير من الناس بها، وتقوم جماعات يطلق عليها إسلامية معتدلة بالترويج لذلك، وهي واقعة في مستنقع الديمقراطية وتصطلي بنارها وتذوق ويلاتها وتتجرع مرارتها. ولكن وجود المخلصين والواعين من الأمة كشباب حزب التحرير هو فضل من الله ورحمة منه حتى ينقذ الأمة ويحفظ دينه ويعلي من شأنه ويعيد مجد الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أسعد منصور

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار