January 09, 2014

خبر وتعليق الخلافة تقض مضاجع الإعلام كما أقضّت مضاجع أسيادهم الحكام


الخبر:


أجرت قناة cbc مقابلة في برنامج "ممكن" مع الدكتور أسامة الأزهري المشرف على مكتب رسالة الأزهر، حاوره خلالها الإعلامي خيري رمضان، حيث تحدث الدكتور أسامة عن سقوط الخلافة، ونشوء فكرة القومية، ثم القومية العربية التي تركزت فيما بعد بفكرة الوطنية، ثم استمر بعد ذلك في الكلام عن الوطنية أكثر من نصف الحلقة، فكان مما قاله: " فكرة الوطن قيمة إنسانية وقرها الدين وزكاها ونماها".


وذكر موقع بوابة الأسبوع الإلكترونية: قال الدكتور أسامة الأزهري المشرف على مكتب رسالة الأزهر خلال حواره مع الإعلامي خيري رمضان في برنامج ممكن على قناة cbc كان لا بد لعلماء الأزهر منذ 70 عاما الانتباه للأفكار التي كانت تطرح وقتها، اليوم سنبدأ قراءة في التاريخ على مدى 80 عاما أو أكثر لتيارات الإسلام السياسي، سنتحدث عن قيمة الوطن في ميزان الدين والشريعة والإسلام وسنناقش قضية الخلافة أيضا.


وقال كلمة الوطن كان وقعها منذ زمن بعيد قاسي على الجماعات الإسلامية خاصة مع تحميل فشل الأمور وقتها لنظام الخلافة حدث تشويش لدى الشباب وأصبحت كلمة الوطن بديلا عن الخلافة الإسلامية بشكل سلبي.. وكانوا يحاولون أن يروجوا أن الوطن ضد الدين.


أما موقع جريدة الدستور فكتب: قال الدكتور أسامة السيد الأزهري، أن هناك جماعات دينية بمصر تحارب كلمة الوطنية بحجة أنها مناهضة لفكرة الخلافة التي يسعى المسلمون لإعادتها، رغم أنها تجعل الشخص يستميت في الدفاع عن بلده.


التعليق:


بداية ولعله من الإنصاف القول بأن من يستمع للدكتور لا يرى فيه كرهًا للخلافة أو حقدا عليها، لكن رغم اطلاعه الواسع على التاريخ، ووعيه على الأحداث، إلا أنه عندما يتحدث عن الخلافة وعن الوطنية، تجد أن لديه اللبس الذي عند غالبية أبناء الأمة على الفكرتين كليهما.


فهو عندما يصف الخلافة يقول: "الخلافة نظام إداري"، ويقول: "دين الله غير متوقف على صورة الخلافة بهيئتها"، ويقول: "دين الله يقدم صيغ المعيشة مهما كانت الأجواء والظروف"، ويطرح أن حل المشكلة بعد سقوط الخلافة كان ممكنًا أن يكون باتحاد فيدرالي كما هو الحال في الولايات المتحدة.


وهنا نقول لفضيلة الدكتور أن الخلافة بهيئتها كما تركنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تبعه من بعده الخلفاء الراشدون والصحابة الكرام رضوان الله عليهم جميعا، على نفس الهيئة، هي فرض ووحي من الله سبحانه وتعالى، فالرسول عليه وآله الصلاة والسلام الذي ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ قد بين لنا شكل الدولة، وأجهزتها في الحكم والإدارة، فلا يجوز لنا أن نتقدمها أو نتأخر عنها بأي شكل من الأشكال، ولا بأي ظرف من الظروف أو حال من الأحوال، لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «ومن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية أخرى: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».


أما الوطنية فقد قال الدكتور: "فكرة الوطن قيمة إنسانية وقرها الدين وزكاها ونماها"، ثم ساق من أقوال العلماء، وأبيات الشعر ما يعزز قوله، وفي كل ما استرشد به لم يخرج عن مسألة حب "الوطن" ولم يتكلم عن الرابطة التي تربط بين الناس، وهنا نقول للدكتور أن الفرق كبير، والبون شاسع، بين حب الإنسان لبيته وحارته ومدينته أو قريته، وبلده، وميله إلى كل هؤلاء أكثر مما عداهم، وهو أمر طبيعي في الإنسان، وبين فكرة الوطنية من كونها رابطًا بين الناس يربط بينهم على أساس القبيلة التي ينتمون إليها، أو التراب الذين يعيشون عليه.


فالوطنية التي ننكرها هي الوطنية التي أنكرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على صحابته الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، بعد غزوة بني المصطلق، لما تنادى المهاجرون يا للمهاجرين وتنادى الأنصار يا للأنصار، والتي أنكرها عليهم لما أغرى بينهم اليهودي الحاقد شاس بن قيس، لما حمل الأوس والخزرج السلاح على بعضهم، فقال لهم عليه وآله الصلاة والسلام، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، دعوها إنها منتنة.


نعم إن ارتباط الناس فيما بينهم على أساس القومية التي ينتمون إليها، أو التراب الذي يعيشون عليه، ارتباط نتن حذرنا منه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، فيجب علينا أن نحذره، ولعل من أبلغ ما قيل في الرابطة الوطنية، ما قاله حزب التحرير في كتاب نظام الإسلام، حيث قال: "تَـنْشَأُ بينَ الناسِ كُلَّما انْحَطَّ الفِكرُ رابِطَةُ الوَطَنِ، وذلكَ بِحُكمِ عيشِهِمْ في أرضٍ واحدةِ والتصاقِهِمْ بها، فتأخُذُهُمْ غريزةُ البَقاءِ بالدفاعِ عنِ النفسِ، وتَحْمِلُهُمْ على الدفاعِ عنِ البلدِ الَّذي يَعِيشونَ فيه، والأرضِ الَّتي يعيشونَ عليها، ومنْ هنا تَأْتي الرابطةُ الوطنيَّةُ، وهيَ أقلُّ الروابطِ قُوَّةً وأكثَرُهَا انْخِفاضاً، وهيَ موجودةٌ في الحيوانِ والطيرِ كما هيَ موجودةٌ في الإنسانِ، وتأْخُذُ دائِماً المَظْهَرَ العاطِفِيَّ. وهي تَلْزَمُ في حالةِ اعتداءٍ أَجْنَبِيٍ على الوطنِ بِمُهاجَمَتِهِ أو الاسْتيلاءِ عَلَيْهِ، ولا شأْنَ لها في حالةِ سَلامةِ الوطنِ منَ الاعتداءِ. وإذا رُدَّ الأَجْنَبِيُّ عنِ الوطنِ أوْ أُخْرِجَ مِنْهُ انتهَى عملُهَا، ولذلكَ كانتْ رابطةً منخفضةً." وقال أيضا في الكتاب نفسه: "وعلى ذلكَ فالرابطةُ الوطنيَّةُ رابطةٌ فاسِدَةٌ لِثَلاثَةِ أسْبَابٍ: أَوَّلاً: لأنَّها رابطةٌ مُنْخَفِضَةٌ لا تَنْفَعُ لأنْ تَربُطَ الإنسانَ بالإنسانِ حينَ يسيرُ في طريقِ النهوضِ. وثانِياً: لأنَّهَا رابطةٌ عاطفيَّةٌ تنشأُ عنْ غريزةِ البقاءِ بالدفاعِ عنِ النفسِ، والرابطةُ العاطفيَّةُ عُرْضَةٌ للتغيرِ والتبدلِ، فلا تصلُحُ للربطِ الدائمي بينَ الإنسانِ والإنسانِ. وثالِثَاً: لأنَّهَا رابطةٌ مُؤَقَّتَةٌ تُوجَدُ في حالةِ الدفاعِ، أمَّا في حالةِ الاسْتِقْرارِ - وهيَ الحالةُ الأصْلِيَّةُ لِلإنسانِ - فلا وجودَ لها، ولذلكَ لا تصلحُ لأنْ تكونَ رابطةً بينَ بَني الإنسانِ".


ويبدو أن فكرة الخلافة باتت تقض مضجع الإعلام، كما أقضت مضاجع أسيادهم الحكام، فقاموا يرمونها عن قوس واحدة، قوس الوطنية النتنة المفرقة، التي سيطرت على عقول المسلمين عقودا من الزمن، ثم بدأوا يكتشفون عوارها، ويتجهون نحو الرابطة الوحيدة الصحيحة، العقيدة الإسلامية، والوحدة الوحيدة الحقيقية، الخلافة الإسلامية، فيريدون أن يركسوهم عن صحوتهم هذه ويعيدوهم أو يبقوهم في ظلام الوطنية وفُرقتها.


﴿أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾


كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمد عبد الملك

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار