خبر وتعليق   المصالحة الفلسطينية مسلسل لم تنته حلقاته بعد
May 15, 2013

خبر وتعليق المصالحة الفلسطينية مسلسل لم تنته حلقاته بعد


الخبر:


كشف جمال محيسن عضو اللجنة المركزية لحركة فتح عن توجه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى القاهرة الأربعاء 15/5 للقاء الرئيس محمد مرسي بدعوة من الرئيس المصري لدراسة ملف المصالحة.


وأكد محيسن، في تصريحات لوكالة «معًا» الفلسطينية للأنباء أن وفدًا من حركة فتح برئاسة عزام الأحمد مسؤول ملف المصالحة سيتوجه إلى القاهرة الثلاثاء 14/5 للقاء وفد حركة حماس لبحث المصالحة.


ونقلت بوابة الشروق عن محمود الزهار عضو المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس قوله أن وفدًا من الحركة بدأ زيارة رسمية إلى القاهرة لبحث ملفات المصالحة الفلسطينية المتعثرة منذ أشهر.


وقال الزهار في تصريحات نقلتها وكالة «شهاب» الفلسطينية للأنباء إن موقف حركته ثابت بضرورة العمل على تطبيق المصالحة كرزمة واحدة وإجراء انتخابات متزامنة للمجلس التشريعي ومنظمة التحرير كمفتاح لحل الأزمة بين حركته وفتح.


وأعلن إسماعيل هنية رئيس حكومة قطاع غزة أن حكومته مستعدة لدفع ما أسماه "استحقاقات المصالحة الفلسطينية" وأضاف: "إن الأنباء الواردة من القاهرة حيث تعقد حوارات المصالحة مطمئنة ومبشرة". وكان وفدا حركتي فتح وحماس قد توصلا خلال اجتماع عُقد السبت 11/5 بالقاهرة إلى صيغة توافقية حول الملفات الخمسة التي تضمنها اتفاق المصالحة الفلسطينية التي تم التوصل إليها في القاهرة في مايو - ايار من العام الماضي.


وقال متحدثون باسم الحركتين لمراسل الأناضول إنه تم وضع جدول زمني لبدء تنفيذ ما تم الاتفاق عليه سابقًا بين الحركتين بخصوص إنجاز المصالحة الفلسطينية يتضمن استئناف لجنة الانتخابات المركزية عملها في الإعداد للانتخابات في كل من الضفة وقطاع غزة، كما تم الاتفاق على موعد التاسع من شهر فبراير/شباط المقبل لعقد اجتماع لتفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية، على أن يتم إنجاز قانون انتخابات المجلس الوطني النهائي في ذلك الاجتماع.

التعليق:


إن مسلسل المصالحة الفلسطينية الطويل الذي انطلق منذ سنوات طويلة ولمّا تنتهِ حلقاته بعد -ولا يُتوقع لها أن تنتهي في القريب العاجل- ما هو سوى عملية إبراز وتقديم قوى سياسية فلسطينية محلية للمجتمع الدولي الذي تقوده أمريكا من أجل الاعتراف بها، ومن ثم اعتمادها في أية عملية سلمية مع دولة يهود ترعاها أمريكا في المستقبل.


وعرّابا المصالحة الرئيسان وهما حركة فتح وحركة حماس ما زالتا ومنذ أكثر من عقد من الزمان منهمكتين في تثبيت مواقعهما المتأرجحة في جناحي السلطة في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث تستعين سلطة دايتون / ميللر بقيادة فتح في رام الله بدولة يهود، وبشكل مباشر، لتثبيت مكانتها المتهلهلة أمام الناس، فيما تمكّنت سلطة غزة من الاحتماء من ضربات دولة يهود المتكررة عليها مستعينة بمصر وتركيا وإيران وقطر، وسكوت أمريكا أو ما يُسمى بالمجتمع الدولي على وجودها لإبقاء حركة حماس في مركز دائرة القضية الفلسطينية، ملتزمةً التزاماً صارماً بمنع إطلاق الصواريخ على كيان يهود بقدر ما تستطيع، وملاحِقة المجموعات الجهادية التي تُحاول القيام بذلك ومعتقِلةً عناصرها للحيلولة دون قيامها بإطلاق الصواريخ أو الحد من إطلاقها بنسبة تُقارب المائة بالمائة مع الأيام.


لقد تمكنت حماس بسلوكها هذا من تحقيق رضا الأطراف الدولية وفي مقدمتهم الأمريكان إلى حدٍ ما، وتمكنت بالتالي من نيل قبول الأطراف الإقليمية بها، وظهرت بذلك كمنافس جدي وخطير لحركة فتح من الناحيتين الدولية والإقليمية.


وهكذا انطلقت الحوارات والمفاوضات حول المصالحة بين الحركتين على أساس المكتسبات السياسية التي حقّقتها كلتا الحركتين على الأرض، وكانت الاشتراطات المتغيرة في المفاوضات من قبل الحركتين تُعبّر عن ثقل ووزن كل منهما على الأرض، وهذا ما يُفسر التردد والتراجع عن المواقف التي كان يتم التوافق عليها، حيث غالباً ما كانت تمثل تلك الاشتراطات تزايداً أو تناقصاً في ثقل ووزن الحركتين في أوقات التفاوض المختلفة.


ويبدو أن أوراق حركة حماس السياسية في هذه الأيام قد ترجّحت كفتها على أوراق حركة فتح خاصة بعد وصول مرسي إلى السلطة في مصر، وبعد تزايد تأثير من يوصفون بالمتطرفين الإسلاميين في المنطقة أو من يُسمون بـ (الراديكاليين) حسب تعبير القوى الكبرى.


إنّ لجوء حركتي فتح وحماس كلتاهما إلى القوى الإقليمية والكبرى وتنافسهما على نيل ثقتها لن تُفيد القضية الفلسطينية في شيء، بل إنّ خطر ارتمائهما في حضن القوى الكبرى هو أخطر ما في ذلك التنافس، حيث إنّ ما بذلته الحركتان من جهود مضنية للوصول إلى مرحلة الاعتراف بهما من قبل المجتمع الدولي كممثلتين (شرعيتين) للفلسطينيين يعيد القضية الفلسطينية إلى مربعها الأول، ويُكرس فكرة أنّ الهيئات الدولية وعلى رأسها مجلس الأمن هي من يُقرر مصير الفلسطينيين وقضيتهم وفي ذلك إعادة للقضية إلى الوراء بلا ريب.


ألا يعلمون أن الأمم المتحدة وشرعتها الدولية هي التي تسببت في ضياع القضية الفلسطينية؟ وألا يُدركون أن أمريكا ومعها مجلس الأمن والهيئة العامة للأمم المتحدة هي سبب كل نكبات الشعوب الإسلامية والفلسطينيين بشكل خاص؟


إنّ مجرد القبول بالالتزام بأي إطار إقليمي كالجامعة العربية أو دولي كالأمم المتحدة معناه الاعتراف بكيان يهود والإبقاء على وجوده بشكل دائمي، وإنّ مجرد الركون إلى دول كمصر وتركيا وقطر معناه الركون إلى أمريكا ودول الغرب الكبرى الأخرى لأن هذه الدول إنما هي دول تابعة لها ولا تملك أية إرادة سياسية حقيقية مستقلة.


وهكذا نجد أنّ فكرة المصالحة بحد ذاتها بين السلطة الفلسطينية التابعة للاحتلال وبين حركة حماس لا تعني إلا مزيداً من خنوع الحركتين للاحتلال، وقبولهما بحلول وسط فيما بينهما تُبقي الحركتين ومعهما أهل فلسطين على الأقل في حالة هدنة دائمة مع دولة يهود، وتكون الحركتان مسؤولتين عن حفظ أمنها، وتذودان عن حدودها، وتمنعان كل من يريد مهاجمتها.


هذا على المدى القريب، أما على المدى البعيد فالكارثة أعظم حيث على الأغلب أنه سيتم التوقيع على اتفاقيات جديدة من قبل الحركتين واللتان تُمثلان في نظر المجتمع الدولي التيارين الرئسيين (الديني والوطني) وبالتالي ستتحدثان باسم الفلسطينيين جميعاً ومن ثم ستُكرسان وجود الاحتلال بشكل دائمي وآمن في فلسطين.


لذلك فإنّنا نرى أنّ نجاح فكرة المصالحة بين فتح وحماس -وبخلاف ما يرى كثيرون- ضررها كبير على المسلمين بشكل عام، وعلى الفلسطينيين بشكل خاص، وهي عقبة جديدة ستُضاف إلى جانب عقبات النظام الرسمي العربي القديمة والكثيرة والتي تقف أمام طريق تحرير فلسطين تحريراً حقيقياً من خلال تحريك جيوش المسلمين للجهاد في فلسطين وقلع دولة يهود من الجذور.

أبو حمزة الخطواني

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار