خبر وتعليق   الفقر والبؤس ينهشان لحوم المغاربة وحكامهم لاهون عنهم    
January 16, 2013

خبر وتعليق الفقر والبؤس ينهشان لحوم المغاربة وحكامهم لاهون عنهم  


الخبر:


نشر موقع فبراير.كوم بتاريخ 7/1/2013، تحقيقاً محزناً عن حالة زوجين في أرذل العمر يعيشان في قبو مظلم في أقاصي جبال الأطلس. العجوزان، عزيز والطاهرة، نموذج مصغر لما يعيشه آلاف المغاربة المحرومين في صمت بعيداً عن دائرة الضوء. فالطاهرة، امرأة مقعدة لم تتحرك من مكانها منذ 10 سنوات، حتى إن جلدها التصق بالأرض العارية حيث تتمدد فوقها ليل نهار. أما الزوج عزيز فهزل جسمه وفقد بصره، وبقي يحضن زوجته داخل القبو المظلم إلى جانب الجرذان والصراصير وغيرها من الحشرات. حاول الجيران أكثر من مرة أن يمدوا يد المساعدة، لكن ظروفهم لم تكن أحسن حالاً، فالناس هناك يعيشون معاناة يومية مع البرد والجوع، ويقتسمون كؤوس الشاي والخبز فيما بينهم يومياً، إذ لا طعام لهم ولا وجبة غيره. الزوجان عزيز والطاهرة، لهما ابن وحيد، وهو يعاني من اضطرابات نفسية مما عمق مأساة العائلة، التي بقيت أجسامها تتآكل من شدة البرد والجوع والعفن.


في الأسبوع الماضي، ابتسمت الطاهرة لأول مرة، فمنذ زمن بعيد لم تسمع صوتا غير صوت زوجها المبحوح، لأول مرة تحس بالحركة داخل قبوها، تحس بالدفء الذي عانقته بسبب صورة انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي. يوم الخميس، سمحت الطاهرة لنفسها بأن تحلم وأن تعبر عن ذلك، وكان أقصى حلمها مؤلماً كما كانت صورتها الأولى. عند سؤالها: ماذا تريدين؟ أجابت بفرح: "أريد أن آكل دانون!".


يقول رشيد، وهو أحد الذين قادوا عملية مساعدة العجوزين: «وجدنا فئرانا ميتة وحشرات وبرغوتا»، مضيفاً بألم «كيف نسمح لأنفسنا أن نعيش وننام بسلام وبنو جلدتنا يموتون وتأكل أجسادهم الرطوبة والجوع؟». وأكد أن «الصورة التي تم تناقُلها تبقى صورة، ولا تحمل سوى 70 في المائة من الحقيقة». هي صورة بدون رائحة، «حيث إن ملامسة الواقع تجعل الإنسان يبكي دماً عوض الدمع».


التعليق:


يحدث هذا في بلدٍ تعج أرضه ظاهراً وباطناً بالخيرات العظيمة، وينافس ملكه كبار مشايخ النفط في حجم ثروته، وتنفق حكومته المليارات على مهرجانات الفسق والفجور، ومع هذا تعجز الدولة عن توفير عيش يضمن أدنى حقوق الكرامة الإنسانية لعجوزين بلغ بهما الكبر عتياً. وحتى عندما تنتشر هذه الصورة المأساة الفضيحة على مواقع التواصل الاجتماعي، لا تتحرك أدنى شعرةٍ في أي حاكم أو وزير أو مسئول ليقول: يا ويلتاه بماذا أواجه ربي يوم القيامة حين يسألني عن هؤلاء؟ يا ويلتاه كيف أدافع عن نفسي أمام ربي وأنا أتقلب في الخيرات والنعم وغيري لا يجد كسرة خبز يطفئ بها جوعه؟


نعم لم يتحرك أي مسئول، لا ولا أيٌّ من قنوات الإعلام التي تتهافت لنقل أخبار المغنين والرقاصين، المغمورين منهم والمشهورين، لنقل هذه المأساة فضلاً عن علاجها أو العمل للقضاء على أمثالها، ليؤكدوا مرة أخرى أنهم ليسوا منا وأننا لسنا منهم، وأنهم لا ولن يحملوا همَّنا ولن يشفقوا لحالنا حتى لو رأونا نتساقط الواحد تلو الآخر من البرد والجوع والفقر والجريمة... وغير ذلك من الآفات التي أوجدوها فينا نتيجة تقصيرهم في رعايتنا وإهمالهم مشاكلنا وانشغالهم بمصالحهم الشخصية ومشاريعهم المالية عن تدبير أمورنا. نعم إننا مع كل موقف خزي لحكامنا نؤكد كذلك أنهم ليسوا منا ولسنا منهم فقد أذلوا الكبير والصغير، واستأثروا لأنفسهم بخيراتنا ومنعونا الفتيل والقطمير، وسلطوا علينا سياط جبرهم حتى أصبحنا نعيش في سجن كبير، وقبل هذا وبعده لم يحكموا بالإسلام قال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).


لكننا نقول لهم إن زمانهم، ولله الحمد والمنة، قد أشرف على الانتهاء، وإن الفرج قريبٌ نكاد نجد ريحه، وإن زماناً يحكمنا فيه رجال عظام من أمثال عمر بن الخطاب قد أهلَّ. ذكرت كتب التاريخ أنه في السنة الثامنة عشرة من الهجرة حين دخل ما يسمى بعام الرمادة وهو العام الذي حصل فيه قحط وجوع شديد، حرَّم عمر على نفسه طيِّب الطعام وقال: كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يصبني ما أصابهم؟ وحلف رضي الله عنه أن لا يأكل سمينًا حتى يرفع الله الضائقة عن المسلمين، وضرب لنفسه خيمةً مع المسلمين حتى يباشر توزيع الطعام بنفسه على الناس، ولقد كان رضي الله عنه يمضي إلى الجماعة من الناس وبيده الزيت وما تيسر من الطعام فيطرح ردائه، ويطبخ لهم ويطعمهم، ثم يبكي ويقول: آه يا عمر، كم قتلت من نفس؟ وقف عمر ذات يوم على المنبر ببُرْده المرقّع، وأثناء الخطبة قرقرت بطنه، فخاطبها قائلاً: "قرقري أو لا تقرقري، والله لا تشبعين حتى يشبع أطفال المسلمين".


وإننا نقول لأمتنا وللعاملين للتغيير، إنكم تدركون ونحن معكم أن بيوت الظالمين المفسدين أَوْهى من بيت العنكبوت، لكننا نُبَصِّركم بأن لا تُقووا أركانه ولا تُطيلوا عمره، وذلك بالرضا بتغيير الظالمين المفسدين دون تغيير البيوت، أو الاشتغال بإصلاح مظاهر الظلم والفساد عن اجتثاث أسبابه، وندعوكم لإزالة العناكب وبيوتها. ونُذكركم أن أس البلاء وسبب الداء أننا لا نحيا بالإسلام فعلاقاتنا تسير بأنظمة وضعية غير إسلامية، وإن سبيل خلاصنا هو في استمساكنا بإسلامنا وإقامتنا لدولته (الخلافة) التي تعلي مناره وتطبق أحكامه وتحسن رعاية أبنائه وأهل ذمته داخليا وخارجيا. فلا تضعوا جهودكم وتضحياتكم في غير موضعها.


إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومِ
فطَعْمُ المَوْتِ في أمْرٍ حَقِيرٍ
فَلا تَقنَعْ بما دونَ النّجومِ
كطَعْمِ المَوْتِ في أمْرٍ عَظيمِ


واعلموا أننا ما لم نحيَ حياةً إسلاميةً فستبقى مظاهر الظلم والفساد وسوء الرعاية في مجتمعنا قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا). فإلى العمل الجاد والتغيير الحقيقي ندعوكم، واعلموا أنكم إن فعلتم فلكم وعد الله بالاستخلاف والتمكين للدين والأمن، ولكم بشرى رسول الله بأن يكون الحكم راشدا، ويومها لن نذْرِف دمعا ولا دما على سوء أحوالنا بإذن الله لأن حاكمنا «رشيد» والمستظل برعايته «عزيز» والمرأة عنده عفيفة «طاهرة» يفديها بالغالي والنفيس، والمسلمون من حوله أعوان له. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (... ثم تكون خلافة على منهاج النبوة تعمل في الناس بسنة النبي، ويلقي الإسلام بجرانه في الأرض يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، لا تذر السماء من قطر إلا صبته مدراراً. ولا تدع الأرض من نباتها وبركاتها شيئاً إلا أخرجته). رواه البزار.


محمد عبد الله

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار