خبر وتعليق   الخلافة التي لم يتجاوزها الزمن
November 12, 2012

خبر وتعليق الخلافة التي لم يتجاوزها الزمن

نشرت جريدة الدستور المصرية بتاريخ 14/10/2012 مقالًا للدكتور وفيق الغيطاني المنسق العام لحزب الوفد بعنوان "الخلافة التي تجاوزها الزمن"، والدكتور وفيق بمقاله هذا يدعي باطلاً يكذِّبه الشرع والواقع قبل أن يكذّبه التاريخ، لأن الخلافة لا يمكن أن يتجاوزها الزمن، فهي حكم شرعي واجب الاتباع في كل زمان، والأحكام الشرعية جاءت أصلاً لمعالجة الوقائع، إذ هي خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد. ونظام الحكم هو من الأفعال التي نظمتها الأحكام الشرعية، فحددته بأنه هو الخلافة، ذلك النظام الفريد الذي لا يشبه أيًّا من الأنظمة التي عرفتها البشرية، وهو من التميّز بحيث لا يضاهيه نظام في العالم، لا فيما مضى من عمر البشرية، ولا فيما يستقبل، وأنا لا أدري لماذا هذا الانبهار الذي أصاب الدكتور بنموذج الاتحاد الأوروبي؟، فهو يقول { إن مفاهيم الوحدة الموجودة الآن بين الدول مثل الوحدة الأوروبية نماذج أفضل وحققت نجاحات الكل يشهدها، وسيكون أفضل للدول العربية والإسلامية لو تم تنفيذها من موضوع الخلافة التي تجاوزها الزمن }.


ولنا أن نتساءل ما هي الإنجازات العظيمة التي حققها الاتحاد الأوروبي ولم تحققها الخلافة حتى نتبع سنته؟! فإن تركيز الكاتب على مفاهيم الوحدة التي يرى أن الاتحاد الأوروبي يرسخ لها، ويراها أفضل للدول العربية والإسلامية على حد قوله، مردود عليه أولاً بأن ما بين دول الاتحاد -وأؤكد على كلمة دول- ليست وحدةً حقيقية كما أطلق عليها الدكتور، بل هي اتحاد، وشتان ما بين الوحدة والاتحاد. فنظام الوحدة يعتبر مالية الأقاليم كلها مالية واحدة، وميزانية واحدة تنفق حسب الحاجة على مصالح الرعية كلها، بغض النظر عن فقر أو غنى الأقاليم التي تتشكل منها الدولة، وبغض النظر عن واردات كل منها. وما تقوم به الدول الأغنى في الاتحاد من مساعدة لبعض الدول الفقيرة، يترافق مع تهديدها بإخراجها من الاتحاد إن لم تلتزم بسياسات تقشفية واسعة.


وأنا لا أعلم عن أي وحدة أوروبية يتكلم الدكتور ولم يمر على الاتحاد الأوروبي سوى عقدين من الزمن (منذ اتفاقية ماستريخت سنة 1992م) وهو الآن مهدد بالتفكك والفشل، والجميع يرى تناحر هذه الدول فيما بينها وتصارعها من أجل مصالحها الذاتية، فها هو الاتحاد الأوروبي يفشل في إدخال دول هامة في الوحدة النقدية كإنجلترا مثلًا، حتى إن وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ وصف العملة الموحدة "اليورو" ساخراً بأنها "أكبر ضلال جماعي في تاريخ البشرية"، والأصوات في بريطانيا التي تنادي بالخروج من الاتحاد الأوروبي كلية تكثر وتعلو الآن، ما حدا بوزير المالية الألماني المكسوح "فولفجانج شويبله" أن يسافر بنفسه إلى بريطانيا في كرسيه المتحرك ليترجى الإنجليز بالبقاء في الاتحاد، كما أن هناك دولاً أوروبية مهددة الآن -وعن غير رغبة- بالخروج من منطقة اليورو كاليونان وأيرلاندا والبرتغال وإسبانيا وإيطاليا، وكل هذا أثار حفيظة دولة كسويسرا مثلاً من الدخول أصلاً في هذا الاتحاد حتى لا تكون جزءاً من تجربة مهددة بالفشل. وعلى الصعيد السياسي لم يستطع الاتحاد الأوروبي اتخاذ موقف موحد من غزو العراق مثلاً، فبينما كانت بريطانيا وإسبانيا وإيطاليا جزءًا من التحالف الذي شن العدوان الاستعماري على العراق، عارضت ألمانيا وفرنسا تلك الحرب بقوة. فأين الوحدة الأوروبية المزعومة التي يتحدث عنها الدكتور من كل هذا؟!


وما زالت أوروبا "الموحدة" غير قادرة على تجاوز أزمتها الاقتصادية الخانقة، التي تسبب فيها نظام اقتصادي رأسمالي فاسد يكرس الغنى في فئة قليلة مترفة بينما يتسربل في الفقر قطاع كبير من الناس، يعيشون في دوامة الأقساط المترتبة عليهم لسداد ديونهم التي تقبض على كل مفاصل حياتهم المعيشية. إن ما يجب أن يتجاوزه الزمن ليس كما يدعي الكاتب الدكتور وفيق الغيطاني، نظام الخلافة الإسلامية، بل هو هذا النظام الغربي الرأسمالي العلماني الذي انبهر هو به، وانبهر به الكثير من المضبوعين بما لدى الغرب ولو كان أظهرَ شيءٍ فسادا.


فهل استطاع الاتحاد الأوروبي أو غيره أن يكرر المعجزة التي صنعتها دولة الخلافة الإسلامية بأن صهرت كل تلك القوميات والعرقيات المختلفة في أقاصي مشارق الأرض وأقاصي مغاربها في بوتقة واحدة؟ أخرجت منها أمة عظيمة موحدة، لم تتشرذم إلا بفعل ضربات قوية وجهت إليها من قبل أعدائها، أسقطت دولتها أولاً، ومن ثم قامت بتفتيت بلدانها من خلال اتفاقية سايكس بيكو الاستعمارية إلى كيانات متفرقة هزيلة تفوق الخمسين دولة ودويلة.


لقد تحدث رئيس وزراء بريطانيا كاميرون عن أوروبا بسرعات مختلفة، كما يتحدث الألمان عن منطقة يورو في شمال أوروبا وأخرى خاصة بالمتوسط جرّاء الاختلافات الثقافية والتنوع السياسي وتفاوت القوة الاقتصادية بين الإيطاليين والإسبان والبرتغاليين واليونانيين من جهة، وبين الألمان والسويديين والهولنديين والدنماركيين والبريطانيين من جهة أخرى. هذا عدا الاختلافات اللغوية والعرقية الموجودة بين الأوروبيين، والتي تحول دون تشكل وحدة حقيقية بين دول الاتحاد، ولعل في تصريح وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ بأن " اليورو سيصبح لحظة تاريخية للحماقة الجماعية " وتشبيهه لمنطقة اليورو بأنها " مبنى يحترق من دون أبواب للخروج " يشكل صفعة في وجه المبهورين بالنموذج الأوروبي.


لقد أخطأ الدكتور خطأ حسابيا نعذره فيه، عندما حسب فترة حكم الخلافة منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم عام 633م وحتى هدم الخلافة على يد مصطفي كمال عام 1924م الموافق 1342هـ فجعلها 709 سنة فقط، وربما قام بطرح التاريخ الهجري من الميلادي! فقد حكمت دولة الخلافة ما يقارب الثلاثة عشر قرنا، وليس سبعة كما كتب. ثم إنه بعد ذلك مباشرة اقترف خطأ آخر لا نعذره فيه، عندما ادعى أن التاريخ لم يذكر {تطبيق العدل المطلق سوى في عهد عمر بن الخطاب وحفيده عمر بن عبد العزيز" رضي الله عنهما، وهي فترة لا تتعدى 13 عاما فقط خلال القرون "السبعة" من عمر الخلافة}. لقد اختزل الكاتب تلك الخلافة الراشدة التي أجمع على رشدها العدو قبل الصديق، الكافر قبل المسلم، اختزلها في فترة حكم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ضاربا عرض الحائط بخلافة أبي بكر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين. ومن أتى بعدهم من هارون الرشيد وغيره وغيره، والدكتور حين استعمل لفظ "العدل" وصفه "بالعدل المطلق" تلبيسا على القارئ، فالعدل المطلق لا يتصف به إلا الله سبحانه وتعالى، الذي من أسمائه العدل، ودولة الخلافة الإسلامية دولة بشرية وليست دولة إلهية، والعدل المنشود فيها هو عدل بشري وليس عدلا إلهيا مطلقا يستحيل تحقيقه، مما يجعل الناس ينفضون أيديهم من الإسلام والمسلمين ويصرفون النظر عنهم، إذ إنهم يفتشون عن الملائكة بين المسلمين فلا يجدونهم.


لقد حكمت دولة الخلافة فترة طويلة من الزمن كانت خلالها هي زهرة الدنيا والمثال الذي يحتذى في العدل والإنصاف، أما حالات الظلم التي حدثت خلال هذا التاريخ الطويل للخلافة، فهي بالقياس إلى ظلم غيرها من الدول والأنظمة التي تعاقبت على البشرية قديما وحديثا نقطة في بحر، فأين مساوئ دولة الخلافة من الظلم والقهر الشنيع اللذين عاشتهما البشرية أيام الرومان واليونان؟ وأين هي من الظلم والظلام في عصور أوروبا الوسطى، ومن ثم الدول الاستعمارية الأوروبية التي قهرت شعوب العالم ومصّت دماءها، إلى دولة العنصرية البغيضة في ألمانيا النازية، ومن بعدها الدولة الأمريكية المتجبّرة الظالمة التي صبت حمم آلاتها الحربية القذرة على هيروشيما ونجازاكي وتورا بورا وبغداد.


فإن دول الاتحاد الأوروبي الذي يتغنى الدكتور بجماله قد بنت نهضتها الصناعية من خلال مص دماء الشعوب بعد أن احتلت أراضيها واستعمرتها ردحا من الزمن، قاتلت خلاله من أجل قهر تلك الشعوب، وجعلها تتسربل بالجهل والفقر والمرض، وعندما تركتها ورحلت، خلفت من ورائها حكاما عملاء باعوا أنفسهم للشيطان في سبيل إرضاء أسيادهم في دول الغرب.


إن النموذج الذي يجب أن تحتذيه الأمة في طريق نهضتها هو نموذج الخلافة الإسلامية، ليس فقط لأنه حقق نجاحات منقطعة النظير في كل المجالات، الاقتصادية منها والعلمية...، وفي إيجاد وحدة حقيقية صهرت الشعوب المختلفة صهراً كاملاً، بل لأنه نموذج يقوم على عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام، وقبل ذلك لأنه النظام الذي ارتضاه رب العالمين لهذه الأمة، فأسس بنيانه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكد على فرضيته من خلال أحاديث صحيحة، وأجمع عليه صحابته رضوان الله عليهم، ومن ثم ساروا عليه، فجعلوا من هذه الدولة، الدولة الأولى في العالم في فترة قياسية من عمر بناء الدول.


إن من يطالب الأمة اليوم بأخذ النموذج الأوروبي في الوحدة ويبعدها عن الوحدة الحقيقية التي تقوم على أساس العقيدة الإسلامية والتي أثبتت صحتها وقوتها، وما زالت تربط أبناء هذه الأمة حتى يومنا هذا رغم تفتيت وحدتها السياسية من قبل الكافر المستعمر، إن من يطالب بهذا فإنما يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فيستبدل حكم البشر بحكم رب البشر، فكيف يدعو مسلم لهذا وهو يقرأ قوله تعالى "أفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ" ويقرأ حديث رسول الله الذي رواه مسلم "من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية"، والبيعة لا تعطى إلا للخليفة، فهذا الحديث دليل صريح على فرضية إقامة الخلافة.


شريف زايد

رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير ولاية مصر


رابط مقال الدكتور وفيق الغيطاني :


http://www.dostor.org/%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%89/%D8%B5%D8%AD%D9%81-%D8%A3%D8%AC%D9%86%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/79732-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%89-%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%88%D8%B2%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%85%D9%86

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار