خبر وتعليق   الآثار المترتبة على هجوم أمريكا على سوريا
September 09, 2013

خبر وتعليق الآثار المترتبة على هجوم أمريكا على سوريا


الخبر:


التقى أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي مؤخراً للتوصل إلى مشروع قرار يخول الرئيس باراك أوباما تنفيذ ضربة أمريكية ضد سوريا مدتها 60 يوماً، قابلة للتمديد 30 يوماً. وسيتم التصويت قريباً على مشروع القرار من قبل الكونغرس استجابة لمطلب أوباما في الحصول على موافقة من صانعي القانون في الولايات المتحدة، حيث قال الرئيس أوباما في الأول من سبتمبر/أيلول 2013م: "الآن، وبعد دراسة متأنية، قررت أن تقوم الولايات المتحدة باتخاذ إجراءات عسكرية ضد أهداف تابعة للنظام السوري... وبصفتي رئيس أقدم دولة دستورية ديمقراطية في العالم اتخذت قراراً آخر، وهو السعي لأخذ الإذن من ممثلي الشعب الأمريكي في الكونغرس لاستخدام القوة العسكرية".

التعليق:


مرة أخرى نجد الولايات المتحدة على وشك مهاجمة بلد مسلم آخر، بعد أن شنت بالفعل الحروب ضد أفغانستان والعراق وباكستان والصومال واليمن وليبيا خلال العقد الماضي أو نحو ذلك، ولم تكن هذه أول مرة تتدخل فيها الولايات المتحدة في سوريا، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2008م، شنت القوات الخاصة الأمريكية غارة على سوريا، مما أسفر عن مقتل 8 من المدنيين. ولكن هذه المرة لن يكون تدخل الولايات المتحدة لفترة قصيرة، وسيذهب ضحيته أكثر من المرة الأولى بكثير.


هناك العديد من التداعيات للضربة الوشيكة الأمريكية الثانية على سوريا، ومع ذلك فإنّ هناك مسألة وحيدة يمكن الوقوف عليها، وهي تأثير الهيمنة الأمريكية والأحادية على المنطقة وعلى النظام الدولي.


لقد كان العداء الذي يكنه المسلمون تجاه الولايات المتحدة سائداً حتى قبل اندلاع الثورات في البلدان العربية، وعند اندلاعها وصلت المعاداة إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق، ولا توجد أيّة مؤشرات تشير إلى أنّ هذا العداء سيهدأ على المدى القريب، بل على العكس تماماً، فإنّ التدخل العسكري الأمريكي في سوريا سيؤدي إلى تعاظم هذه المشاعر، الأمر الذي يشكل خطراً على أمريكا، وعلى علاقة الغرب مع العالم الإسلامي أيضاً، فهذه المشاعر تشكل دافعاً للمسلمين للنهوض فكرياً وسياسياً فتدفعهم للبحث عن سبيل للاستقلال الفكري والسياسي عن الهيمنة الأمريكية والتدخل الغربي الدائم في شئونهم.


وثمة عامل آخر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمشاعر المسلمين السلبية تجاه أمريكا، وهو تناقض أمريكا في تطبيق عقيدتها في العالم الإسلامي، فعلى سبيل المثال، لماذا تجاهلت أمريكا مقتل أكثر من 100,000 من المدنيين الذين قتلوا بالوسائل التقليدية على يد جزار الشام (بشار الأسد)، وارتفع صوتها بالصراخ والتباكي على الـ1429 سورياً الذين قتلوا بالأسلحة الكيماوية على يد الجزار نفسه؟! وبالمثل، لماذا اختارت أمريكا الوقوف إلى جانب الفريق السيسي وسمحت له باستخدام الأسلحة الأمريكية لقتل أكثر من ألف مصري، ثم عاتبته بلطف؟! بالإضافة إلى ذلك فإنّه لا توجد أية إشارة على تدخل أمريكا في فلسطين، وفي بورما حيث ترتكب جرائم الإبادة الجماعية ضد المسلمين، إنّ هذه ليست إلا بضعة تناقضات متصلة بقيمة الحياة البشرية التي تتبناها أمريكا. أما فيما يتعلق بالدعوة إلى الديمقراطية والحرية في بلدان العالم الإسلامي، فإنّ الانقلاب ضد الرئيس المصري المنتخب ديمقراطياً، والحلقة البشعة لممارسات أمريكا في سجن أبو غريب في العراق كلها فضحت النفاق الأمريكي، وفضحت أصنامها الإيديولوجية: الديمقراطية، والحرية.


إنّ مزيج المشاعر المعادية للولايات المتحدة والنفاق الأيدولوجي الأمريكي كان سبباً في عرض المسلمين للإسلام السياسي بوصفه علاجاً شافياً للديمقراطية الليبرالية السقيمة. كما أنّ ثقة المسلمين في الديمقراطية الليبرالية والحلول الغربية تقلصت إلى حد كبير؛ لأنهم يرون كيف أنّ الأنظمة الديمقراطية تعاني من أزمة اقتصادية مستمرة، ومن تمرد الناس من أوروبا إلى البرازيل ضد السياسات الرأسمالية. وعندما لم يتمكن الدعاة "الإسلاميون" أمثال حركة النهضة والإخوان المسلمين من مساندة الغرب في حملته الصليبية لتعزيز حضارته في البلدان الإسلامية، لفظتهم الجماهير لفظ النواة، ولم تعد تنظر إليهم إلا على أنّهم مؤيدون للرأسمالية والهيمنة الأمريكية متنكرين بعباءة الإسلام. وبالتالي فإنّ المسلمين في جميع أنحاء البلاد العربية والإسلامية قد احتضنوا الإسلام السياسي كحل وحيد لهم لتحرير أنفسهم من استعمار أمريكا والغرب.


لم يعد مستغرباً أن نجد مجتمعات العالم الإسلامي في صراع عميق بين المستبدين العلمانيين ممن يكافحون من أجل الحفاظ على الأنظمة القائمة التابعة لأمريكا والقوى الاستعمارية، وبين الداعين إلى تحرير أنفسهم من خلال الإسلام السياسي. وقد ساهم في زيادة الاستقطاب عدم الاستقرار والفوضى، فهذه الحالة هي المسؤولة عن زيادة الفراغ السياسي في العالم الإسلامي. وبالتزامن مع ذلك فإنّ الهالة الأمريكية قد تزعزعت، مما يعني أنّ على أمريكا اللجوء إلى استخدام مزيد من القوة للحفاظ على بعض مظاهر السيطرة التي بدأت تفتقد لها؛ من أجل حماية المصالح الحيوية لها.


لقد أصبح انعدام ثقة المسلمين في المفاهيم والحلول الغربية معيقاً لتنفيذ المشاريع السياسية الأمريكية في بلاد المسلمين، فعلى الرغم من أنّ أمريكا لديها قوة عسكرية في المنطقة، وانصياع الجنرالات العسكريين والسياسيين لها وخضوعهم تحت تصرفها، إلا أنّ أمريكا عندما تتخذ قراراً سياسياً فإنّه لا يمضي وقت طويل قبل أن يلقى في وجهها، لتجبر أمريكا على إعادة النظر فيه. فعلى سبيل المثال، بعثة المراقبين العرب إلى سوريا، ومن ثم خطة عنان ذات الست نقاط، ثم خطة الأخضر الإبراهيمي، ثم خطة جنيف للسلام كلها لم تتمكن الولايات المتحدة من فرضها على المسلمين في سوريا، حتى لجأت إلى توجيه ضربات عسكرية ليتم إعادة النظر في خطة جنيف 2 للسلام. كما أنّ أمريكا فشلت في فرض حل سياسي ناجح لمصر والعراق واليمن وليبيا والصومال وأفغانستان وباكستان. وفي عام 2006م، قال بات بوكانان (من المحافظين الجدد) عن الإخفاقات السياسية الأمريكية المتكررة في العالم الإسلامي: "إن تمكن الإسلام من الحكم بين الجماهير الإسلامية، فكيف لأعظم جيوش الأرض أن يوقفه وقتئذ؟ فهل نحن بحاجة إلى سياسة جديدة؟". وهناك العديد من السياسات الأمريكية التي لا تزال تكافح من أجل محاولة احتواء الإسلام.


وعلى الجبهة الدولية، فإنّ التهديدات الأمريكية المتكررة بالذهاب وحدها لضرب سوريا قد قوضت بشكل صارخ الثقة في النظام الدولي، وفي الحقيقة فإنّ التعنت الأمريكي لغزو العراق من جانب واحد عام 2003م كان بداية نهاية النظام الدولي، وكان بمثابة ضربة قاضية للأمم المتحدة، وتعيد العالم نحو تفاهمات عام 1920م، حيث كانت القوى العظمى تحكم العالم، وكان القانون الدولي مجرد فكرة. لذلك فإنّ الأمم المتحدة لم تعد قادرة على تسوية النزاعات بين الدول.


وأخيراً، لقد عملت أمريكا وحلفاؤها في الغرب دون كلل أو ملل لصياغة نظام دولي على مدار الـ 60 عاماً الماضية؛ لمنع المسلمين من إقامة دولتهم (دولة الخلافة). والآن، وبسبب سياسات أمريكا نفسها ضد المسلمين، في تعريضهم للهجوم مراراً وتكراراً، فإنها تكون قد قضت على أيّ أمل في استمالة المسلمين نحو الديمقراطية الليبرالية، وليس هذا فقط، بل وأشعلت حماسهم لإعادة إقامة الخلافة.


إنّ سابقة التدخل "الإنساني" الذي قامت به أمريكا، وما تبعه من فشل في نموذج الدولة القومية، جنباً إلى جنب مع تفسخ القانون الدولي، كل ذلك شكّل تربة خصبة لإقامة الخلافة وتوحيد 55 بلداً إسلامياً تحت قيادة خليفة واحد، قيادة تتدخل في جميع أنحاء العالم لحماية المسلمين ونشر الإسلام.


إنّ دولة الخلافة ستعمل على إصلاح العلاقات الدولية، وستضع وراء ظهرها النظام الدولي الذي يقوم على ازدواجية التعامل بين الأمم والذي يعطي الحق للقوى العالمية في تلفيق التهم وشن الحروب الوقائية، وسيتم التعامل مع العداء الأمريكي والأوروبي تجاه العالم مباشرة مع دولة الخلافة التي تمثل المسلمين، وهذه الجرائم ضد الإنسانية لا تحتاج لإثبات، فهي مثبتة بالصوت والصورة. وباختصار، فإنّ الغطرسة العمياء لأمريكا تمهد الطريق لتكون دولة الخلافة الدولة الرائدة للقرن الواحد والعشرين وما بعده.


((قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)). [التوبة 29].

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عابد مصطفى

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار