February 13, 2013

خبر وتعليق النظام الرأسمالي هو الذي يتحمل المسؤولية عن تأجيج العنف ضد المرأة


في الرابع عشر من شباط/فبراير 2013م، رعت حركة "في - ديي" فعالية تحت عنوان "انتفاضة المليار" وهي دعوة إلى مليار امرأة في جميع أنحاء العالم للانتفاض والمطالبة بوضع حد للعنف ضد المرأة. وبحسب هذه الحركة، ستنظم نساء في مئة وخمس وتسعين دولة أنشطة مختلفة في مجتمعاتهن في هذا اليوم لتحقيق المزيد من الوعي والانتباه لهذه القضية، ومن بين تلك الدول ثلاثون بلدا مسلما. "انتفاضة المليار" تأخذ اسمها من إحصائية للأمم المتحدة تتوقع أنه سيتم اغتصاب وضرب واحدة من ثلاث نساء في العالم خلال حياتهن، وهو ما يعادل مليار امرأة وفتاة.


يأتي هذا في الأسبوع نفسه المقرر فيه تجديد مجلس الشيوخ الأمريكي لقانون العنف ضد المرأة (فاوا) الذي صدر للمرة الأولى في عام 1994 وانتهى في سبتمبر 2011.


قانون (فاوا) صدر لمعالجة المستويات العالية من العنف المنزلي، والمطاردة، والاعتداءات الجنسية والاغتصاب داخل المجتمع الأمريكي من خلال تعزيز تطبيق قانون الدولة ضد مرتكبي تلك الاعتداءات وتوفير الخدمات للضحايا. وفي حال مُرِّر فإن القانون سيسمح للحكومة الاتحادية بإنفاق 659 مليون دولار على مدى خمس سنوات على شكل منح للدول والحكومات المحلية لتنظيم مشاريع للتصدي للعنف ضد المرأة. هذه هي طبيعة الدول الرأسمالية في إنفاق الأموال لحل مشكلة أو استخدام تشريعات غير محسوبة لمعالجة أي أمر بدلا من قبول الاعتراف بضرر قيم ونظامها الرأسمالي الليبرالي على المجتمعات.


بعد ما يقرب من عشرين عاما على قانون (فاوا) وقوانين أخرى عديدة تحظر العنف ضد المرأة، لا تزال هذه الجرائم عند مستويات مذهلة في أمريكا في ظل النظام الرأسمالي الليبرالي.


ففي الولايات المتحدة، تموت ثلاث نساء يوميا على أيدي أزواجهن أو شريكهن أو شريكهن السابق. وواحدة من كل خمس نساء وقعن ضحايا للاغتصاب أو محاولة الاغتصاب، وقد اعتدي على شرف واحدة من كل أربع فتيات قبل بلوغ سن الثامنة عشرة عاما.


إن بلادا ليبرالية رأسمالية أخرى تعاني مستويات مماثلة لهذه الجرائم؛ فالهند على سبيل المثال، حصلت على سمعة سيئة لكونها إحدى عواصم الاغتصاب في العالم. وفي أوروبا الغربية، فإن واحدة من كل أربع نساء قد تعرضت للعنف المنزلي. وفي المملكة المتحدة كشفت وزارة الداخلية إحصاءات مرعبة تقدر بأنه في شهر يناير الحالي فقط اغتصبت امرأة واحدة في كل ست دقائق في البلد أو نحو ذلك.


إن هذه الأيديولوجية الرأسمالية الليبرالية، للأسف تسيطر على الدول والمجتمعات في العالم. وفي ظل النظام الليبرالي والرأسمالي فإن هناك تناقضا واضحا بين التشريعات التي تسعى إلى إقامة مجتمع آمن للنساء وبين العقيدة الرأسمالية التي تعزز الاعتقاد لدى الرجال بأن تحقيق رغباتهم هو الهدف الأساسي في الحياة. وهناك تناقض واضح بين الدعوة لاحترام المرأة وبين القاعدة الرأسمالية بأن المنفعة المادية هي العامل الرئيسي للقيام بالأعمال والسياسات، حتى لو كان ذلك يعني السماح لقطاع الإعلانات والأعمال والترفيه لتجريد المرأة من مكانتها وتحويلها إلى مجرد سلعة لتلبية رغبات الرجال ولزيادة المبيعات. وهناك تناقض واضح أيضا بين السعي إلى حماية المرأة وبين صون الحريات الليبرالية التي تجعل الرغبات الشخصية مقياساً للصواب والخطأ، وترعى ثقافة حب النفس حيث السعي وراء الرغبات الأنانية هو السائد. وكثيرا ما يستشهد بتعاطي الكحول والمخدرات كمثال على أنها عوامل مشتركة تؤدي إلى العنف ضد المرأة. ولكن أساس هذه المشاكل ينبع من العقلية الليبرالية التي تركض وراء الرغبات الأنانية، بغض النظر عما يمكن أن تسببه للآخرين. كل ذلك ولّد مجتمعات أصبحت فيها كرامة المرأة وسلامتها منتهكة.


للأسف، فإنه طالما عاشت المرأة في ظل النظام الليبرالي الرأسمالي فإن حملات التوعية مثل "انتفاضة المليار" لن تثمر في إيقاف المدّ للمواقف السلبية والعنف ضد المرأة الذي يتغذى بهذا النظام الضار.


الاعتقاد بأن حل الجرائم ضد المرأة يكمن في حفنة قوانين في الوقت الذي تطبَّق فيه أيديولوجية تقوم على التقليل من مكانة المرأة وتقوض سلامتها بشكل ممنهج هو حكم متهور ومغلوط.


إن التصدي للعنف ضد المرأة بإخلاص يتطلب نظاما يجعل حماية كرامة المرأة وأمنها ركيزة أساسية في كل مستوى من مستويات سياسة الدولة بدلا من شعارات انتخابية فارغة.


إن الإسلام وحده هو الذي يقدر القيمة الكبيرة والمسئولية الجسيمة في حماية كرامة المرأة وهو الذي يوجب على الرجال التضحية بحياتهم من أجل الدفاع عن كرامتها. إنها دولة الإسلام، الخلافة، التي توفر الإستراتيجية الواضحة لحماية كرامة المرأة في المجتمع من خلال القيم والقوانين التي تتناسق مع بعضها لتحقيق هذا الهدف.


إنها دولة ترفض الرأسمالية والمبادىء الليبرالية، بل تعزز التقوى والنظرة الإسلامية نحو المرأة في التعليم والإعلام والنظام السياسي الذي تشكل بحسب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما النساء شقائق الرجال ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم".


إن الإسلام يحظر أي نوع من التقليل من شأن المرأة ويحافظ على كرامتها، ويطبق عقوبات صارمة ضد أي نوع من الاعتداء ضد المرأة، حتى من يتهم امرأة بدون بينة فإنه يجلد. إنها دولة الخلافة التي تشعر المرأة فيها بأمان في بيتها وفي الحياة العامة. كما يسمح لها بالمساهمة النشطة في السياسة والتعليم وسائر شؤون الحياة وهي آمنة من الاعتداء عليها.

الدكتورة نسرين نواز

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار