January 28, 2014

خبر وتعليق الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر والبحث عن دودة الفرنديد في الخرطوم


الخبر:


نقلت جل الصحف السيارة في خرطوم السودان خبر زيارة كارتر للخرطوم، فقد ذكرت صحيفة التغيير السودانية في يوم 2014/1/22 ما يلي: وأبان كارتر أن زيارته تجيء في إطار البرامج الخاصة بالرعاية الصحية خاصة في مجال الدودة الغينية، والتراكوما وعمى الأنهار، إضافة إلى متابعة تدريب العاملين في المجال الصحي بالسودان. غير أن وزارة الخارجية السودانية قالت في بيان لها: إن زيارة كارتر تعتبر اتصالا لزيارات سابقة وأن أهدافها تتركز في ملف الانتخابات من حيث التدريب والمراقبة، ورعاية مبادرة للحوار الفكري بين مثقفي السودان وجنوب السودان، بالإضافة لمكافحة دودة الفرنديد. انتهى


التعليق:


الوعي السياسي هو النظرة إلى العالم من زاوية خاصة، وهي بالنسبة لنا من زاوية العقيدة الإسلامية لا غير. يقول تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْ‌هُمْ﴾. ويقول: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ‌ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّـهَ وَرَ‌سُولَهُ﴾. ويقول: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُ‌وا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِ‌كِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ‌ مِّن رَّ‌بِّكُمْ﴾.

هذه الآيات وغيرها الكثير تشكل وعي المسلم السياسي المفكر وهو يتعاطى رعاية شؤون الناس ويسعى لتحقيق مصالحهم والدفاع عن مكتسباتهم. أما رويبضات عالمنا الإسلامي فلا دين يضبطهم ولا وعي يحميهم. فمركز كارتر هو أحد أدوات السياسة الخارجية الأمريكية يسهّل لها الاتصال المباشر بالدول والشخصيات التي تعتبر دوليا مارقة مما يرفع عنها الحرج ويحفظ ماء وجهها. ولإلقاء مزيد ضوء على موضوعنا نورد الآتي:


- التقى كارتر بعمر البشير رئيس الجمهورية، وكان أبرز ما بحثه معه قضايا الحوار الوطني والانتخابات والدستور. جاء في صحيفة اليوم التالي يوم 1/23:

أعرب كارتر عن رغبته واستعداده لحل قضية أبيي وفتح حوار بين الخرطوم وجوبا، والتوسط مع الأحزاب السياسية لإجراء حوار حول الدستور ومراقبة الحوار الدائر بين القوى السياسية والحكومة استعدادا للانتخابات المقبلة، وعرض كارتر على الحكومة مراقبة انتخابات 2015. وذكرت اليوم التالي يوم 1/25 في خبر مقتضب بعنوان كارتر تعهد للرئيس بجعل أذن أمريكا صاغية: ... ونوه الدرديري (رئيس قطاع العلاقات الخارجية بالمؤتمر الوطني) في تصريح صحفي محدود بالمركز العام للوطني أمس الأول (الخميس) إلى أن لقاء كارتر جاء بغرض تنويره بوثيقة الإصلاح المرتقبة في القريب العاجل، مشيرا إلى أن كارتر أبدى اهتماما كبيرا بمختلف جوانب الفكرة.


- قابل كارتر حسن الترابي وتباحث معه حول قضايا الانتخابات والحوار والدستور وجنوب السودان وقدم له دعوة لزيارة واشنطن! وقبل الترابي الدعوة!


- تباحث كارتر مع رئيس البرلمان حول الحوار والدستور والانتخابات وغيرها وعرض التوسط بين الخرطوم وواشنطن.


- كان من المقرر أن يلتقي كارتر بوزير الصحة الاتحادي، لم أقرأ شيئا حول هل تمت المقابلة أم لا ولم أتعب نفسي في البحث! فالغرض من الزيارة قد بان وظهر!!

حكومة الحركة الإسلامية في السودان في أضعف حالاتها: صراعات وانشقاقات داخل الحركة وحزبها الحاكم، حالة اقتصادية يرثى لها وهي مرشحة للتفاقم، محيط مضطرب في جنوب السودان وأفريقيا الوسطى، ربيع إسلامي كاد يصل إلى الخرطوم، كل ذلك دفع نظام البشير ومن خلفه أمريكا للسعي لإحداث تغيير يثبّت الأوضاع في البلاد شيئا ما، ويمكّن أمريكا من تنفيذ مخططها بتقسيم السودان وترتيب أحواله بشكل يشبه ما جرى في اليمن من حوار وطني وحكومة انتقالية ودستور علماني يكتبه الجميع: البشير، المهدي، الترابي، الميرغني، الشيوعيون، الحركات المتمردة والشيخ الجليل جيمي كارتر أو من ينوب عنه! يجدر بالذكر أن البشير وبعد عرضه لوثيقته على كارتر شرع فورا في لقاءات مع الأحزاب السودانية بغرض تسويق مذكرته الإصلاحية!


ما العمل؟


- أن تدرك حكومة البشير بأنها لم تفهم الإسلام حق الفهم وأنها على خطأ، وأن سبب مشاكلنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية هو الفصل بين أحكام الإسلام والحياة بحصر الإسلام في الصلاة وصيام الاثنين والخميس والشعائر التعبدية الأخرى، وتحليل كل شيء بحجة الضرورة وجعل الضرورات تبيح المحظورات دينا قائما بذاته.


- أن تتبنى فهما تفصيليا للإسلام فكرة وطريقة. وهذا الفهم موجود مكتمل بحمد الله ومسطر في كتب يمكن أخذه والبدء بتطبيقه فورا.


- أن تعرض هذا الفهم على الأمة لتقف عليه ومن ثم تتبناه وتحتضن من يحمله وتدافع عنه.


وإن لم تفعل حكومة البشير ذلك؟ وهي لن تفعل! فسيستمر الأتقياء الأنقياء في إفهام الأمة بأن الوطنية رابطة منحطة وأن الدولة الوطنية فاشلة مخالفة للإسلام، وأن الديمقراطية ليست من الإسلام، وأن السعي للتغيير لا بد أن يكون على أساس الإسلام مستوعبا الأمة من الرباط إلى جاكرتا، وغيرها من أفكار الإسلام العظيم. وبموازاة ذلك يسعون بين ضباط الجيش لإقناعهم بفكرة الإسلام وطريقته ليقوموا بواجبهم في نصرة دينهم وتمكين الأتقياء الأنقياء من تطبيق أحكامه وحمله للعالم أجمع عبر دولة الخلافة الراشدة الثانية التي بشر بها نبي الهدى ونور الدجى محمد صلى الله عليه وسلم.


وماذا عن دودة الفرنديد؟ وهي اسم آخر للدودة الغينية، لم يجدها كارتر في الخرطوم! فيوجد حول العالم 148 حالة معروفة مؤكدة، والسودان ليست به ولا حالة واحدة مؤكدة، وهناك فقط ثلاث حالات مشكوك فيها في أقاصي جنوب دارفور عند الحدود مع جنوب السودان. ويا ليت كارتر المسكين ألقى نظرة سريعة على صفحة مركزه ليجد هذه المعلومات فيوفر ثمن التذكرة للخرطوم وعناء السفر!



كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أبو يحيى عمر بن علي

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار