خبر وتعليق   العنقاءُ والغولُ والحريةُ
June 25, 2013

خبر وتعليق العنقاءُ والغولُ والحريةُ


الخبر:


نشرت بعض وسائل الإعلام العربية والعالمية على استحياء وبدون تعليق خبر الحادث العنصري الذي تعرضت له مسلمة فرنسية وفقدت على أثره "جنينها". وذكرت صحيفة "توداي زمان" التركية" عن محامي المرأة التي تبلغ 21 عاما وحامل في الشهر الرابع، أن رجلين فرنسيين اعتديا على المرأة بالضرب في إحدى ضواحي باريس وحاولا خلع حجابها، وتمزيق ملابسها، مشيرا إلى أنها عندما صرخت بأنها حامل، قاما بضربها في منطقة البطن. وذكرت الأسوشيتد برس أن جهود الأطباء فشلت في إنقاذ الجنين وتعرضت المرأة للإجهاض في 18/6/2013. كما ذكرت الديلي ميل البريطانية أن المعتدين تلفظوا بألفاظ عنصرية نابية وهم يصيحون بأن الحجاب لم يعد مقبولا في فرنسا.

التعليق:


ذكر رفاعه رافع الطهطاوي (الملقب برائد التنوير) داعية التغريب المفتتن بفرنسا وأضوائها وحضارتها في كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" في وصفه للفرنسيين: «ومن طباعهم الغالبة وفاء الوعد وعدم الغدر وقلة الخيانة.. والصدق، ويعتنون كثيرا بالمروءة الإنسانية». يقول أيضا عن ذوقهم ورقي طباعهم "والغالب أن الجلوس للنساء، ولا يجلس أحد من الرجال إلا إذا اكتفى النساء، وإذا دخلت امرأة على أهل المجلس ولم يكن ثم كرسي خال قام لها رجل وأجلسها، ولا تقوم لها امرأة لتجلسها، فالأنثى دائما في هذه المجالس معظمة أكثر من الرجل" كتب الطهطاوي هذا وهو لا يرى سوى بريق باريس ولا يسمع سوى أساتذته المستشرقين ويتنقل بشغف بين مؤلفات "فولتير"، و"جان جاك روسو"، و"مونتسكيو" وغيرهم ممن يدغدغون مشاعر السذج عبر حديث منمق عن الحريات وحقوق الإنسان كإنسان والاستبسال في الدفاع عن الرأي الآخر. كتب يتغزل بفرنسا ورقي حضارتها وثورتها على الظلم والاستبداد وكأنه نسي أو تناسى أن الحملة الفرنسية على مصر تلت هذه الثورة واحتل الفرنسيون مصر قبل أن يجف حبر مواثيقهم البراقة وأتى نابليون بجيش جرار يهدف للاستعمار والاحتلال الفكري والثقافي. ولو فكر لوهلة لرأى أن مشاريع فرنسا الاستعمارية لم تترك مجالا للشك في أن وعود الثورة الفرنسية مقتصرة على الرجل الفرنسي الأبيض وأما شعوب العالم فلا ينالهم إلا الاستعمار والتنكيل.

بالرغم من هذا فقد يضع المرء بعض العذر لفتى يافع من الصعيد غرر به وأخذ على حين غفلة فوقع كالصريع في أيديهم الماكرة، ثم صنع على أيديهم ليصبح منارة لأتباعهم عبر الأجيال. فماذا يقال عمن يستضيء بنار المشركين في يومنا هذا؟ ماذا يقال لمن شهد عداء الغرب للإسلام وحربه الغاشمة المسماة زورا وبهتانا "حربا على الإرهاب" والتي لم تسلم منها الأجنة في بطون أمهاتها ثم يتعشم في حل يأتي لسوريا من لندن وباريس وجنيف؟ لقد شاء الله أن تفقد أختنا الفرنسية جنينها في اليوم نفسه الذي تابع فيه العالم مسرحية مجموعة الثماني والبعض يتوقع منهم الوفاء "بالوعد والصدق والمروءة الإنسانية" ولكن هيهات إنما الغرب يتلون كالحرباء ويماطل لكي يعطي المجرم المزيد من الفرص لقنص الأجنة والتمادي في العدوان.

هذه الكراهية الهيستيرية تجاه الإسلام والمسلمين في الغرب هي انعكاس طبيعي للخطاب الرسمي الغربي الذي يصور الإسلام بكل رموزه كخطر حقيقي يهدد الأمن والحضارة الغربية، التي هي أوهن من بيت العنكبوت، كما أنها وسيلة خبيثة يستخدمها زعماء الغرب لتغطية عجزهم عن حل مشكلات المبدأ الرأسمالي الفاسد فهم يتنقلون بميزانياتهم من بند إلى بند ويغرقون في ديون وعجز لا حل له ثم يصورون العدو على أنه امرأة مسلمة محجبة تسير في شوارع مدنهم محتمية بحقوق لا وجود لها وقانون لا يحمي المسلمين. انتشر ذعر الغرب من الانهيار الاجتماعي والاقتصادي في بلادهم المظلمة وهم بالمقابل يرون رؤية العين صحوة المارد الإسلامي ودنو الأمة من فجرها الموعود بإقامة الخلافة الراشدة الثانية قريبا إن شاء الله. يرون المسلمين وقد بدا نور الله يتوهج ويتأجج في قلوبهم ليعمهم بالسكينة والوقار. كيف لقلب ارتوى بحب الله أن يتطلع لمخلوق أو يتخذ غير شرع الله مقياسا أو يستضيء بنار أعداء الأمة!! حقا لقد احتمى المسلمون بالمحجة البيضاء ولم تعد أضواء الغرب تزغلل أعينهم بل لقد أصبحت أساطير الحضارة الغربية المهيمنة وقيمها العليا والحريات المكفولة للجميع تذكرهم بسذاجة قصص العنقاء والغول. الغرب يتابع بحسرة وكمد أحداث سوريا ويتوجس من مشاهد الرجال الرجال وهم يجابهون الصعاب في سوريا في ملحمة قل أن يأتي الزمان بمثلها فما لهم إلا أن يختبئوا بجبن وخسة لصيد ذراري المسلمين في ظل هيمنة الرويبضة وغياب الإمام الجنة.

اللهم عجل لنساء المسلمين في سوريا بفرجك واحم أخواتنا في بلاد الغرب من كراهية وكيد الكافرين وأظلنا وإياهن في القريب العاجل تحت ظل خليفة يهتدي بهدي سيد الأنام ويعيد الأمور لنصابها ويتقي الله في أمة الإسلام.


((وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَ‌حُ الْمُؤْمِنُونَ ﴿٤﴾ بِنَصْرِ‌ اللَّـهِ ۚ يَنصُرُ‌ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّ‌حِيمُ))

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير
أختكم: أم يحيى بنت محمد

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار