February 17, 2012

خبر وتعليق على المسلمين الوقوف في وجه الأمم المتحدة

" ظهرت الأمم المتحدة نتيجة لاتفاق بين القوى العظمى من قبل روزفلت وتشرتشل وستالين، حيث خلصوا إلى أنّ تأسيس منظمة عالمية يصب في مصلحة دولهم، لذلك فإنّه ينبغي على المرء أن يتساءل لماذا خلصوا إلى هذا ومن ثم ادعوا أسباب المثالية؟ " مارك مازور.


إنّ استخدام حق النقض "الفيتو" المزدوج الأخير من قبل روسيا والصين ضد قرار الأمم المتحدة الداعي لإزالة الأسد أدى إلى انتقادات دولية واسعة وكشف مرة أخرى عن دور الأمم المتحدة كأداة استعمارية لمساعدة القوى الكبرى في حماية مصالحها في العالم الإسلامي، فالصراع الأخير في الأمم المتحدة هو من نواح عديدة، وبإعادة الذاكرة إلى التصويت ضد قرار العراق في عام 2003 يظهر بوضوح انقسام الدول الكبرى على حماية مصالحهم المادية في سوريا، فحينها اعترضت روسيا وفرنسا على الحلف الأنجلو أمريكي ضد الجهود الرامية إلى الحصول على شرعية دولية في غزوه للعراق وإسقاط نظام صدام حسين.


وهذه المرة، تناغمت الصين وروسيا من أجل تأمين مصالحهما الإستراتيجية في سوريا من خلال إطالة عمر نظام الأسد، في حين ترى الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا غير ذلك، وكلا المعسكرين يستغلان لغة الدوافع " الإنسانية " لإخفاء دوافعهما الخفية وتبرير مواقفهما في الأمم المتحدة، ومع ذلك، فإن الجانب الأكثر حزنا لهذه الملحمة المستمرة هو الدعم غير المحدود للأمم المتحدة من قبل الحكام في العالم الإسلامي، وبطريقة أو بأخرى فإنّ هؤلاء الحكام يعتقدون أنّه من خلال السعي نحو شرعية الأمم المتحدة والتضرع للقوى الكبرى يمكن أن تُحل مشاكل الأمة الإسلامية، بالرغم من أنّ التاريخ يعلمنا عكس ذلك تماما.


ومنذ ولادة الأمم المتحدة في عام 1945، فقد تم استخدامها من قبل القوى الكبرى لتعزيز هيمنتها في جميع أنحاء العالم. وقد عانت الأمة الإسلامية بسبب الأمم المتحدة أكثر من أي أمة أخرى، فقد استخدم الغرب الأمم المتحدة في تقسيم البلاد الإسلامية مثل فصل بنغلادش عن باكستان، وفي تقطيع أوصال البوسنة وفصل تيمور الشرقية عن اندونيسيا، وعلاوة على ذلك فإنّه تم استخدام الأمم المتحدة من قبل أمريكا لوضع خنجر في قلب الأمة الإسلامية من خلال إنشاء دولة لليهود عام 1948، ودعم وجودها عن طريق إصدار 58 قرار فيتو منذ عام 1972.


وبناء على وصاية القوى الغربية، فقد لعبت الأمم المتحدة دورا محوريا في عزل المسلمين عن بعضهم البعض، ففي تسعينات القرن المنصرم فرضت عقوبات صارمة ضد العراق وإيران والسودان وأفغانستان، وقد أدت هذه العقوبات إلى وفاة الملايين من المسلمين، وعندما سئلت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت عن وفاة نصف مليون طفل في العراق قالت "أعتقد أنّ هذا خيار صعب جدا، ولكنه الثمن - نعتقد أنّ الثمن يستحق ذلك". وعلاوة على ذلك، فإنّ الغرب استخدم الأمم المتحدة لتبرير غزو الصومال واحتلال العراق وأفغانستان.


كما أنّ القوى الكبرى الأخرى تمتلك سجلات سيئة السمعة في قتل المسلمين، وتستخدم الأمم المتحدة للتملص من جرائمها، فمثلا لم تفعل الأمم المتحدة شيئا يُذكر لوقف القتل في الشيشان، أو المذابح العشوائية للمسلمين في تركمانستان الشرقية (مقاطعة شينجيانغ في الصين)، وقد منعت كل من روسيا والصين مرارا وتكرارا الأمم المتحدة من التحقيق في مثل هذه الفظائع، فهذه القوى الكبرى تبذل قصارى جهدها في قمع الإسلام والمسلمين. قال الله تعالى [ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ].


نظرا لسجل الأمم المتحدة الجنائي ضد العالم الإسلامي، فإنّ جهودها المعادية لقمع وحدة المسلمين في عدم قدرتها على كبح جماح الهيمنة الأمريكية، فإنّه لا يمكن تصور لماذا يهرول حكام العالم الإسلامي بعمى إلى الأمم المتحدة، لقد خان هؤلاء القادة الله سبحانه وتعالى ورسوله، صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ].


لقد كان حقا على أي حاكم عاقل عنده القليل من الحس السليم أن يقطع العلاقات مع الأمم المتحدة، فمن شأن ذلك أن يعطي فرصة أفضل لمحاربة الإمبريالية، وحماية الأمة الإسلامية.


أما بالنسبة لبعض المسلمين الذين يتشبثون بشعاع خافت من الأمل وعندهم أمل في أنّ الأمم المتحدة ستنقذهم من محنتهم، فإنّه ينبغي عليهم أن يأخذوا حذرهم، فإنّ الله سبحانه وتعالى يقول [ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ].


والمفارقة المريرة اليوم هي أنّه في الوقت الذي يوالي حكام المسلمين الأمم المتحدة، فإنّ القوى الكبرى تدرك محدودية قدرة الأمم المتحدة ولا تزال تسعى للحيلولة دون نهضة إسلامية عالمية، ففي مثال سوريا، فإنّ أمريكا وبريطانيا (تماما كما فعلوا في عام 2003 في العراق) يستكشفون وسائل بديلة لإسقاط نظام الأسد، فقد طلبوا دعم قطر وتركيا لحماية مصالحهما في سوريا.


إنّ المصدر الوحيد القادر على حماية الأمة الإسلامية من عدوان القوى الكبرى وأداة الطغيان الدولي، الأمم المتحدة، هو في ظهور دولة إسلامية قوية، فقد كانت سياسة الخلافة العثمانية الحازمة تجاه أوروبا هي التي دفعت الدول الأوروبية لإبرام معاهدة ويستفاليا والسعي لتأسيس القانون الدولي، ولكن وقفت الخلافة العثمانية بحزم ضد القانون الدولي، وقد كانت قادرة على مطالبة الدول المتحاربة بالتوقيع على معاهدات السلام وفقا لشروطها، ودون التنازل عن موارد الأمة أو المساومة على القيم الإسلامية.


يجب على المسلمين أن لا يرجوا مساعدة من الأمم المتحدة، بل عليهم مضاعفة جهودهم لإعادة إقامة الخلافة ومبايعه الخليفة الذي سوف يحميهم من هجمة القوى الكبرى، روى مسلم عن أبي هريرة أنّه قال، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال [ الإمام جُنًّة يقاتل من ورائه ويتقى به ].


عابد مصطفى

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار