خبر وتعليق   الديمقراطية لا تطعم جائعا ولا تكسو عاريا ولا توفر كرامة، والاستبداد ثقافتها ونفسيتها
July 30, 2012

خبر وتعليق الديمقراطية لا تطعم جائعا ولا تكسو عاريا ولا توفر كرامة، والاستبداد ثقافتها ونفسيتها

في 25/7/2012 خطب المرزوقي رئيس تونس المؤقت أمام المجلس الوطني التأسيسي المكلف بوضع دستور للبلاد قائلا: "لن يرضى الشعب الذي انتخبكم بديمقراطية شكلية، وقد يضطر إلى الثورة من جديد علينا جميعا إن لم نحقق له ما يريده فعلا من التنمية للقضاء على الخصاصة والفقر والتهميش". وتساءل قائلا: "ما قيمة ديمقراطية لا تطعم جائعا ولا تكسي عاريا ولا توفر كرامة أولى شروطها العمل والمسكن والتعليم والصحة". وقال: "جذور الاستبداد عميقة فينا هي ثقافة ونفسية ولحماية أنفسنا من أنفسنا ومن بعضنا البعض من هذا الظلم المتأصل في نفوسنا جميعا لا بد أن ينجح الدستور في توزيع محكم للسلطة التنفيذية بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة حتى لا يستفرد شخص أي كان بسلطة القرار". وقال: "لا بد من قضاء مستقل عن السلطة التنفيذية، لا بد من محكمة دستورية لها سلطة فعلية تجعلها ذات مخالب وأنياب، وبالطبع لا بد من مجلس شعب يشرع القوانين التي يجب أن يخضع لها الجميع..".

التعليق:


يتبين من خطاب الرئيس التونسي مدى فساد الديمقراطية وبطلانها ويتجلى ذلك في النقاط التالية:
1. الشعب لا يضع دستوره بنفسه؛ فهذا يسقط الديمقراطية ويثبت أنها غير موجودة فإنه يتم بديمقراطية شكلية تشكيل مجلس تأسيسي من عدد من الأفراد ليضعوا دستورا لملايين الأفراد من الشعب. ويفرض هذا الدستور على هذه الملايين فرضا. فالتصويت عليه لاحقا لا يدل على أن الشعب وضعه وإنما تجري حملات دعائية من واضعيه ليجعلوا الأكثرية تقبله، والذين لا يصوتون عليه لا اعتبار لهم فما عليهم إلا الخضوع له.


2. وإذا قيل أن الشعب لا يفهم في الدستور فلا يستطيع أن يضعه؛ فنقول ولماذا الادعاء إذن بالديمقراطية التي تعني أن الشعب يحكم نفسه بنفسه فهو يشرع ويحكم ويضع دستوره بنفسه! فهذا القول يسقط الديمقراطية أيضا ويثبت أنها غير موجودة، وإنما هناك فئة مستبدة تضع الدستور وتجعل أكثرية الناس تصوت عليه بحملات دعائية تزين لهم سوء عمل فئة منهم تدعي الربوبية من دون الله.


3. والرئيس المؤقت يقر بأن الديمقراطية لا تطعم أفراد الشعب ولا تكسوهم ولا توفر لهم كرامة ولا تؤمن لهم عملا ولا مسكنا ولا تعليما ولا صحة. وإن كان قوله في محله؛ وجاء على شكل سؤال استنكاري إلا أنها هذه هي الحقيقة وهي الحال في زمن الديمقرطية قبل وبعد الثورة حيث تشير الإحصائيات حول تونس كما أعلنت مؤخرا بأن معدلات البطالة حوالي 19% والفقر حوالي 25% بجانب استشراء الفساد الذي يعني الفساد في دوائر الدولة من اختلاس أموال الدولة من قبل المسؤولين ومن الخصاصة للأقوياء والمحسوبيات والرشاوى وتهميش الضعفاء وعدم تقديم الخدمات لعامة الناس. وكذلك كان الحال في عهد الساقط الهارب بن علي وزمرته، ومن قبل في زمن الهالك بورقيبة. فلم تتغير الحال في هذه العهود الديمقراطية الثلاثة.


4. يقول الرئيس المؤقت إن جذور الاستبداد عميقة في أنفسنا، فالذين نادوا بالديمقراطية هم مستبدون إلى أبعد الحدود فبورقيبة الذي يعتبر أول رئيس ديمقراطي كان رئيسا مستبدا وحارب كل فكر يخالفه وحارب الإسلام وحملة دعوته على الأخص. والرئيس الديمقراطي الثاني وهو ابن علي الذي كان يد بورقيبة التي تبطش وأصبح رئيسا بانقلاب عليه وبانتخابات ديمقراطية كان مستبدا وقد هرب من الشعب إلى المستبدين آل سعود حيث يحظى بحمايتهم. وكذلك كان محمد الغنوشي من مخلفاته والباجي السبسي من مخالفات بورقيبة. فنتوصل إلى أن النظام الديمقراطي هو نظام استبدادي ديكتاتوري يفرض قوانينه على الناس بالقوة ويحارب فكرهم ويفسد حياتهم ويسرق أموالهم.


5. ولذلك يتخوف الرئيس التونسي من ثورة تجتاحهم؛ فالديمقراطية لم تجلب السعادة للشعب التونسي منذ تأسيس الجمهورية وإقامة الديمقراطية بعدما فرضتهما فرنسا المستعمرة على الناس بواسطة عملائها الديمقراطيين. فقد طرد الشعب التونسي المسلم الجيش الفرنسي ولكن فرنسا بقيت بنظامها الذي أقامته في تونس على يد الذي أشربوا في قلوبهم عجل الجمهورية والديمقراطية وغيرها من أفكار الغرب وأنظمته. وقد كره إليهم العسل المصفى من أفكار الإسلام وأنظمته وعلى رأسها الخلافة تاج الفروض.


6. ويطالب الرئيس بتأسيس محكمة دستورية لها سلطة فعلية ذات مخالب وأنياب. أي يريد أن يقيم سلطة مستبدة لمحكمة الدستور فتنهش بمخالبها وتمزق بأنيابها كل من يقول كلمة الحق من دعاة الإسلام المخلصين كما كان على عهد بورقيبة وابن علي وتحافظ على نظام الكفر كما نرى المحكمة الدستورية في تركيا فهي تلغي أي قانون يشتم منه أن له علاقة بالإسلام أو أنه ربما يعارض العلمانية أو الديمقراطية. نعم إن كل حكم غير حكم الله فهو استبداد وهو ظلم وهو طاغوت. لأنه تسلط أناس حسب أهوائهم ومصالحهم وميولهم على الناس الآخرين. وقد وصفهم الله في كتابه العزيز بالطواغيت وبالفسقة وبالظلمة وبالكفرة الفجرة. وحتى يكون الحكم غير مستبد ويحارب الاستبداد يجب أن يحكم بما أنزل الله فكما قال الخليفة الراشدي الأول أبو بكر: "فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم". وقال الخليفة الراشدي الثاني عمر: "إذا رأيتم في اعوجاجاً فقوموني". وقال "لو أن بغلة / أو دابة في العراق عثرت لسألني الله عنها لما لم أمهد لها الطريق".


7. هذا هو نظام دولة الخلافة الاسلامية كما عبر عنه الخليفتان الراشدان وهو العسل المصفى الذي كره لكم يا أهلنا في تونس وفي باقي بلاد المسلمين؛ فلا يعرف الاستبداد، فالخليفة ليس بخير من الرعية وليس له خصاصة ولا محسوبية وكل المسؤولين في الدولة كذلك، فلا يوجد في دولة الخلافة استبداد فالضعيف فيها قوي حتى يأخذ حقه والقوي فيها ضعيف حتى يؤخذ منه الحق ويعطى لصاحبه. وهي مسؤولة حتى عن الدواب والبغال في أقصى نقطة في أرض الدولة الإسلامية. فعندما يكون الدستور والقوانين مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله تكون الحال هكذا كما كانت على مدى 13 قرنا؛ فلا استبداد ولا فقر ولا تهميش، ولا فاحشة تعم أهلنا في تونس وفي غيرها كما سمح بها ديمقراطيو الأمس من الهالكين والفارين وكما يسمح بها ديمقراطيو اليوم وهم مهددون بثورة فيكونوا على أثرها من الهالكين أو من الفارين، وقد أبقوا كل فاحشة وموبقة كما كانت في الماضي ليستمر كل ذلك في الحاضر حتى يبقى البلاء عاما ومخيما على أهلنا. وقد قالوا لن نمنع البكيني ولا شرب الخمر ولن نضيق على الحريات حتى تشيع الفاحشة باسم الحرية الشخصية ويشيع التعدي على الذات الإلهية باسم حرية الفكر وتشيع أفكار الكفر من ليبرالية وعلمانية وشيوعية باسم حرية الاعتقاد، ويتفشى الفقر عندما لا توزع الثروات على الناس ويستأثر بها أصحاب رؤوس الأموال ممن يسمون مستثمرين ومن أصحاب الشركات الكبرى المحلية والأجنبية تحت اسم حرية التملك. وقد ضربنا الله بذل خيم علينا منذ إعلان الجمهورية عندما تخلينا عن الجهاد لإعلاء كلمة الله وخضعنا لشرعة الأمم المتحدة ومجلس الأمن التي تسيطر عليهما دول الغرب خاصة والتي لا تترك القتال ولا تتوقف عن الحرب ساعة في سبيل إعلاء كلمة الديمقراطية والعلمانية والحرية حتى تمتص دماء الشعوب وتنهب ثرواتهم وتخضع الشعوب لحكمها وفي سبيل حربها على الإسلام وأهله.

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار