July 11, 2013

خبر وتعليق الميزانية العامة للدولة مجرد أداة للخداع


الخبر:


في 30 من يونيو حزيران 2013م، أقرّ البرلمان في بنغلاديش الميزانية الوطنية التي تبلغ 2.225 مليار تاكا للسنة المالية 2013-2014. وبعد عرض وزير المالية الميزانية في 6 من حزيران، لم تك هناك مناقشات من قبل الأحزاب السياسية في البرلمان حول السياسات والاستراتيجيات الاقتصادية للتنمية أو مصادر الإيرادات والنفقات. وبدلاً من ذلك فقد تم تمرير هذه الميزانية بينما اشتغل أعضاء البرلمان في الجلسات في توجيه الاتهامات وكشف الفضائح الشخصية ضد بعضهم البعض، وتجاهلوا مصالح الأمة، فلم يناقشوها ولم يلقوا لها بالاً!

التعليق:


إنّ جميع الميزانيات في ظل النظام الرأسمالي، أو بالأحرى يجب أن يطلق عليها "المال المسلوب من الناس" وسيلة ظلم، حيث تُخصص الموارد لمصدر الفساد، دون أن تُعطى احتياجات الناس أيّة أولوية. إنّ الميزانية الوطنية في بنغلادش هي أداة للخداع ومحض أكاذيب ووعود فارغة، ففي ظل حكم حزب رابطة عوامي ذكر صراحة في برنامجه الانتخابي في عام 2008م أنّه سيتم تخفيض عدد السكان الفقراء من 65 مليوناً إلى 45 مليوناً بحلول عام 2013م؛ وسيتم تخفيض عدد العاطلين عن العمل من 28 مليوناً إلى 24 مليوناً بحلول عام 2013م. ولكن تناسى وزير المالية في هذا العام، عام 2013م عدد الفقراء والعاطلين عن العمل في خطاب ميزانيته. فاختبأ وراء الإحصاءات، وذكر أنّ نسبة الفقر انخفضت بنسبة 10% مقارنة مع عام 2005م، نقلاً عن دراسة عام 2010م، وفيما يتعلق بالتوظيف، فقد اختبأ وراء آخر إحصائية بدل أن يذكر العدد الحقيقي للعاطلين عن العمل.


وللقضاء على الفقر -المصطلح الذي يتم تعريفه وتغيير تعريفه حسب رغبات البنك الدولي- فقد تعهدت الحكومة بتبنّي برامج مختلفة لتحقيق الأمان الاجتماعي كما ادّعت، فكان المبلغ المخصص للعام الماضي 1.384 مليون تاكا، والمبلغ المقترح للعام المقبل 2.275 مليون تاكا. وفي دراسة أجريت مؤخراً من قبل المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية (IFPRI)، تم الكشف عن أنّ الجماهير الفقيرة المستهدفة في هذه البرامج -التي تمثل 40% فحسب من مجموع السكان- تلقوا 55% فقط من تلك المخصصات، في حين تحولت الـ45٪ الباقية من فوائد شبكة الأمان الاجتماعي إلى الـ60% من الأغنياء! وهم ممن لا تنطبق عليهم شروط الفئة الأكثر ضعفاً! لذلك، كانت هذه البرامج مصدر فساد في الأساس، وغالباً ما تستخدم موارد هذه البرامج كأدوات سياسية من قبل البلطجية.


لقد كان لحزب رابطة عوامي السباقة في إعلان توليد الطاقة، حيث تعهدت الحكومة في برنامجها الانتخابي بأنّ توليد الطاقة سيزداد إلى 7,000 ميغاوات بحلول عام 2013م، وهو على أيّ حال منخفض جداً بالنسبة للطلب الحالي على الطاقة. وحتى بعد نهب المال العام باسم الإيجارات السريعة للطاقة في 30 من يونيو/حزيران 2013م، لم يتعد توليد الطاقة الـ6,041 ميغاوات.


لقد نهبت الحكومة الظالمة أموال الناس عن طريق زيادة أسعار الكهرباء ست مرات في آخر أربع سنوات ونصف، وذلك بإملاءات من صندوق النقد الدولي، فأضحت البلاد كلها تعاني من ضنك في العيش، وشدة حرارة الصيف، فالتيار الكهربائي ينقطع كل ساعة في المدن ولساعات في المناطق الريفية. وإلى جانب مشاريع الطاقة هذه، فقد حققت حكومة الشيخة حسينة للأمة فساداً هائلاً آخر في سوق رأس المال، وفي جسر بادما ومشاريع البنية التحتية الأخرى، وفي القطاع المصرفي والشركات متعددة المستويات في التسويق.


لقد تعرضت هذه الأمة لخيانة الحكام مراراً وتكراراً مع مختلف الكلمات والإحصاءات، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا إِنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ أَلَا وَلَا غَدْرَ أَعْظَمُ مِنْ إِمَامِ عَامَّةٍ» [مسند أحمد].


لقد أنزل الله سبحانه وتعالى نظاماً من عنده يحل مشاكل الناس بدلاً من خداعهم. فقد عرف الإسلام الاحتياجات الأساسية للإنسان، وجعل على حاكم الدولة الإسلامية "الخليفة" توفير الحاجات الأساسية للرعايا. عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح معافى في بدنه آمنا في سربه عنده قوت يومه فقد حيزت له الدنيا، يا ابن آدم، يكفيك ما سد جوعتك ووارى عورتك، فإن كان بيت يواريك فذاك، وإن كانت دابة تركبها فبخ، فإن الخبز وماء الجر وما فوق الإزار حساب عليك» [البيهقي].


ورد في مقدمة الدستور لحزب التحرير، في المادة رقم (125): "يجب أن يُضْمَنَ إشباع جميع الحاجات الأساسية لجميع الأفراد فرداً فرداً إشباعاً كلياً. وأن يُضْمَنَ تمكين كل فرد منهم من إشباع الحاجات الكمالية على أرفع مستوى مستطاع." وذكر أيضاً في المادة رقم (153): "تـضـمـن الـدولـة إيجـاد الأعـمـال لكـل مـن يحمل التابعية." وفي المادة رقم (156) "تضمن الدولة نفقة من لا مال عنده ولا عمل له، ولا يوجد من تجب عليه نفقته، وتتولى إيواء العجزة وذوي العاهات".


إنّ الناتج المحلي وتنميته ليس هدفاً للدولة الإسلامية، بل إنّ تركيز الدولة يكون منصباً على سد الاحتياجات الأساسية للفرد. كما ستحرص دولة الخلافة على توفير فرص العمل، من خلال وضع الأولوية للقطاع الزراعي والصناعي وكذلك العسكري. وستُستخدم موارد الطاقة لتحريك عجلة التصنيع في دولة الخلافة. كما أنّ الإسلام لا يسمح بخصخصة الكهرباء، ومصادر الطاقة مثل الغاز والنفط والفحم، وغيرها من الملكية العامة، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ فِي الْمَاءِ وَالْكَلَإِ وَالنَّارِ وَثَمَنُهُ حَرَامٌ». [ابن ماجه]. لذلك فإنّ دولة الخلافة لا تهدف إلى تحقيق الأرباح من مصادر الطاقة، وإنّما تضمن تمكين الناس منها بأسعار في متناول الجميع.


إنّ الخليفة في نظام الحكم الإسلامي مسؤول أمام الشعب عن كل تصرفاته، وسيقوم بوضع السياسات الاقتصادية للدولة وفقاً للأحكام الشرعية كما هو منصوص عليه في القرآن والسنة، كما سيتحمل الخليفة مسئولية حل مشاكل الناس. لذلك، يجب على جميع الناس التخلي عن النظام الرأسمالي الذي أرهقهم، والعمل الجاد لإقامة نظام الخلافة، نظام الحكم الوحيد الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى لنا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمد ريان حسن / عضو حزب التحرير في ولاية بنغلاديش

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار