July 13, 2013

خبر وتعليق الرأسمالية أخذت الغذاء من أفواه الأطفال


وفقا لأبحاث حديثة قام بها كل من تيسكو، وبنوك الأغذية الخيرية، تروسيل ترست، وجمعية إعادة توزيع الأغذية الخيرية، Fair Share، فإن واحداً من كل خمسة آباء في المملكة المتحدة يكافح من أجل إطعام أطفالهم. يفوّت العديد منهم واجباتهم اليومية، بينما البعض الآخر يبقى دون طعام لعدة أيام لأجل إطعام أطفالهم، أو يعتمد على العائلة والأصدقاء لتقديم الغذاء لهم. تعتمد 70٪ من الأسر التي تعاني من نقص الغذاء ولديهم أطفال في التعليم الابتدائي، جزئيا على المواد الغذائية التي تقدمها المدارس. ونتيجة لذلك، نتوقع أن نرى في العطلة الصيفية المدرسية القادمة عددا كبيرا من الأطفال الجياع. وتبين البحوث أيضا أنه من غير المرجح أن تتحسن مشكلة الفقر الغذائي في المملكة المتحدة في المستقبل القريب. وفقا لتقرير مشترك، من قبل منظمة أوكسفام وهيئة الكنيسة لمكافحة الفقر، نشر قبل بضعة أسابيع، فقد تضاعف عدد الأشخاص الذين دفعهم اليأس لاستخدام بنوك الغذاء التي توزع المواد الغذائية المتبرع بها من قبل الجمهور، بثلاثة أضعاف في العام الماضي وحده. وعزا العديد من المؤسسات الخيرية هذا الارتفاع الكبير في الأشخاص الذين يلجأون إلى الإمدادات الغذائية الطارئة لإطعام أنفسهم وأسرهم، إلى خفض الحكومة الرعاية الاجتماعية، وانخفاض الأجور، والأزمة الاقتصادية الناجمة عن النظام الرأسمالي المعيب. ويعكس صعود هذه البنوك الغذائية فشل الحكومة البريطانية الرأسمالية وتخليها عن رعاية الأشخاص الأكثر ضعفا في المجتمع، بينما في الوقت نفسه تقوم بإعطاء الإعفاءات الضريبية للأثرياء وبإنقاذ مصارف بعدة مليارات.

وقد اقترن هذا مع تصريحات قاسية من قبل سياسيين رفيعي المستوى في المملكة المتحدة الذين ذموا أولئك الذين لا يستطيعون إطعام أطفالهم على نحو كاف أو أولئك الذين يزورون بنوك الغذاء، مما يعكس احتقارهم للفقراء، وعدم الاهتمام برعاية من يحكمونهم، ومحاولة منهم لتبرئة أنفسهم والنظام العلماني الذي هو من صنع الإنسان، من المسؤولية تجاه هذه الأزمة الاجتماعية. في تموز /يوليو الجاري، وصف اللورد فرويد، وزير العمل والمعاشات الثري، أولئك الذين يحضرون مراكز توزيع الأغذية بأنهم انتهازيون يفعلون ذلك لكسب الغذاء مجانا، بدلا من كونهم يائسين أصحاب حاجة حقيقية. في حين اقترح مايكل غوف، وكيل التعليم أن سوء الأبوة والأمومة بدلا من نقص الموارد المالية هو المسؤول عن ارتفاع أعداد الأطفال الذين يذهبون إلى المدرسة جياعا.

إن كل هذا هو نتيجة للنظام الرأسمالي المدمر الذي يخلق اقتصادات غير مستقرة مثقلة بالديون تعتمد على الاقتراض والائتمان التي هي عرضة للانهيار والأزمات، مما تسبب في ارتفاع معدلات البطالة والتضخم، وتغرق المواطنين العاديين والعديد من الأسر في الفقر المدقع. وبالإضافة إلى ذلك، يتميز هذا النظام الضار بتلبية احتياجات ومصالح النخبة الغنية بدلا من احتياجات عامة الناس، وتغذي العقليات، بما في ذلك تلك الموجودة في الحكم التي ترى الفقراء والضعفاء بأنهم يشكلون عبئا على الاقتصاد بدلا من كونهم أفرادا، يتوجب على الدولة توفير الغذاء الكافي والمأوى والاحتياجات الأساسية الأخرى لهم. وعلاوة على ذلك، فهو نظام يركز على جلب الثروة بدلا من التوزيع الفعال للثروة لضمان تلبية جميع احتياجاتهم الأساسية، والتي تطبق سياسات اقتصادية خاطئة والنموذج المالي الربوي الذي يجعل الأغنياء أكثر ثراء والفقراء أكثر فقرا. وباختصار، فإن إنسانية أي أيديولوجية أو مجتمع يمكن الحكم عليها وفقا لكيفية معاملتها لأكثر الناس ضعفا واستضعافاً. وقد أظهرت الرأسمالية أنه يعامل الفقراء والضعفاء بازدراء. فهي أيديولوجية محتقرة للإنسانية التي تقدس الثروة وتحقق مكاسب مالية بينما في نفس الوقت تخفض من قيمة الإنسان، وتتجاهل حاجاته.

وهذا كله يثير التساؤل التالي، لماذا تصر حكومات العالم الإسلامي في الاستمرار في تنفيذ ومتابعة الأنظمة الرأسمالية وغيرها المصنوعة من قبل الإنسان على أراضينا المسلمة. وحتى بعد الانتفاضات العربية، فإن القيادات الجديدة في مصر وتونس وليبيا، واليمن واصلت وضع ثقتها في النظام الرأسمالي وسياساته لبناء الاقتصاد والدولة، على الرغم من أن هذا النظام وسياساته كان سببا في إفقار، واضطهاد المسلمين منذ عقود. وكانت النتيجة هي تدهور الحياة السياسية والاقتصادية لشعوب المنطقة، بما في ذلك النساء والأطفال. فوفقا لتقرير نشر في تموز/يونيو هذا العام من قبل برنامج الغذاء العالمي للأمم المتحدة، فإن سوء التغذية بسبب الفقر يسبب 11٪ من معدل وفيات الأطفال في مصر. وفي اليمن، تتعاظم الأزمة الإنسانية مع كون ربع النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و 49 عاما تعانين من سوء التغذية الحاد وتكافحن من أجل إطعام أسرهن، ومع وجود 10 مليون يمني (أي ما يقارب ½ السكان) ليس لديهم ما يكفي من الطعام. ومما لا شك فيه، في هذا الشهر من رمضان، وكما هو الحال في العقود الماضية، ستكافح الملايين من النساء المسلمات والأطفال من أجل العثور على الطعام لسحورهم أو إفطارهم.

وحده نظام الإسلام، الذي ستنفذه دولة الخلافة، يستطيع أن يوفر شريان الحياة للخروج من هذه الأزمة الاقتصادية القاسية التي تجتاح أراضينا المسلمة. إنه النظام الذي لا تكون فيه أولوية 'مكافحة الفقر' مجرد خطاب السياسيين، ولكنها تتجلى في القوانين والسياسات الاقتصادية الإسلامية التي تلزم التوزيع العادل للثروة والزكاة وتوفير الاحتياجات الأساسية للجميع. هذا إلى جانب حظر احتكار الثروة، ومبدأ المصالح الاستغلالية، وخصخصة الموارد الطبيعية بحيث يستفيد الجميع من عائداتها. بل هو النظام الذي يكون التركيز فيه على رعاية احتياجات الإنسان بدلا من الحسابات المصرفية للأثرياء، وهو النظام الذي يكون الخليفة فيه مأموراً بأن يكون راعيا للرعية والحامي والمعيل للفقراء والضعفاء. إنها الدولة التي لديها تاريخ في القضاء على الفقر من البلدان. فقد روي أنه في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وبعد عدة سنوات من الحكم الإسلامي، بعث معاذ بن جبل، الذي عين واليا على اليمن، للخليفة الزكاة التي تم جمعها من أهل اليمن وقال إنه لا يستطيع أن يجد فقيرا يحتاج إليها أو يقبل منه. وقد كان ذلك نتيجة لتنفيذ قوانين الإسلام فقط لا غير، وتطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي الشامل على المنطقة مما رفع الفقر عن الناس وخلق الازدهار الواسع النطاق. يجب علينا أن نتذكر أنه في هذا الشهر من رمضان، الذي أنزل الله سبحانه وتعالى فيه القرآن رحمة للبشرية، أن هذه الرحمة لا يمكن أن يتجسد عمليا لهذه الأمة وللإنسانية إلا على النحو الذي أمر به الخالق من خلال التنفيذ الكامل لأحكام هذا الكتاب العظيم في إطار نظام الخلافة. لذلك، فبالإضافة إلى اجتهادنا في العبادات في هذا الشهر المبارك، فإنه يجب علينا أيضا كمؤمنين التركيز وزيادة جهودنا في حمل الدعوة لإقامة هذه الدولة على أراضينا الإسلامية.

((وما أرسلنك إلا رحمة للعالمين)) [الأنبياء: 107]


كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
د. نسرين نواز / عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار