September 17, 2013

خبر وتعليق النظام السعودي يتحسس لهيب الثورة ويشتمُّ دخانها


الخبر:


شهدت المدينة المنورة على مر الأيام الماضية انطلاق دورات "تفعيل دور عضو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تعزيز الأمن الفكري"، التي دشنها أمير المنطقة بحضور الرئيس العام لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الشيخ الدكتور عبد اللطيف بن عبد العزيز آل الشيخ.


وشدد (آل الشيخ) على أن الهيئة نظمت دورات وأنشطة متنوعة في عدد من مدن المملكة، لتكون عونا للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر على صد الشبهات التي تعرض له، من خلال ما يدعيه وينشره بعض مرضى القلوب والعقول الذين يحاولون النيل من الأمن واستقرار هذا الوطن المبارك وهذه البلاد المباركة التي تنعم بالأمن والاستقرار، ونشر الشبهات وإيذاء ولاة الأمر والعلماء وأبناء الوطن في أمنهم واستقرارهم ورخائهم. (الرياض - 13-09-2013).

التعليق:


لقد سبقت هذا الخبر أحداث عدة، أبرزها:


1) وقوف النظام السعودي بقوة إلى جانب الانقلاب العسكري الأمريكي في مصر، والذي كان من وجهة نظر المحبين لدين الله من أبناء بلاد الحرمين وعلمائهم، وقوفًا مع العلمانيين ضد الإسلاميين ووقوفًا مع العلمانية ضد الإسلام..


2) التضييق على أهل الشام ومراقبة نشاطاتهم وتحركاتهم، ومنع المساعدات المادية خارج الإطار الحكومي، بالإضافة إلى تهديد كل من تسول له نفسه بالسفر للقتال مع أهل الشام، وتبني المشاريع الغربية السياسية أو العسكرية، فهم الداعم الأساسي لكل ائتلاف أو اتفاق لعلمنة التحرك وضمان عدم خروجه عن السيطرة الغربية، كما أنهم عرابو التدخل الأمريكي والغربي العسكري في الشام، والذي يلقى رفضا شعبيا عاما..


3) تحرك الكثير من علماء وأئمة بلاد الحرمين ضد الانقلاب العسكري الأمريكي في مصر، في موقف مناقض تماما لموقف الدولة وبشكل صريح، حيث وقع 56 عالما على بيان رفض الانقلاب، وخطب العديد من الأئمة في مختلف مناطق البلاد ضد الانقلاب وضد من يدعمه..


4) الاستمرار في اعتقال الرجال والنساء، العلماء والعوام، ومنهم ذوو الشعبية العريضة في البلاد، بحجة مكافحة الإرهاب أو الخروج على ولي الأمر أو التحريض على الدولة أو التحريض على العنف، بالإضافة إلى الدعم المالي السخي لمكافحة الإرهاب المزعوم، والذي لم يعد يقنع أحدا في بلاد الحرمين..


5) التضييق على العمالة الوافدة بشكل كبير بحجة أنهم هم سبب مشاكل عمالة أبناء البلاد، كالبطالة وقلة الأجور، لصرف الأذهان عن واجب الدولة في الرعاية وعن نهب الدولة لحصة أبناء البلاد من الملكية العامة، ثم التذرع بهذه العمالة الوافدة، وهي الخدعة التي حاولوا أن يستخدموها لتضليل الناس وإلهائهم عن حقيقة فسادهم وسرقاتهم، وهذه الخدعة لم تنطل على الواعين من أبناء البلاد بل كانت ذات تأثير عكسي على النظام بشكل عام..


6) استمرار معاناة أبناء البلاد من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وارتفاع نسب الفقر والبطالة والتسول وضعف الأجور وغيرها، مع عجز تام من الدولة عن معالجة هذه المشاكل، في مقابل الإنفاق الهائل الذي يشاهده أبناء البلاد من رؤوس نظامهم على التسلح غير المبرر ومكافحة الإرهاب المزعوم ومشاريع الغرب، وقنوات الفساد، وانقلاب مصر وغيرها الكثير..


7) هجوم إعلامي شنيع من وسائل الإعلام السعودي، بإيعاز واضح من النظام، ضد فكرة الخلافة أو الدولة الإسلامية، والهجوم بأقذع الألفاظ على الجماعات الإسلامية ودعاة الإسلام بشكل عام، سبق ذلك تمكين الليبراليين بشكل عام من منابر الإعلام وجعلهم أصحاب النفوذ والكلمة العليا فيها..


8) العديد من التغييرات في القوانين الاجتماعية وخاصة قضايا المرأة، والتي قابلت سخطا شعبيا عاما لما فيها من خروج على ما ألفوه من عادات وتقاليد متوارثة..


9) العديد من التغييرات في مناصب الدولة، وكان بعضها يعكس خلافات واضحة بين العائلة الحاكمة نفسها، فتارة يعزل الأمير مقرن، ثم يعيده لمنصب آخر، ثم يبعد أبناء الملك فهد والأمير سلطان عن الصورة، ثم يتراجع ويعيدهم إليها، وهكذا، كما أننا أصبحنا نسمع عن أمير يهاجم النظام، أو ينشق عنه، وأمير ينصحه بالعدول عن فعل قام به، وآخر ينتقد تصرفا فعله، وغيرها..


10) العديد من الخطب والدروس والمحاضرات والتعميمات في المساجد والمدارس والجامعات، والتي ترتكز على طاعة ولي الأمر وتحذر من الخروج عليه وتحذر من الفوضى والفتن وغيرها من الكلام الذي كان يلقى قبولا من العامة، ولكنه أصبح مجروح الثقة وأصبح أصحابه مجروحي العدالة عند عامة الناس، بعد وقوف كثير من أصحاب هذه الفتاوى من علماء السلطان إلى جانب الانقلاب في مصر، على عكس فتاواهم..


11) أخيرا وربما الأهم، تحركات شعبية عديدة في بلاد الحرمين، في الرياض ومكة والقَصيم والخُبر وغيرها، ومظاهرات ليلية واعتصامات عند وزارة الداخلية أو العمل، وغيرها من التحركات التي جعلت النظام السعودي يشعر بأن السيف يقترب فعلا من رقبته..

إن هذه الأحداث وغيرها، جعلت النظام السعودي كالذي يتخبطه الشيطان من المسّ، لا يعرف كيف يواجه الأحداث، وهو كلما قام بأمر لوأد هذه الأحداث انقلب ضده، كموقفه من انقلاب مصر أو العمالة الوافدة، وها هو كما العادة يلجأ لما يمكن أن يكون ورقته الأخيرة، علماء السلطان، ودورات فكر الخنوع لعلها توقف هذه النار التي يحس بحرارتها ويشتم دخانها..


إن الواجب على أبناء بلاد الحرمين وعلمائهم المخلصين، أن يكونوا أنصار الله لا سواه، فيجعلوا الله سبحانه فوق كل حاكم وكل عالم وكل هوى، فهم ولا شك يدركون أن هذا النظام لا يحكم بالإسلام ولا ولاء عنده إلا للغرب، ولا يرعاهم بما أمر الله، بل هو لا يرعى سوى مصالحه وأسياده الغربيين، فعليهم أن يقولوا الحق لا يخشوا إلا الله، ويتحركوا من أجل إقامة دين الله كاملا غير منقوص، وأن يجعلوا تحركاتهم كلها من أجل هذا الهدف الأوحد، لا من أجل دنيا زائلة أو مصلحة آنية، وأن لا يسمحوا لعلماء السلاطين بإقعادهم عن إرضاء الله، وأن لا يسمحوا للعلمانيين المدعومين من رأس النظام بأن يفسدوا عليهم دنياهم وآخرتهم، بل يعلنوها كما أعلنت في الشام "هي لله هي لله"..

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمد بن إبراهيم - بلاد الحرمين

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار