March 01, 2014

خبر وتعليق الأحزاب السودانية تجاهر بعمالتها للمستعمر

الخبر:


أوردت صحيفة الجريدة الصادرة في 24 ربيع الثاني 1435هـ 24 شباط/فبراير 2014م في عددها رقم (1012) خبراً في الصفحة الأولى، بالخط العريض تحت عنوان: (المهدي: أحزاب اليسار تقبض 10 ألف دولار شهرياً من أمريكا)، وقد أدلى الصادق المهدي بهذه المعلومة خلال الحوار الذي أجرته معه الصحيفة، وعندما سألته الصحفية التي أجرت الحوار مستفسرةً عن الذي كشف عن هذه المعلومات، ومن أجل ماذا 10 ألف دولار شهرياً للأحزاب؟ أجاب الصادق المهدي: (هذه المعلومات وردت في ميزانية الحكومة الأمريكية والهدف هو استمالة أحزاب التجمع للموقف الأمريكي، حتى لا يعملوا موقفاً مختلفاً وقد استمروا على هذا الوضع حتى وقّع قرنق دون أن يسألهم).

التعليق:


هذا الخبر يعتبر قنبلة نووية من العيار الثقيل بالنسبة للسياسي الواعي، فدعونا نعيد النظر مرة أخرى ونذكر أنفسنا وإياكم بالحقيقة التاريخية المرة التي تمت فيها هذه الصفقة. فكما ذكر الصادق المهدي في نفس الخبر أن مبلغ الـ(10) آلاف دولار كانت تأتيهم في التجمع الوطني الديمقراطي لاستمالة الأحزاب السودانية للموقف الأمريكي؛ الذي كان مفروضاً في ذلك التاريخ، فما هو الموقف الأمريكي الذي يجعل الولايات المتحدة تدفع الدولارات لأجله؛ لقد أفصح الأمريكان عن ذلك في أكثر من مناسبة عندما قالوا صراحة بأنهم يعملون على مساعدة جنوب السودان حتى ينال استقلاله بحسب زعمهم.


إذنْ فالموقف الأمريكي هو تهيئة الوسط السياسي في السودان واستمالتهم للقبول بانفصال جنوب السودان عن شماله وذلك من خلال طرح فكرة حق تقرير المصير، تلك الفكرة التي اعتبرتها الأحزاب السودانية جريمة، بل مجرد طرحها كان يعتبر خيانة للأمة، ولكن الدولارات الأمريكية هذه أكثر سحراً، وأكثر تأثيراً على الوسط السياسي في السودان من كل المصالح الحيوية لأهل السودان، ولعل هذه ترجمة حقيقية لتلك المقولة التي قالها جد الأمريكان كولمبوس عندما أرسل رسالة لملكة إسبانيا قال فيها: (إن للذهب سحرًا عجيبًا فإنك تستطيع بالذهب أن تفعل كل شيء حتى إنك تستطيع أن تدخل الأرواح إلى الجنة)، ولعل أحفاد كولمبوس قد جعلوا من هذه المقولة عقيدة لهم، فهم بالدولارات يُطوّعون المواقف فيجعلون من الجريمة والخيانة أمراً مشروعاً مسكوتاً عنه، كما حدث مع التجمع الوطني الديمقراطي الذي كان يضم أغلب الأحزاب السودانية التي ارتضت لنفسها أن تكون أرجوزة وأضحوكة في يد الأمريكان يحركونها بالدولارات لبيع البلاد والعباد، ولا حول ولا قوة إلا بالله.


هذا الموقف من التنظيمات السياسية ليس بغريب على تنظيمات تستورد فكرها ووجهة نظرها من الغرب، ولا ترى في ذلك عمالة أو خيانة، ولم يبق لها إلا أن تستورد الهواء الذي تتنفسه، فتلك أحزاب عرفناها بعمالتها الفكرية والسياسية، وها هي تفضح نفسها وتكشف لنا عن بعض فواتير المعاملات والصفقات المشبوهة التي مزقت بها البلاد لتمتلئ (كروشهم) وجيوبهم بالدولارات الأمريكية وتمتلئ بلادنا بالحروب والشقاء والتعاسة المصنوعة بالدولارات الأمريكية. إن الذي أرادته أمريكا من الأحزاب السودانية هو القبول بفكرة حق تقرير المصير، وقد قبلت بها القوى السياسية، تلك الفكرة التي أسست لتفتيت البلاد، وما تزال هي حجر الزاوية في المشروع الأمريكي لتفتيت ما تبقى من السودان.


إن الدعوة لحق تقرير المصير لجنوب السودان ظهرت لأول مرة في مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965م، حيث طالبت الأحزاب الجنوبية، حزب سانو وحزب جبهة الجنوب، بثلاثة خيارات؛ إما خيار الوحدة أو الاتحاد الفدرالي أو الانفصال. هذا الاقتراح رفض من قبل كل الأحزاب السودانية، ولم يظهر مجدداً إلا في العام 1992م في محادثات بين الإنقاذ والحركة الشعبية وتم فيها الاتفاق على حق تقرير المصير، بعدها مباشرة في العام 1994م كان هناك اتفاق بين الحركة الشعبية وحزب الأمة والذي وافق فيه حزب الأمة كذلك على حق تقرير المصير.


وأيضاً في العام نفسه رفعت منظمة الإيقاد إشارة إلى حق تقرير المصير، بعدها في العام 1995م كان مؤتمر القضايا المصيرية بأسمرا بين الحركة الشعبية والتجمع الوطني الديمقراطي؛ متمثلاً في أحزاب الأمة، الاتحاد الديمقراطي، الحزب الشيوعي، مؤتمر البجا وغيرهم، فقد وافقوا على حق تقرير المصير بعد أن كانوا يعتبرونه خيانة بل جريمة.. ولكن الظاهر أن الدولارات الأمريكية قد طوعت تلك المواقف، وسحرت أعين الأحزاب! وهذه هي الفترة التي قبضت فيها هذه الأحزاب الرشوة الأمريكية، وفق شهادة الإمام الصادق المهدي. وفي العام 1996م وافقت الحكومة مع الجناح المنشق من الحركة الشعبية بقيادة لام أكول، رياك مشار، كاربينو على حق تقرير المصير. وفي العام 1997م أبرمت اتفاقية الخرطوم للسلام مع الأجنحة المنشقة من الحركة الشعبية والتي أيضاً وافقت على حق تقرير المصير، وفي العام نفسه كانت اتفاقية فشودة مع فصيل د. لام أكول.


أما في العام 2002م فقد جاءت اتفاقية مشاكوس والتي قصمت ظهر البعير حيث تم فيها تحديد فترة انتقالية مدتها ست سنوات تبدأ من 9 تموز/يوليو 2002م ويحق لأهل جنوب السودان أثناءها إدارة شؤون منطقتهم والاشتراك على حد سواء في الحكومة القومية الانتقالية، ويتم تنفيذ العملية السلمية بطريقة تجعل وحدة السودان جاذبة (حسب زعمهم) بعد انتهاء الفترة الانتقالية والتصويت إما لصالح الوحدة أو الانفصال. وأخيراً وفي العام 2005م كانت الاتفاقية القاتلة التي سميت باتفاقية السلام الشامل في نيفاشا والتي تم فيها الإجماع على حق تقرير المصير، وسكوت أصحاب الدولارات عنها. هذه هي الرغبة الأمريكية وهي تقرير مصير يقود إلى الانفصال، وقد كان، ولا تزال الزيارات المشبوهة والعلاقات المشئومة بين الأمريكان والقوى السياسية السودانية قائمة، كانت آخرها زيارة كارتر ولقائه بهم.


إن آفة الساسة في السودان تكمن في ارتباطهم الوثيق بالخارج، وها هم يفضحون بعضهم بعضا، مما يتيح للأمة محاكمتهم على عمالتهم للمستعمر وعلى قبض الدولارات الأمريكية من أجل تنفيذ أجندتها في بلادنا.


وبعد أن بان لكل ذي بصر وبصيرة من خلال تصريحات الصادق المهدي التي أقر فيها بأنهم في التجمع الوطني الديمقراطي كان يأتيهم رزقهم من الخزانة الأمريكية، فهل يعقل بعد كل ذلك أن ننظر لهذا الوسط السياسي نظرة إخلاص!! وهل هذا الوسط السياسي بانغماسه في العمالة، هل هو جدير بقيادة الأمة؟ إن الأمة بحاجة لقيادة واعية ناضجة تدرك مطامع الكافرين وتفكر في الوقائع والأحداث من زاوية العقيدة الإسلامية فتكون بذلك ثلة واعية مستنيرة تأخذ معالجاتها من العقيدة الإسلامية، وتقطع يد المستعمرين والعملاء والخونة فتصدهم، وتخرجهم من بلاد المسلمين. وهذا الطريق يوصل بالطبع إلى قيام دولة مبدئية تطبق عقيدة الأمة وتتعامل مع أعدائها وفق أحكام الإسلام، تلك هي دولة الخلافة الراشدة التي تجعل من السيادة للشرع قاعدة لها، ومن مصلحة الأمة العقدية والحيوية منطلقاً لسياساتها.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عصام أحمد أتيم
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية السودان

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار