خبر وتعليق   الفضائح المالية في الغرب تُغذى من قبل أثرياء ومصرفيين
December 09, 2013

خبر وتعليق الفضائح المالية في الغرب تُغذى من قبل أثرياء ومصرفيين


الخبر:


عرضت وسائل إعلام المملكة المتحدة تقاريرَ جديدة عن فضيحة مصرفية أخرى تتعلق ببنك "رويال بنك أوف سكوتلاند"، حيث ادّعى رجل الأعمال ومستشار الحكومة (لورانس توملينسون) أنّ البنك دفع الشركات إلى التخلف عن السداد؛ من أجل السيطرة على أصولها بأسعار رخيصة، وصرح نائب الرئيس السابق لبنك إنجلترا (أندرو لارج) بأنّ إقراض الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم لم يكن كافياً.

التعليق:


إنّ فضيحة بنك "رويال بنك أوف سكوتلاند: RBS" هذه لم تكن الأولى، ففي الشهر الماضي، وافق البنك على تسوية قيمتها 150 مليون دولار مع المنظمين في الولايات المتحدة، بسبب مزاعم بيعه سندات ملتوية قيمتها 2.2 مليار دولار مدعومة بالرهن العقاري، في عام 2007م. ويجري حالياً رفع دعوى ضد البنك من قبل عملاق الرهن العقاري (فاني ماي الأمريكية)، ويخضع حالياً للتحقيق اثنان من تجار البنك تم توقيفهما بتهمة تزوير العملات الأجنبية.


ولم تكن "رويال بنك أوف سكوتلاند" المؤسسة المالية الوحيدة التي تتعرض للفضح، حيث لم يصبح هناك أي تهاون في الكشف عن الفضائح المالية التي أقطابها المؤسسات المصرفية الرائدة في دول الغرب، منذ أسوأ أزمة مالية شهدها العالم في الذاكرة الحية، والتي مر عليها خمس سنوات. فمؤسسة "بنك باركليز" البريطاني مثلاً، كشفت في تشرين الأول/أكتوبر 2013م عن تجار قيد التحقيق لمحاولتهم استغلال أسواق الصرف الأجنبي بقيمة 4 ترليون دولار. وكُشف عن تورط كل من "باركليز" و"رويال بنك أوف سكوتلاند" و"HSBC" في تحديد أسعار الفائدة، التي تشمل كلاً من لندن ومعدلات اقتراض الفائدة الأوروبية المعروفة باسم "ليبور وايبور" على التوالي. إضافة إلى توريط "أيبور" بعضاً من أكبر بنوك أوروبا، مثل "دويتشه بنك"، و"كريدي اجريكول" و"سوسيتيه جنرال".


أما عبر المحيط الأطلسي، فالقصة لا تختلف كثيراً، حيث إنّ البنوك الأمريكية غارقة في الفضائح المالية الضخمة. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2013م، توصلت "جيه بي مورغان تشيس" إلى اتفاق مبدئي مع وزارة العدل الأمريكية، قيمته 13 مليار دولار، لتسوية تحقيقات الوكالة الحكومية في قضية تتعلق بقروض الرهن العقاري قبل الأزمة المالية عام 2008م. وفي صيف عام 2013م، تورط "بنك أوف أميركا" في فضيحة رهن قيمته مليارات الدولارات. ويبدو أنّ تضليل المستثمرين هو السمة المميزة للبنوك الأمريكية، ففي عام 2010م، وافق بنك "جولدمان ساكس" على دفع غرامة قيمتها 550 مليون دولار؛ لتسوية اتهامات بالاحتيال وتضليل المستثمرين.


وعلى الرغم من الغرامات الباهظة التي دفعتها العديد من البنوك المذكورة آنفاً، إلا أنها استمرت بجني أرباح قياسية، فعلى سبيل المثال، نشر "رويال بنك أوف سكوتلاند: RBS" عن أرباح قدرها 658 مليون دولار تم جنيها في الربع الثالث من عام 2013م، ونشر "بنك أوف أميركا" عن أرباح بلغت 2.5 مليار دولار تم جنيها في الفترة نفسها.


إنّ ارتفاع أرباح البنوك الغربية يتزامن مع ارتفاع ثروة الأثرياء، وتناقص ثروة المواطنين العاديين في الدول الغربية. ففي أمريكا على سبيل المثال، أصبح الأثرياء أكثر ثراء منذ الأزمة المالية، فوفقاً لمجلة "فوربس" فإنّ أغنى 400 أمريكي من الذين تُقدر ثرواتهم بـ1.7 ترليون دولار، سجّلوا ارتفاعاً يصل إلى 2.02 ترليون دولار في عام 2012م، وهو ما يعادل ثروة الاقتصاد الروسي برمته. وعلى مدى السنتين الماضيتين زاد عدد البريطانيين الذين يحصلون على أكثر من مليون جنيه إسترليني إلى الضعف، حيث وصلوا إلى 18 ألفاً، ومعظم هؤلاء الأثرياء يعملون في القطاع المالي. وقال ماثيو ويتاكر (كبير الاقتصاديين في مؤسسة القرار، التي تعمل على تحسين مستويات المعيشة): "إنّ الأغنياء قد ازدادوا غِنى منذ الأزمة المالية في عام 2008م"، وأشار أيضاً إلى عدم المساواة بين الأغنياء والفقراء، والذي هو في أعلى مستوياته منذ أي وقت مضى، حيث قال: "بالنسبة لثلاثة أرباع الناس أو نحو ذلك، فإنّ الأجور المتوقفة لم ترتفع إلى الحد المطلوب منذ عام 2003م، ولكن 10% من الناس، وخصوصاً أعلى واحد في المائة، يتحركون بعيداً عن بقية المجتمع".


فمن الواضح تماماً أن عاصمة الأثرياء هي المسئولة عن الفرق الحاد في الثروة عند الغرب، فالأثرياء يودعون جزءاً من رؤوس أموالهم الكبيرة في البنوك، والمصرفيون يعملون بالنيابة عنهم في تضخيم رؤوس أموالهم، من خلال اعتماد استراتيجيات مشكوك في صحتها، منها: تحديد أسعار الفائدة، وتضليل المستثمرين، وبيع الأصول المالية غير السليمة. وعندما تُفضح مثل هذه التكتيكات للجمهور في الدول الغربية، فإنّ الأثرياء من خلال جيوش من السياسيين والنقاد ووسائل الإعلام المستأجرة، يقومون بهندسة الظروف التي تحمي ثرواتهم على حساب الأغلبية. فعلى سبيل المثال، يتم استخدام أموال دافعي الضرائب لدفع ثمن تهور المصرفيين أو لدفع الغرامات المالية المفروضة عليهم، والتي هي سهلة السداد.


لقد فشلت التشريعات الجديدة التي سنّتها الحكومات لمعاقبة سلوك المصرفيين السيئ في منع البنوك من استنزاف الناس العاديين؛ وذلك لأن التشريعات قد تم صياغتها أصلاً من قبل أنصار الأثرياء والسياسيين، وهي تضمن للمصرفي الجديد ما يكفي من الثغرات التي تساعده على ارتكاب المخالفات المالية دون محاسبة. وفي مقابل عمل الأثرياء الشيطاني، يقوم السياسيون بتأمين الدعم للأثرياء لإعادة انتخابهم مرة أخرى في المستقبل، وبهذه الطريقة يحتكر فاحشو الثراء الثروات بين أيديهم على حساب الأغلبية العظمى. وبالتالي فإنه ليس من المستغرب أن يتم الكشف عن فضائح المؤسسات المصرفية الجارية، وعن ازدياد ثراء الأثرياء وعجز السياسيين عن معالجة ذلك، بعد مرور سنوات عديدة على الأزمة المالية.


إنّ الإسلام يمنع هذا التزاوج بين الثراء الفاحش والمصرفيين والسياسيين من أجل سحب المال من غالبية الشعب، فقد قال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [سورة الحشر:7].


إنّ دولة الخلافة القائمة قريباً بإذن الله، ستجعل أعين الجماهير في العالم - وخصوصاً أولئك الذين يعيشون في دول الغرب - شاخصة نحوها، وبما أنّ تشريع الدولة الإسلامية قائم على أوامر الله الحكيم الخبير، فإنّ الدولة لن تقاسي أبداً مصير الدول الغربية، التي تعبث بالقانون على الدوام من أجل تلبية نزوات الأثرياء.


كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عابد مصطفى

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار