September 15, 2013

خبر وتعليق السيول والفيضانات تفضح سنوياً تقاعس حكومة "اللاإنقاذ" عن القيام بدورها في رعاية شؤون الشعب

الخبر:


شهد السودان في الأسبوعين الأولين من شهر آب/ أغسطس فيضانات أدت إلى مقتل نحو 53 شخصا وتشريد أكثر من مائتي ألف شخص.


ووفق إحصائيات الحكومة السودانية، فقد أدت السيول إلى تضرر نحو 21 ألف أسرة وانهيار عشرات الآلاف من المنازل. وقد تضررت من هذه الفيضانات عدة ولايات سودانية أبرزها الخرطوم ونهر النيل.


وكانت الحكومة السودانية قد رفضت إعلان حالة الطوارئ في البلاد قائلة على لسان وزير الداخلية إبراهيم محمود حامد إن الأوضاع ما زالت تحت السيطرة.


وكان العديد من المتضررين من الفيضانات قد انتقدوا بطء الحكومة السودانية في إيصال المساعدات الإنسانية لهم.

التعليق:


تعيش السودان أوقات حرجة كغالبية بلاد المسلمين فالشعب مقهور من غلاء أسعار المواد الغذائية وغلاء مواد البناء وتكاليف التعليم والتطبيب والمواصلات وتدني الخدمات العامة؛ حيث لم تصل مياه الشرب إلى مناطق داخل العاصمة، والحال أسوأ في الأقاليم فالمياه شحيحة - إن وجدت - والناس تعاني من العطش في بلد يجري فيه أحد أطول الأنهار في العالم، نهر النيل! فمن أكبر المشكلات انعدام مياه الشرب؛ ولتوفير المياه يضطر الناس للمشي ساعات لشراء الماء والعودة به لبيوتهم أو شرائها بأسعار باهظة، وأصبح الناس يدعون الله تعالى لنزول المطر للزراعة وللشرب وللكهرباء، وقد هطلت أمطار الخريف غزيرة حتى صاحبتها سيول وفيضانات في عدد من الولايات بينها العاصمة الخرطوم ومنطقة شرق النيل، شمال وجنوب دارفور، نهر النيل، الشمالية، البحر الأحمر، الجزيرة، بجانب ولايتي النيل الأزرق وشمال كردفان، وتتدنى الخدمات العامة بشكل أكبر في الصيف فمياه الشرب التي تصل لمن تصل له تكون مياه بها طين وغير معالجة صحياً وتختلط بمياه المجاري وتنتشر الأمراض الخطيرة كالدسنتاريا، أما في الخريف فتصبح مهمة تحصيل الماء مستحيلة لامتلاء الشوارع بمياه الأمطار والوحل وتعسر حركة السير والسيارات والشاحنات، فيصبح تأمين أبسط مقومات الحياة واحتياجاتها شبه مستحيل.


وهذه المأساة تؤثر على حياة الآلاف؛ فمياه الأمطار تتجمع وتصبح بحيرات متفرقة في أنحاء البلاد، وتمتلئ ضفاف النيل حتى يفيض، وتتحول الأمطار التي تهطل بدون توقف لمدة ساعات طوال إلى سيول جارفة فتهدم بيوت الطين والجالوص البسيطة التي يعيش فيها أغلب السكان، ويموت كثير من الناس بسبب الصعق الكهربائي الذي تتسبب به المياه وتحاصر الناس في بيوتها وتحبسهم من الخروج لقضاء حاجياتهم، وتتحول البلد إلى منطقة كارثية؛ ينام الناس في العراء أو في بعض خيم الإغاثة، وتتشرد الأسر وينام الأطفال مع أمهاتهم في الشوارع، ويقف الآباء في حيرة من أمرهم ولا يجدون ما يسد رمق أهليهم وليس لديهم مأوى!


ويتلخص رد فعل الحكومة السودانية على هذه الكارثة في بعض النقاط:


- تتكرر المأساة في كل سنة وبدون أي حلول أو تدابير تتخذ من جانب الحكومة لمنع هذه الكارثة التي تحصد أرواح الأطفال والنساء والرجال وتلوث الأجواء وتنشر الأمراض الفظيعة بسبب الناموس والحشرات التي تتوالد بسبب المياه الراكدة، وتبقى بنية الصرف الصحي التحتية ضعيفة ومهلهلة، وتبقى ميزانيات السدود والخزانات المائية منهوبة تفضح فشل حكومة اللا إنقاذ!


- عدم التحرك لمساعدة المنكوبين والتنصل من رعاية شؤون الناس وترك الأمر كله للمنظمات الخيرية المحلية والدولية واستجداء البلاد الأخرى لإغاثة المتضررين كقطر والكويت!


- رد فعل الحكومة معدوم ولم يرتقِ لمستوى فداحة الحدث؛ فلم تقم باستنفار الناس وتحذيرهم عن طريق وسائل الإعلام المحلية وإرشادهم للتصرف الصحيح في ظل الأوضاع!


- لا يعلم أحد أين تذهب أموال النفط والضرائب والجمارك والجبايات المنهوبة، إلا أن المجتمع يفاجأ بأخبار من مثل تبرع البشير المجرم بمبلغ 2 مليون دولار لبناء حديقة وقصر بالقرب من قبر الرئيس الأثيوبي الراحل ملس زناوي!


إن هذا الإهمال المتعمد لرعاية الشؤون وسد احتياجات المتضررين ليس بجديد بل ومتوقع؛ فالبلاد تعيش في حالة من الفوضى وعدم الأمن والأمان، وكأن النظام قد "باع" الدين والشعب والأرض بالخصخصة الرأسمالية ورمى مسؤوليته عن الناس بعيدا، وليس هذا بغريب؛ حيث إن البشير ونظامه لا يحكم بما أنزل الله تعالى، فلا يهتم للمنكوبين بل بالنسبة إلى النظام فإن هذه الكوارث هي تخفيف أعباء عنهم، كأنما القصد تقتيل الناس! فالتقديرات تقول أن عدد المنازل التي جرفتها السيول أكثر من عشرة آلاف وأصبح أكثر من نصف مليون شخص مشردا!


وفي بلد قد وصلت نسبة الفقر فيه - باعتراف الحكومة - إلى 48% (والنسبة التي نشرتها المنظمات الإنسانية وصلت إلى 78%) يقوم النظام بقتل المسلمين فعلياً بالجوع والعوز، ومعنوياً بالتبلد وعدم الاهتمام وسوء رعاية الشؤون لدرجة الموت، فتنقلب النعمة إلى نقمة بسبب نظام مجرم لا يحكم بما أنزل الله تعالى. فالناس يجأرون بالشكوى إلى المولى عز وجل حتى يخلصهم من هذا النظام الرأسمالي الذي امتلأت كروش رموزه ومن والاهم بأنواع مختلفة من الأكل والشرب وينامون في قصور مترفة ويركبون سيارات غالية، ثمن الواحدة منها يتكفل بإيواء عشرات الأسر المشردة في الشوارع، ولَكَفَتْهُم الجوع والتسول لمعونات تباع في الأسواق ولم تصل للمنكوبين ونهبها التجار بمعرفة الحكومة، فبسبب غياب الراعي الذي يحكم بالإسلام جاعت وغرقت سلة غذاء العالم. فالواجب على المسلمين في أنحاء السودان العمل الجاد من أجل إقامة النظام الذي يرعى شؤونهم، والذي يضمن لهم محاسبة الحاكم على تقصيره، وليس غير دولة الإسلام دولة الخلافة وخليفة المسلمين الذي يطبق الإسلام كاملاً فتنعم البشرية بالعدل والطمأنينة.


فشتان بين عمر البشير ونظامه العلماني الذي تخصص في فرض الجبايات، من ضرائب وجمارك وخدمات مزيفة، وبين نظام الإسلام الذي جعل من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا ينام خوفاً من محاسبة الله تعالى له في بغلة، فماذا عن الناس!


فقال قولته المشهورة (لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله تعالى عنها لِمَ لَمْ تمهد لها الطريق يا عمر).


وكان يحاسب من يقصر من المسؤولين فقال "أيُّها الناس، إنِّي والله لا أرسل إليكم عمَّالاً ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أعْشاركم؛ ولكن أرسلهم ليعلِّموكم دينكم وسُننكم، فمَن فُعل به شيءٌ سوى ذلك، فليرفعه إليَّ، فوالَّذي نفس عمر بيده، لأقتصّنَّ له منه."


كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أختكم أم حنين / ولاية السودان

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار