June 29, 2014

خبر وتعليق الإسلام لا يقتصر على حل المشاكل المتعلقة بالمأكل والمشرب (مترجم)


الخبر:


خلال الأسابيع القليلة الماضية، سيطرت على وسائل الإعلام الماليزية قضية منتجات شوكولاته "كادبري". وأكدت وزراة الصحة الماليزية أن عينات من شوكولاته "كادبري" بالبندق والحليب وأخرى بالحليب واللوز تحتوي على الحمض النووي للخنازير. وبعد يوم، أوقفت دائرة التنمية الإسلامية الماليزية إسناد شهادة "حلال" للمنتجات المذكورة. وقال المدير العام لهذه الدائرة، "داتوك عثمان مصطفى" أن هذا الإجراء اتخذ بعد تحليل أجرته وزارة الصحة الماليزية، كما أنه ستجرى المزيد من التحقيقات بشأن مصدر التلوث بالخنزير. ولكن بعد بضعة أيام، أكد رئيس مجلس الفتوى الوطني أن منتجات "كادبري" هي حلال، بالضبط كما كانت قبل التلوث المزعوم. واستند الحكم على حالة "عموم البلوى"، وهي حالة من سوء حظ أو مشقة سائدة ويصعب تجنبها. وما أثار استغراب الكثيرين، هو تراجع دائرة التنمية الماليزية عن موقفها وقالت أن اثنتين من عينات منتوجات شوكولاته "كادبري" لا تحتوي على الحمض النووي للخنازير. هذا بالإضافة إلى مفاجأة من وزارة الصحة الماليزية التي دافعت سابقا عن قرارها، والتي ادعت أيضا في وقت لاحق احتمال ارتكاب خطأ في إعلان وجود آثار الحمض النووي للخنازير في اثنين من منتجات شوكولاته "كادبري".


التعليق:


إن قصة شوكولاته "كادبري" قصة مليئة بالتناقضات. فقرارات مجلس الفتوى الوطني ووزارة الصحة الماليزية ودائرة التنمية الإسلامية الماليزية المثيرة للجدل، في محاولة لــ"إعادة إضفاء الشرعية" على شوكولاته "كادبري" بعد أن تم تشخيص احتوائها للحمض النووي للخنزير، هي في الواقع قرارات غريبة ومربكة. فقد أفقدها هذا مصداقيتها وأثار حولها تكهنات وشكوكاً بوجود ضغوطات واتجاهات محددة هي وراء تغيير قرارات هذه المؤسسات تغييرا جذريا. إذا كان هذا صحيحا، فإنه من المتوقع من إحدى الشركات العالمية كـ "كادبري" أن تفعل أي شيء ممكن ولن تسكت على أمر قد يسبب خسارة كبيرة لأعمالها، خاصة مع دعم المتحكمين في السياسة لها. أما المسلمون بشكل عام فلن يلمسوا منتجات "كادبري" مجددا فهذه هي حساسية المسلمين في ماليزيا في القضايا المتعلقة بالغذاء، حيث إنهم مستعدون لقطع مسافات طويلة من أجل ضمان أن الأغذية التي يستهلكونها 100% حلال.


هذا أمر جيد، ويعكس بالتأكيد الاهتمام الذي يبديه المسلمون في ماليزيا للطعام الحلال. ولكن، لماذا يتوقف هذا الاهتمام وهذه العقلية على الطعام الحلال فقط؟ من المؤسف بالتأكيد أن حساسية المسلمين على الطعام الحلال آتية من حرمة منتجات الخنزير وهو "كل شيء" بالنسبة لهم كما لو أنه يمثل وحده مفهوم "الحرام"، ويا للتناقض، فقد أهملت العديد من المحظورات الأخرى باستمرار، والتي ينظر إليها كأنها لم تكن جزءا من الإسلام. فإذا كان المسلمون يدركون جيدا حرمة لحم الخنزير، فينبغي عليهم أيضا أن يتركوا جميع المعاملات الأخرى المحرمة مثل الربا، إظهار العورة، الكذب، إيذاء المسلمين الآخرين من خلال القذف والتشهير، الصمت تجاه طغيان القوانين الوضعية، القتال تحت راية عصبية ووثنية وترك مسؤولية حمل الدعوة. من المؤسف بالتأكيد أنه في القضايا المتعلقة بطبيعة تحريم لحم الخنزير يضطرب المسلمون، لكن في قضايا أخرى أكثر خطورة تجدهم غافلين وغير آبهين بها.


كما نشكر ونثني على اتخاذ إجراءات سريعة من قبل دائرة التنمية الإسلامية الماليزية بشأن هذه المسألة. ولكن المؤسف للغاية هو اتخاذ هذه الإجراءات في ما يخص حرمة الخنزير فقط. لماذا لم تثر إلا مسألة الخنزير ولم يتم التحرك إلا من أجلها؟ لماذا لا تتخذ دائرة التنمية الإسلامية الماليزية إجراءات بشأن حرمة النظام الاقتصادي السائد في البلاد والقائم على أساس الربا. لماذا لا تتخذ إجراءات ضد نظام وضعي تتخذه الحكومة الماليزية والذي أدى إلى الوقوع في العديد من المحرمات الأخرى؟ الحقيقة هي أن النظام الرأسمالي العلماني الديمقراطي الذي تطبقه الحكومة، ككل، له جذور عميقة في أذهان المسلمين، ليس فقط في ماليزيا بل في العالم الإسلامي كله. وباعتبار أنه متجذر في أذهان المسلمين، فإنهم غافلون عن حرمته والأسوأ من ذلك يتم قبول هذا النظام بمجمله كقاعدة! وإذا تم فهم هذا فإنه من السهل فهم لماذا قد فشلت دائرة التنمية الإسلامية الماليزية كمؤسسة حكومية إسلامية وستفشل دائماً في تقديس وحماية الإسلام كعقيدة.


وحتى لو كان القادة غافلين أو واعين جدا على حقيقة أن النظام الذي يطبقونه هو على طرفٍ نقيض من الإسلام، فيبقى واقع النظام الحالي لا يحمل أي نية لتطبيق أو حماية أو نشر الإسلام بوصفه عقيدة. ويبدو أن الحكومة مهتمة جدا بهذه الحلقة الأخيرة، لأن القادة هم أنفسهم مسلمون، كما معظم مسلمي ماليزيا، قد تلقوا تثقيفاً بوجهة النظر العلمانية للإسلام وهي كونه لا يتعدى المسائل الشخصية. وحيث يكون دور الحكومة في ما يخص الإسلام، مقتصراً فقط على نطاق محدود جدا من الإسلام. فلا ينظر للإسلام أبداً كدين في مجمله، ولا كحل لجميع مشاكل الإنسان!


يا الله! اهدنا إلى الطريق الصحيح وانصرنا لإعادة دولة الخلافة التي يطبّق فيها الإسلام كله ويكون فيها دينك هو المقياس الوحيد لمعاجلة مشاكلنا.


كتبه لإذاعة المكتب الاعلامي المركزي لحزب التحرير
د. محمد - ماليزيا

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار