September 02, 2012

خبر وتعليق المساواة بين الرجل والمرأة في الدستور التونسي الجديد

قال رئيس الحكومة التونسية المؤقتة حمادي الجبالي -وفق وكالة الأنباء التونيسة الرسمية- ( إن المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات مسألة محسومة، مشدداً على ضرورة النأي عن توظيف هذه المسألة سياسياً )، وأكد رئيس الحكومة التونسية دعمه لمكاسب المرأة وبخاصة منها مجلة ( قانون الأحوال الشخصية ).


تأتي هذه التصريحات ردا على الاحتجاجات التي شهدتها العاصمة التونسية في يوم المرأة التونسية والتي تظاهر فيه قرابة سبعة آلاف شخص رافعين شعارات تطالب بالمحافظة على مكاسب النساء وتطويرها، وإقرار مساواة فعلية بين المرأة والرجل في الدستور الجديد، الذي نص في مسودته على اعتبار ( أن المرأة مكملة للرجل )، وقد طالب المتظاهرون بالإبقاء على قانون الأحوال الشخصية لعام 1956م الذي يمنح المرأة مساواة فعلية كاملة بالرجل، وقد طالب بيان مشترك لجمعية النساء الديمقراطيات والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والحزب الجمهوري والمسار الديمقراطي الاجتماعي، وحزب نداء تونس، طالب بالمساواة الفعلية دون قيد أو شرط في جميع الحقوق والواجبات بين المرأة والرجل.


وتعد هذه الأحداث ردة فعل استباقية لاستعداد المجلس الوطني التأسيسي لصياغة الدستور الجديد للبلاد، هذا المجلس الذي يتكون من 217 عضوا تم انتخابهم في 28/10/2011م، وقد فاز حزب النهضة بالنصيب الأوفر من المقاعد بحصوله على 89 مقعداً بفارق عظيم بينه وبين المؤتمر من أجل الجمهورية الذي أتى في المرتبة الثانية بـ 29 مقعداً.


إنه من أبجديات الفكر الديموقراطي أن الحزب الذي فاز بأغلبية الأصوات، وحاز على ثقة الشعب أن ينفذ أيدلوجيته على أرض الواقع، ولكن حدث العكس تماما عندما تخلى حزب النهضة عن أي فكر إسلامي ادعاه وكوَّن مع حزبين علمانيين الائتلاف الحاكم، متنازلاً عن أهم شيء أوصله للسلطة وحاز به على ثقة الشعب التونسي المسلم، الذي يتشوق لأفكار وأحكام الإسلام، بعد أن عاش في علمانية قطعت صلته بالإسلام.


إن تصريحات حزب النهضة الفضفاضة التي يحاول بها أن يرضي الجميع تفقده المصداقية وثقة الشارع التونسي المسلم الذي انتخبه، ففي الوقت الذي يصر فيه حزب النهضة على تعديل المادة الدستورية المتعلقة بالمساواة بين الجنسين، يصرح كما في تصريح رئيسه، أو رئيس الحكومة أنها لا تستهدف المسّ بالحقوق التي اكتسبتها المرأة التونسية، ولا تتحدث عن موقف مبدئي ثابت، مما جعلهم مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وأطلق للحركات النسوية اليد في إيجاد أجواء تهويلية لما يحدث، باعتباره خطراً على ما حصلن عليه في عهد بورقيبة، وقالت هيئة احتفالات 13 آب في بيان لها: ( تواجه تونس ونساؤها في هذه اللحظة التأسيسية ردّة جديدة تحاول جر حركة التاريخ إلى الوراء، وتهدد بنسف المكتسبات التي ضحت الأجيال من أجلها، محاولة فرض توجهات وأنماط من العيش غريبة عنا تسعى لنسف المؤسسات والنظام الجمهوري ) واعتبر البيان أن ( نساء تونس مهددات في حريتهن واستقلاليتهن وكرامتهن بواسطة بنود رجعية يحاول واضعوها تسريبها إلى الدستور، ومهددات أيضاً في حياتهن اليومية وفي إبداعهن ونشاطهن الاجتماعي والسياسي والثقافي والعلمي ).


وقامت ناشطات بترويج حملة إعلامية ضخمة لاستدرار عطف الغرب؛ حامي حمى حقوق المرأة المزعومة، وقد نجحن لحد أن الأمم المتحدة قامت بإرسال وفد للاجتماع بالحكومة والوقوف على الأمر خوفاً من انهيار رجل الجليد، وتحطم النموذج العلماني في تونس، والتي حرمت فيها أجيال من الفتيات من التعليم بسبب لباسهن ( الزي الشرعي )، ولم تحرك هذه الجمعيات النسوية ساكناً، بل وقفت دول الغرب؛ حامية الديمقراطية وحقوق الإنسان بأممها المتحدة المزعومة موقف المتفرج. على ذلك والآن كل هذه الضجة الاعلامية فقط لفقرة في الدستور تقول بتكامل دور المرأة والرجل، مما يدل على هشاشة هذه الحقوق التي هي من وحي العقل البشري المحدود.


أما الغضب الذي يجتاح من يدافعن عن المكتسبات المزعومة، فهو لسبب عودتهن مجدداً للدفاع عن قانون الأحوال الشخصية، بينما كنّ قبل الثورة يسرن قدماً في الحصول على مزيد من المكاسب بالدعوة للمساواة في الإرث، والله بالغ أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


وقد ذكرت صحف غربية أن الاحتجاجات في تونس، التي تدافع عن حقوق المرأة اقتصرت على طبقة من المجتمع، ولم تكن في كافة أطياف المجتمع، هذه الطبقة هي المتأثرة بالحضارة الغربية التي ترجمت على واقع عهد بورقيبة وبن على، ومما أوجد هذه الميول لدى هؤلاء المدافعين عما أسموه مكتسبات وثوابت لا تمس، وطرحه على وجه التقديس، كما يفعلون مع النظام الجمهوري، وهذا فيه تناقض تام مع أدعياء الليبرالية وتحكيم العقل، والتصلب على ما هو موروث بدون النظر إلى البدائل الممكنة وتفحص النظام بموضوعية.


إن قانون الأحوال الشخصية التونسي في حقيقته هو مزيج من قوانين تحوي على القانون المدني الفرنسي، وبعض الآراء الإسلامية غير المعتبرة، والتي تؤول النصوص الشرعية وتشكلها لتوافق القالب الغربي. بعد عشرين سنة من حكمه، قال بورقيبة في مقابلة مع مجلة ليموند الفرنسية الصادرة في 21 مارس 1976م مفتخراً بأهم إنجازاته: ( أغلقت جامع الزيتونة، وحررت المرأة وأصدرت قانون الأحوال الشخصية الذي يقطع علاقة الأسرة بالإسلام ) وقد بذل بورقيبة الوسع في ترسيخ أفكار الغرب والسعي لتأسيس النظرة الغربية للمرأة في تونس، وحمل هذا اللواء من بعده الرئيس بن علي لا لشيء إلا العداء السافر للإسلام، ومحاولة لطمس أي أثر له في المجتمع. ومجلة الأحوال الشخصية مخالفة في كثير من فصولها لأحكام الإسلام صراحة، في مسائل الطلاق والتعدد والتبني والقوامة، مخالفة وصلت حد التجريم والمنع من التعدد؛ الذي هو حكم شرعي في الإسلام بأدلة تفصيلية، بجانب أنه حل رباني لمشاكل مستعصية في المجتمع. فماذا جنى المجتمع في تونس من هذه القوانين الوضعية الباطلة شرعا :


تحريم ما أحل الله، قال تعالى: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ) (36 سورة الأحزاب)، مما جر المجتمع إلى عين ما وقع فيه الغرب الذي يستنكر التعدد، ويتعاطى مجتمعه الزنا والعلاقات غير الشرعية.


التشريعات المنحازة للمرأة والمتعسفة ضد الرجل جعلت الشباب يعزفون عن الزواج، مما ساهم في ارتفاع نسبة العنوسة وأضر بالمرأة كما بالرجل وهذه النسبة في ارتفاع مستمر. كما ورد في تقرير الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري (بالتعاون مع هيئات أخرى) والذي تم توزيعه أثناء مناقشة ميزانية الدولة لعام 2008، ورد أن عزوبة الإناث في عمر الإخصاب الأقصى (25-34) تشمل نصف الإناث وهذا سيؤدي سلباً على الخصوبة.


ونتج عن النظرة الحالية للعلاقة بين الرجل والمرأة مشاكل كثيرة منها ارتفاع نسب الطلاق ( تونس هي الأولى عربيا والرابعة عالميا في نسبة الطلاق ) دون مبالاة لما يترتب عليه حال المجتمع. الاستخدام المفرط لسلطة القانون لمعالجة النزاعات الأسرية، أكثر من 400 ألف رجل مهدد بالسجن في حال التخلف عن دفع النفقة التي يفرضها القانون على الرجل. وساد جو من الندية والشقاق في المجتمع بين الرجل والمرأة بدلاً من المودة والرحمة والتعاون لرفعة المجتمع والأمة. كل ذلك ليس انتصاراً للمرأة بل للشيطان، ومدعاة للشقاء والتعاسة، وظلم واضح غير خفي للرجل وحقوقه التي منحها له رب العالمين.


وكانت نتيجة المناداة بالمساواة التامة بين المرأة والرجل هضمت الحقوق وزادت الظلم والتعسف للرجل والمرأة على السواء، فقد تساوت المرأة بالرجل في تونس في العمل والكد والعناء، فحملت المرأة أعباءها وأعباء الرجل، وقامت بدوره ودورها في المجتمع فخسرت وأرهقت، وأرغمها المجتمع على رسم ابتسامة الرضا على وجهها وهي لا تستطيع أن تنيب الرجل بتحمل أعبائها إن تعبت، لأنها تعتبر ذلك نقصاً لها وعدم تساويها بالرجل، والله العليم الحكيم اختصاها من دون الرجل بالحمل والرضاعة، فتراها تنتقل من دور الرجل، وتكاليف دور المرأة في دوامة طاحنة، وبدلاً من التمتع بحق الإنفاق الذي منحه لها الإسلام، أصبحت ترى في تونس المرأة المعيلة التي تنفق على أسرة كاملة، بل تنتقل بين عدة وظائف لسد رمق من تعيل.


لذلك فالمساواة ليست شكلا خارجيا يباهى به، بل جوهرها يتنافى مع الاستقرار والطمأنينة، ولا ينسجم مع فطرة المرأة.


إن من يطرح فكرة المساواة بين شيئين، عليه أن يتأكد عقلاً من أن الشيئين متساويان في واقعهما، فهل يتساوى الذكر والأنثى في المكونات الجسدية والوظائف الحيوية تمام المساواة؟! قال تعالى: ( فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ). إن المرأة الواعية لا تتظاهر لقوانين وضعية بشرية تمنح بجرة قلم وتسكب بجرة قلم، بل تسعى جاهدة لاسترداد حقوقها التي منحها لها قيوم السموات والأرض، وسلبتها إياها الأنظمة الوضعية.


إن النقاشات حول المساواة وعدم المساواة بين المرأة والرجل، لا تعدو كونها مجرد سفسطة فكرية لا جدوى منها، والإسلام جعل لكل من المرأة والرجل دورا ومسئولية، وكل يسعى لأن يؤدي دوره على وجه يرضي الله ورسوله، وحقوق المرأة المعتبرة شرعاً هي التي منحها إياها رب العزة جلت قدرته الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا، حقوق لم تطالب بها، ولم تصارع من أجلها، ولم تعط لأغراض سياسية ولا حسابات بشرية، بل هي من لدن حكيم خبير، لا تتبدل ولا تتغير حتى يرث الله الأرض ومن عليها.


فهناك أحكام خص الله بها المرأة وأخرى خص بها الرجل، عندما تتعلق التكاليف بالأنثى بوصفها أنثى، أو بالذكر بوصفه ذكراً، وهي متنوعة لأنها جاءت لمعالجة أمر معين لإنسان معين لا مطلق إنسان، لذلك جعل الإسلام شهادة امرأتين بشهادة رجل واحد في الأعمال التي تكون في جماعة الرجال، واكتفى بشهادة المرأة الواحدة في الأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء، كشهادتها في ثبوت الرضاعة. كما فرض النفقة على الرجل دون المرأة... الخ. وحيث تكون هذه الحقوق والواجبات متعلقة بالإنسان بوصفه إنساناً تكون واحدة للرجل والمرأة، قال تعالى: ( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ).


وعندما طبق هذا المبدأ على أرض الواقع في دولته دولة الخلافة الراشدة، جعل المرأة تنافس الرجل في رضا الله عز وجل للفوز بالجنة، وانصبّ تفكيرها في أن لا يفوتها أجر، أو تحرم من فرصة لنيل ثواب الله، ولم تكن المرأة أبداً منافسة على إبراز المكاسب الدنيوية الفانية.


فهذه أسماء بنت زيد بن السكن الأنصارية، إحدى نساء بني عبد الأشهل هي من المبايعات، وهي ابنة عمة معاذ بن جبل تكنى أم سلمة وقيل أم عامر مدنية. كانت من ذوات العقل والدين روي عنها أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ( إني رسول من ورائي من جماعة نساء المسلمين كلهن يقلن بقولي وعلى مثل رأيي إن الله تعالى بعثك إلى الرجال والنساء فآمنا بك واتبعناك ونحن معشر النساء مقصورات مخدرات قواعد بيوت ومواضع شهوات الرجال وحاملات أولادهم وإن الرجال فضلوا بالجمعات وشهود الجنائز والجهاد وإذا خرجوا للجهاد حفظنا لهم أموالهم وربينا أولادهم أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله؟ ) فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه إلى أصحابه فقال: " هل سمعتم مقالة امرأة أحسن سؤالاً عن دينها من هذه ". فقالوا: بلى والله يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " انصرفي يا أسماء وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها لمرضاته واتباعها لموافقته يعدل كل ما ذكرت للرجال ". فانصرفت أسماء وهي تهلل وتكبر استبشاراً بما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم. روى عنها محمود بن محمد وشهر بن حوشب وإسحاق بن راشد وغيرهم.

غادة عبد الجبار
القسم النسائي- أفريقيا
المكتب الإعلامي المركزي

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار