May 30, 2010

خبر وتعليق القومية تفكك الاتحاد الأوروبي مثلما فككت المسلمين من قبل


بعد أن أنشئ الاتحاد الأوروبي ليحاول منافسة الهيمنة الأميركية على العالم وهيمنت عليه النخب الأوروبية، ها هو الآن يتأرجح للسقوط في هاوية التفكك. فقد حصلت ثلاثة أحداث في الآونة الأخيرة أظهرت تعارضها مع قومية الاتحاد، مما دفع بالاتحاد إلى الوصول إلى تلك الحافة.

أ- فإخفاق أوروبا في الاستجابة المناسبة للتعامل مع الأزمة الرماد البركاني الذي أعاق لأيام حركة الطائرات في جميع أنحاء القارة، والذي عمق من حجم الشرخ بين البلدان الأوروبية، حين تخلت الحكومات الوطنية عن توجيهات الاتحاد الأوروبي وانصرفت لإنقاذ شركات الطيران الجشعة، في موقف يشابه موقف الاتحاد الذي تردد في التحرك من أجل إنقاذ اليونان وإنقاذ اليورو.


ب- وإلى أن تمكن زعماء أوروبا من حشد ما يكفي من القوة لاحتواء غضب الرأي العام، وإقرار حزمة المساعدات لليونان، تمكنت أسواق المال بمساعدة النسور الأمريكية (صناديق التحوط ووكالات التصنيف) من افتراس البلدان الضعيفة (البرتغال وايرلندا واليونان واسبانيا)، وتُركت البرتغال واسبانيا لتواجه غضب المضاربين. ولكن ذلك لم يكن نهاية الأزمة أو الحد الأدنى لها، كما كان يأمل بعض المراقبين، وكأن ذلك لم يكن سيئاً بما فيه الكفاية، ج- فأنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية، تعاني من انتكاسة في الانتخابات الإقليمية، ما دفعها إلى اتخاذ خطوة غير معتادة حظرت فيها البيع على المكشوف، والذي بدوره فاقم من المأزق في أوروبا. وقد كانت هذه الخطوة أحادية الجانب مما أذهل بقية دول أوروبا، وكشفت عن انقسامات عميقة سببها القومية التي تساهم في الإسراع من تآكل السلطة في قلب الاتحاد الأوروبي. وقد ظهر هذا جلياً في مؤتمر صحافي عقده الرئيس الأوروبي، هيرمان فان رومبوي، على عجلٍ، لرأب التصدعات التي تسود القارة الأوروبية، بدلاً من تعزيز الوحدة الوطنية. فسارت دول الاتحاد وراء المشاعر التي أعربت عنها شعوبها.


يمكن أن نخلص من الأزمة التي تصيب الاتحاد الأوربي بملاحظات:


الاتحاد الأوروبي منهك اجتماعياً واقتصادياً، وهو في طريقه إلى الفشل وسوف يواجه انهياره في نهاية المطاف، وانتصار الدول لقومياتها المتعددة على حساب الاتحاد أمر بارز عند الجماهير الأوروبية. وكانت تجربة إنشاء الاتحاد الأوروبي محاولة جريئة من جانب بعض الدول الأوروبية لوضع قرون من الانقسام والحرب جانبا. ولكن بعد 40 عاماً من محاولة خلق مكانة للدولة الحديثة، فإنّ الاتحاد الأوروبي قد تفكك إلى مجموعة من الدول، ما قبل الدول الحديثة (الدول القومية)، حيث الدول القوية مثل انجلترا وفرنسا وألمانيا على خلاف بشأن مستقبل أوروبا. وقد كان ذلك متوقعا من قبل، فقد شهدت القارة الأوروبية اختلافات ثقافية وطائفيه دينية وتنافساً شديداً بين الدول القوية فيها. كما أنّ التاريخ الأوروبي يظهر أنّ هناك انعدام في الدوافع التي من شأنها توحيد أوروبا، اللهم التهديدات الخارجية. ففي القرن السابع عشر ومع وصول الجيش العثماني إلى أبواب فيينا، تحفزت الدول الأوروبية لفترة وجيزة فوضعت خلافاتها جانباً على أن تستأنفها في وقت لاحق.


وفي القرن العشرين وبسبب تهديدات الاتحاد السوفيتي، ولاحقاً تهديدات الهيمنة الأمريكية العالمية، أُجبرت أوروبا على بلورة شكل من أشكال الاتحاد. ففي أكثر الأحيان كان تكاتف الدول الأوروبية أمر مؤقت ويُستخدم من قبل البعض كفترة نقاهة بعد تعرض أوروبا لويلات الحروب. ولكن بمجرد أن يضعف التهديد الخارجي - وفي هذه الحالة ضعف أميركا في العالم- فإنّ أوروبا تعود إلى حالة الانقسام.


وفي المقابل فإنّ القومية التي تعمل على تدمير النسيج الاجتماعي للاتحاد الأوروبي تتراجع في كثير من بلدان العالم الإسلامي. فإنّ مفهوم الأمة اليوم يطغى على مفهوم القومية، وأصبح مفهوم الأمة الواحدة بمثابة القوة التي توحد المسلمين في جميع أنحاء العالم. فالمسلمون من المغرب إلى اندونيسيا سرعان ما اكتشفوا بأنّ لديهم الكثير من القواسم المشتركة ضمن الرؤية الإسلامية وبعيداً عن هوياتهم الوطنية التي حددتها الحدود المصطنعة. فمحنة المسلمين في فلسطين والشيشان وكشمير والعراق وأفغانستان مثلاَ لم يعد يُنظر إليها على أنّها مشاكل داخلية، بل أصبحت تعتبر عند المسلمين من المشاكل الإسلامية التي يجب أن يكون حلها من الإسلام.


وعلاوة على ذلك، فإنّ فكرة الدولة القومية قد بات يُنظر إليها اليوم على أنّها دخيلة على المسلمين في بلدان العالم الإسلامي. فلم يكن لها وجود في التاريخ الإسلامي، كما أنّها ليست من نتاج الفقه الإسلامي، بل هي على النقيض منه. فهي فكرة أُجبر المسلمون عليها من قبل القوى الغربية لمنع إعادة إقامة الخلافة. ولهذا فإنّ جموع المسلمين لم يعطوا ولاءهم يوماً لهذه الدول المصطنعة، مما اضطر هذه الدول إلى حكمهم بالحديد والنار. وما هي الآن إلا مسألة وقت قبل إقامة الخلافة العالمية على أطلال هذه الأنظمة القمعية.


إنّ حكام العالم الإسلامي ليسوا عميان عن هذه الحقائق، بل هم معارضون لهذا المشروع. فهؤلاء الحكام يعتقدون بأنّ المسلمين لا يمكن لهم أن يعودوا متحدين، وأنّ الخلافة لا تعدو جزءاً من الماضي.


ومن المفارقات فقد أصبحت الدول القومية التي تم تصنيعها في العالم الإسلامي لمحو الوحدة السياسية للمسلمين من مقومات التغيير. حيث دفع ضعف المسلمين في أنحاء العالم إلى تجاهل أوروبا وأمريكا كدول نموذجية، وتضاعفت الجهود لإعادة إقامة الخلافة.


عابد مصطفى

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار