خبر وتعليق   الإسلام السياسي أعطى للأمة هويتها وفتح أمامها مستقبلها
June 28, 2013

خبر وتعليق الإسلام السياسي أعطى للأمة هويتها وفتح أمامها مستقبلها


الخبر:


نشر طلال سلمان رئيس تحرير جريدة السفير في 26/6 مقالاً له في جريدته تحت عنوان: "الإسلام السياسي والعروبة: الماضي يقاتل الهوية والمستقبل"، يلخص مشهد حركات الإسلام السياسي الطامحة إلى السلطة، ويصور حالة الدول التي رفعت شعار الإسلام، بيما تخلت عن مضمونه وجوهره، ليخلص إلى أن مزج الإسلام بالسلطان مفسدة، الذي يحارب "راية العروبة، بوصفها الهوية الجامعة لشعوب هذه المنطقة". ثم يُدلي للقارئ بعلاجه "الساحر" بقوله: "فإن العروبة دعوة إلى توكيد الهوية الحقيقية لشعوب هذه المنطقة بالذات، في صراعها من أجل استقلالها وسيادتها على أرضها وحماية مصالحها... وهي في كل ذلك، لا تفرط بالدين"، و"العروبة قد حمت أبناء هذه الأرض مشرقاً ومغرباً، من خطر التتريك حين حاولت الإمبراطورية العثمانية، وتحت شعار الخلافة، سلب هذه المنطقة وأهلها هويتهم الأصلية وجعلهم من رعايا السلطان".


ثم يسوق بعض الأدلة، فيوضح تهافت الحركات الإسلامية، وكيف "استغلت الدين للوصول إلى السلطة"، ودول تغطت وراء "الإسلام السلفي"، بينما فتحت أرضها وأجواءها للغرب، وأهدت خيراتها للغزاة المحتلين، بينما حكامها "هربوا من العروبة إلى الإسلام الملكي" وأخيراً يستدل "بالنموذج التركي للإسلام السياسي" الذي "يستبطن الالتحاق بالمشروع الأميركي للمنطقة"، ليقدم الكاتب البديل عن الإسلام السياسي ودولته، المتمثل في دولة المشروع القومي، حيث "تلاقى المسلمون بدولهم ذات الهويات المختلفة خلف القيادة العربية وكان مركزها مصر، مسلّمين بشرعيتها، وكان التلاقي على قاعدة سياسية لا دينية، وهذا ما يسر أمر التوحد على الأهداف المتماثلة للشعوب الممهورة بالتخلف والتبعية، والنضال المشترك ضد قوى الاستعمار والامبريالية".


التعليق:


يبدو أن الأخ -وما زلنا نحسبه كذلك- طلال سلمان يقرأ حقب ما قبل التاريخ بدل الواقع، أو يحاول معالجة المشكلات لكوكب آخر. فبداية كان عليه الفصل بين الإسلام ومن يدعي الإسلام، ثم ليحدد حقيقة هوية الأمة ثانياً.


إن الاستشهاد بحركات "الإسلام المعتدل" ودول "الإسلام السلفي" بوصفها ممثلاً للإسلام فهذا لغط كبير. من الواضح أن هذه الحركات وتلك الدول، قد تخلت عن الإسلام جوهراً ومظهراً، وهو ما أكده الكاتب في مقاله، فلِمَ يعود ليعتبرهم ممثلين عن الإسلام، والإسلام منهم براء؟! إن النقاش حول "الإسلام السياسي" بحاجة لتحديد أي إسلام ذاك؟ فهل هو إسلام "حركات الإعتدال"؟ أم "إسلام الدول النفطية المتأمركة" أم "الإسلام السياسي" بنقائه وصفائه، الذي يحمل الإسلام مبدأ ورسالة خير للبشرية؟


نعم، لا تملك حركات الإسلام المعتدل برنامجاً لتطبيق الإسلام، بل إن بعضها صرح بملء فيه، أن "لن يطبق شرع الله"، فلمَ يكون هؤلاء مركز نقاش؟! أما دول "الإسلام السلفي" الأمريكية، فالأمر بحقها غريب عجيب! فأين رأى الكاتب في هؤلاء الإسلام حتى يظهره لنا؟! أم عساه قصد تزين المساجد وإقامة مشاريع العمارة حول الكعبة المشرفة، لتيسير الحج على الناس؟! فكيف يصح هؤلاء ليكونوا مناط البحث حول "الإسلام السياسي"!


الإسلام السياسي هو إسلام دولة الفاروق عمر رضي الله عنه، الذي خاف من أن يسأله ربه عن طريق لم يعبدها لبعير تتعثر في العراق. هو إسلام دولة صلاح الدين، الذي لم تنهضه "كرديته" لنصرة "عروبة" غيره، بل الذي أنهضه إسلام يتفجر وجعاً وألماً لما آلت إليه حال المسلمين. هو إسلام دولة محمد الفاتح، الذي أذاب "تركيته" في بوتقة الإسلام الحنيف، ليفتح أعظم المدن وأمنعها. هو إسلام الخليفة عبد الحميد الثاني، الذي دافع بكل قوة وجرأة وبسالة عن أرض فلسطين، بينما رمى الكاتب دولة الخلافة العثمانية بصنوف التهم. هل أضحت الخلافة العثمانية دولة محتلة غازية، "تسلب هذه المنطقة وأهلها هويتهم الأصلية وجعلهم من رعايا السلطان... تحت شعار الخلافة"؟! أم هي من ذادت عن حياض المنطقة لمئات من السنين، وضحت بشبابها لرفع لواء الإسلام في منطقتنا، ثم فتحت شرق أوروبا، لتنشر إليه النور والهداية؟! دون أن ننكر أن لوثة أصابها في آخر عهدها، لما أفسده فيها الماكرون.


عن أي عروبة وهوية يتحدث محرر جريدة السفير؟! عروبة رمتنا في أحضان فرنسا وبريطانيا تحت نير حراب "الانتداب"؟! ثم أحالتنا أمما وأقواماً ممزقة الأوصال مفتتة البنيان، يستعدي بعضنا بعضاً، قبل أن يأكلنا الغرب قضمة وراء قضمة، دون أي حس من دولة "قومية وطنية عروبية" مجاورة؟! والقبيح في الأمر، أن ما جاء به الكاتب من دليل، يندى له جبين القارئ. فأي مشروع عروبي ذاك الذي قام بين مصر وسورية؟! لم يصمد سوى لأشهر، ولم يحقق للأمة حتى القليل، بل قام بحرب مسرحية فاضخة سلمت ليهود ما تبقى من فلسطين! فأي عروبة وأي هوية تلك؟!


الإسلام بوصفه مبدأ ودولة، ها هو اليوم يمثل للبشرية من جديد بحول الله، ليكشف زيف العروبة الساقط، فليس للأمة هوية سوى إسلامها، الذي أحالها من رعاة للماشية لرعاة للبشرية، وهو من صنع لنا ملاحم التاريخ، حتى صرنا سادة الأرض، وهو من سيصنع لنا المستقبل المشرق بنور الإسلام، ولولاه لبقينا نتقاتل عن غنم هائمة هنا، أو بئر ماء هناك. فالإسلام والعربية طاقتان هامتان لا غنى لنا عنهما، في طريق نهضتنا وتحررنا، لكن "العروبة" بوصفها هوية جامعة، ما هي إلا هوية التمزيق والتفتيت والتشتيت والتجزئة، لم تأت إلا بالخبيث السيء، وحروب أهلية لم تبق ولم تذر. فما بالك كيف "تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير"؟!

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
خليل عبد الله

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار